سيدي المسؤول...
مضى زمن طويل، طويل وأنا أحاول الاتّصال بك، كتبت لك رسائل مضمونة الوصول...وانتظرت حتى اقتربت من التقاعد والرحيل...طلبت مقابلتك في كثير من المناسبات فكان الطلب نوعا من المستحيل. ترصّدت الحديث إليك أثناء زياراتك الصاخبة بالطبل والدفّ والمزامير، فكانت محاولة الاقتراب منك نوعا من الانتحار والجنون...
اتصلت بك هاتفيا كثيرا من المرّات، فكان "الخط دوما مشغول"...
وذات مرّة أدرت رقمك فحالفني الحظ الجميل، ولم تردّ أنت بل خاطبتني كاتبتك ذات اللسان الذي يغزل الحرير، قلت لها : أودّ التحدث إلى السيد المسؤول...
فقالت: من حضرتك؟ قلت: أنا…أنا مواطن بلا عنوان، مواطن بلا مأوى ومعه "عيال"... مواطن، مواطن كثيرا ما وعدوني بالحرية والأمان، مواطن تجلده الوعود ويصفعه الانتظار، مواطن يخنقه الجوع وتدوسه نشرات الأخبار…مواطن يحلم بالعدل والكرامة تحت الجدران، مواطن يكره إقامة مشاريع بالطبل والمزمار، مواطن يكره الجوع باسم القانون، مواطن يرفض غسل سيارات المسؤول…مواطن لا يطلب المستحيل. فردّت بسخرية ولكن المسؤول لا يمكن أن يضيّع وقته مع كلّ الزّائرين وهو الآن في اجتماع حول أهمّ قضايا المواطنين. قلت لها : الاجتماع أساسه الحديث عن المواطن فها أنا ذاك المواطن دما ولحما وليس المواطن الذي يتحدثون عنه في الاجتماعات بصيغة الغائب…فلماذا يتكلمون دوما وراء ظهورنا…قلت لها : قولي للسيد المسؤول أنا مواطن لا أطلب منك الكثير، لا أطلب منك أن تستعيد القدس الحزين فهذا طلب ثقيل، لا أطلب منك إعادة مزارع الجنوب اللبناني ولا الجولان السوري فهذا أيضا طلب مستحيل، لا أطلب منك حلّ مشكلة السلام الهزيل، لا أطلب عرشك فهذا لا أرغبه إلى يوم الدين...فقط أطلب قليلا من الصّدق وعدم الكذب على الناخبين، أطلب الوضوح وعدم التزوير.
قلت لها: قولي للسيد المسؤول أتذكر يوم كنت صغيرا في حيّنا قبل أن تنظمّ إلى معشر كبار البطون، كنت يومها وعند زيارة "مسؤول كبير" نراك تلهث كالكلب تستجدي تجميع الجماهير، كي تقتلع
رضاء ســادتك "الوزراء، والولاة، والمعتمدين..."كنت توزّع الأحلام والأوهام بالمجان على المواطنين...قلت للناس لأهل الحي الحاضرين والغائبين لقد مضى عهد التزوير، وحلّ عهد التغيير،
ولكم حقّ الانتخاب وحرية التعبير، وفي الليل تسلّلت تدقّ الأبواب، وتهدّد الشباب كي تجمع الأصوات، وتحتكر من جديد الانتخاب...وبعد صعودك إلى منصّة الخطاب، تركت هموم الجماهير، ورحت تحذّر الناس من خطر الإرهاب، وكلّ من يحاول الكلام عن وضعه، كلّ من يحاول تذكيرك بفصول الدستور، تتهمه بالسياسة فاسمح لي سيدي المسؤول فهل السياسة هذه أمّك، أم خالتك أم ورثة الأجداد والأولين؟! غريب منطقك يا سيدي المسؤول كغرابة حفرك "لحفرة العمود الكهربائي"، التي قامت الدنيا من أجلها وتحوّلت إلى مشاريع عملاقة، كتبت عنها الصحافة، وصوّرتها التلفزة، ومدحها الشعراء والكتّاب وصفّق لها الميّتون...
سيدي المسؤول الكذّاب...
أما آن لك أن تخجل قليلا وتغيّر الفعل والخطاب...أما آن لك أن تستحي وتحترم العباد...أما آن لك أن تنظر إلى نفسك في المرآة...أما آن لك أن تعترف بأنك حكمت الناس بالقهر والاغتصاب...أما آن لك أن تنتبه أنّك وغيرك في الوطن العربي الحكم صار عندكم من أملاك الأجداد...
أما آن لك سيدي المسؤول أن ترحل مع الظلام...لقد منحتك صوتي وعرقي فجلست على "عرش سواعدي"، منحتك جهدي وصبري فتربّعت على حلمي وأملي...
فأنا لست مستعدّا سيدي المسئول الكذّاب أن أمنحك صوتي بالغياب...ذلك لأنّ كلّ وعودك وخطبك سراب ولأنّك أسّست جمهورية من خراب...