حين أتذكر وفاة والدي أو وفاة صديقين عزيزين بأخطاء طبيّة، تخالجني مشاعر متناقضة، ربما أستذكر الأيّام، الأحاديث والحوارات، وربّما لا تفارقني ذكريات البيت القديم وشقاء السنين، ولكنّي لا بد أن أقرأ سطوراً قليلة من هذه الأخطاء الطبيّة القاتلة والتي صدرت عن أطباء من زمن تجارة الأعضاء، مثلاً وبكل بساطة منحة اشتراكيّة سوفيتية تحّول طالباً لم يحصل على شهادته الثانويّة إلى طبيب، ليلقي بظلال فشله على مرضى بلدته وجوارها، متشفياً من الأرواح المعذّبةِ، ليرتمي أخيراً في حضن جمعيّة إسلاميّة سيئة الصيت والفعل، فيلقى ضالته المنشودة بأن يصبح متاجراً بكل شيء.
وطبيبنا ليس أنموذجاً شاذاً بين حملة الشهادات العلميّة أو الأدبيّة أو الشهادات العليا الاشتراكيّة، بل هو مثال بسيط عن شريحة تضخّمت لتصبح سرطاناً تغلغل بذكاء وبراعة في كل مفاصل مجتمعنا، فالسيد المهندس المدير العام السّابق الذي يتردد كثيراً قبل أن يتذكر اسم الجامعة التي تخرّج منها في كوريا الشّماليّة، كما أنّ معرفة أحرف اللّغة الكوريّة وتذكّر عبارات التحيّة والتعارف بالنّسبة إليه تحتاج إلى شهادة دكتوراه، ولكنّ واجباته ومسؤولياته المبكّرة أغنته عنها، ثمّ أنّ أحداً لم يطلبها منه أو يهده إيّاها، والطبيب الجّراح النقابيّ، حولتّه الاشتراكيّة البلغاريّة من طالب بمعدّل 102/260 إلى طبيب جرّاح ...!، وجّراح آخر بلغ من العلم (عتيّاً) و بعد الخبرة والتدريس الجامعيّ تفّوق على الطبيب (مستر بن)، والسيّد الدكتور في الأدب العربي من أرمينيا و لا نزيد، وحملة الشهادات بحسب الصدف من جامعات أوكرانيا وجورجيا في أزمنة الاشتراكيّة كما أزمنة السقوط والمافيا، وبين الدكتوراه في الاقتصاد بلا ثانويّة عاّمة، وبين ماجستير هندي في خمسة عشر يوماً لمديرةٍ باهرة، وسوق الشّهادات بازار، فالشهادات البحريّة تأتي دون أن تذهب إليها، حيث يغنيك الوسيط السمسار عن الذهاب إلى أوكرانيا أو جورجيا مثلاً أو إلى بلد الأشقّاء الذين أتعبوا أنفسهم بالمجيء إلينا لأنّ المأدبة هنا أدسم وأكثر تنوعاً، وصارت الشهادات على (قفا مين يشيل)، حيث يمكن أن يسافر أحدهم أيّاماً ليعود بشهادة جامعيّة أو دكتوراه أو مجموعة من الشهادات له ولمرافقيه.
ولكنّ هذه العجالة لن تنسيني ( كثير الأوصاف ) الدكتور المهندس الاشتراكيّ الشّهادة - المدير السابق، الفاسد والمفسد، وكبير المهندسين و- المختار – السابق للقبول والاعتراف والمنح للشّهادات البحريّة، والمدرّس الحاليّ في الهندسة البحريّة، والذي أعيد بالطائرة من أول مرفأ إيطالي وصلت إليه السفينة التي عمل لديها بصفة كبير مهندسين في رحلة استمرت لأيّام وذلك لأنّه على ما يبدو قد أخطأ الاختيار، فلقد كان الاختيار الصائب هو الإدارة الهندسيّة للأساطيل البحرية الأميركية، وعندها لكنّا تخلصّنا منها ومن وجع الرأس خلال عدة أيّام دون عناء وبأسرع من سقوط بغداد.
ولأنّها تجارة الشطار، وما في حدا أحسن من حدا، فهنيئاً لنا بحاضرنا و مستقبلنا المرتهن بأيدي الدكتوراه و أيدي هيئات علماء المسلمين.
وكتبنا ...... بدون أسماء
بقصر لسان، وبعدين ..!؟
م. محمد أحمد – اللاذقية
Stevano682002@yahoo.com
.