ضمن الحملة الشرسة التي يتم شنها على قطاع غزة قامت جريدة الأهرام المصرية بنشر ما يمكن أن يوصف بأنه أهم حملة للتشهير والتضخيم غير المبرر أو المقبول فيما يتعلق بحركة حماس وقوتها وجبروتها منذ فترة طويلة، وبرغم أن التهويل - كان في مجمله ينصب حول ما تقوم به حركة حماس من استعدادات على الأرض من أجل اقتحام الحدود الفلسطينية مع مصر – إلا أن واقع الحال لا يشير إلى أي حسن نية تجاه ما تم نشره في تلك الصحيفة ، ويمكن أن نشتم من خلاله محاولة للتحريض والدس ضد ليس فقط حركة حماس لا بل ضد قطاع غزة بكل ما فيها من شجر وحجر وبشر.
إن ما تم ترويجه في تلك الصحيفة -- التي طالما كان لها دور في تعميق الخلافات العربية وزيادة "تأزيمها" ويمكن أن نستذكر في هذا السياق ما كان لها من دور تخريبي خاصة خلال عام 1990 عندما توجه الرئيس العراقي صدام حسين بقواته جنوبا باتجاه الكويت، هذا عدا عن دورها المستمر في العديد من المواقف والمفاصل التاريخية لهذه الأمة -- إنما يأتي بحسب ما نراه محاولة لتهيئة الرأي العام والشارع المصري بشكل عام لنية مبيتة تجاه قطاع غزة، هذه النية قد تكون أي شيء بما في ذلك هجوم واسع على قطاع غزة من قبل دولة الاحتلال وبالتالي لن يخرج صوت تأييد أو تضامن واحد في مصر كلها، وهو على أي حال وإن لم يكن كذلك- هجوم على غزة- فهو في أحسن الأحوال محاولة من الجريدة لتعبئة الشارع المصري ضد الفلسطينيين بشكل عام وذلك من أجل تخفيف الدعم والتضامن الشعبي ليس مع قطاع غزة وحسب لا بل ومع القضية الفلسطينية بشكل عام هذه القضية التي تعيش في وجدان أبناء مصر العروبة منذ أن ابتدأت هذه القضية قبل عقود من الزمن.
الجريدة التي نعتقد بأن فيها من لا يريد الخير لا لشعب فلسطين ولا لشعب مصر قالت في عناوين -بحسب ما نشرته وكالة معا يوم الثلاثاء 15-4-2008 - فيها الكثير من التحريض الواضح، حيث لا يمكن النظر إلى عناوين مثل – "الأهرام تكشف عن خطة حماس لاقتحام الحدود"
"قصف بالهاون وتلغيم الأنفاق ونسف الجدار بالمتفجرات "،"فتوى لحماس تبيح لميليشياتها قتل الجنود المصريين"-، على أنها عناوين بريئة وأن الغرض من ورائها هو السبق الصحفي أو إذاعة ونشر الخبر بمهنية وموضوعية، مثل هذه العناوين في صحيفة كالأهرام تعني الكثير للمواطن المصري العادي خاصة، وتحمل في ثناياها الكثير من الإشارات الخطيرة، ولا يمكن أن يقال بأنها سقطت سهوا.
إن مجرد نشر مثل هذه الأخبار التي لا نعتقد بحال من الأحوال بصحتها ولا بصدقيتها لأن من غير المنطقي ولا المعقول أن تقوم حركة حماس بذلك، خاصة وان العالم بأسره يعلم بأن مصر هي المتنفس الوحيد الذي من خلاله يتنفس أبناء قطاع غزة بما في ذلك أبناء حركة حماس، هذا عدا عن أن قادة الحركة وكل الناطقين باسمها لم يتوقفوا أبدا عن الإشادة بالدور المصري وما قدمه أبناء مصر على مدى سنوات المواجهة مع قوات الاحتلال.
الخبر بهذه الصيغة لا يتوقف عند تحريض الشارع المصري وحسب، لا بل هو أيضا تحريض ودعوة مفتوحة لدول العالم بأن حماس حركة قوية وأنها لا تهدد أمن دولة الاحتلال فقط لا بل أصبحت تشكل خطرا على مصر التي هي وكما يعلم الجميع اكبر الدول العربية، وهي محاولة للإيحاء بأن هذه الدولة العظيمة تشعر بالخوف وبالتالي فإن من حق الدولة العبرية أن تظل في قلق دائم من وجود هذا الكيان الخطير " قطاع غزة" على حدودها الجنوبية.
ضمن هذا السياق فلقد كنت أشاهد إحدى القوات الفضائية العربية التي استضافت أحد نواب مجلس الشعب المصري الذي كان يتحدث بشكل فيه الكثير من الاستفزاز والتحريض بالرغم من أن ممثل حركة حماس الذي كان يشارك من غزة في ذات البرنامج كان يحاول أن يرسل الرسالة تلو الرسالة للعضو المحترم بأن لا نوايا سيئة تحملها حركته ضد "الشقيقة" مصر.
الأهرام لم تقف عند هذا الحد لا بل أشارت في محاولة لربط حماس بقوى عربية وإقليمية وأنها في انتظار أخذ الضوء الأخضر من تلك الجهات وهي إشارات لا يلزم من يقرأها الكير من الذكاء ليدرك بأن المقصود بذلك إيران وسوريا، وهي أيضا إشارة للتحريض مبطنة ضد حماس والقطاع بأن هؤلاء إنما يرتبطون بعلاقات مع أنظمة أو دول "يتم تصنيفها على أنها من الدول التي تدعم الإرهاب أو الدول الشريرة".
الخطة التي أشارت إليها الصحيفة بشكل مفصل تشير إلى قدرة غير عادية تتمتع بها حركة حماس وأن لديها مخزونات من الأسلحة لا حصر لها، علما بأن نشر أو توزيع مدافع الهاون التي أشارت إليها الصحيفة لا يمكن أن تسمح به الدولة العبرية وسوف تقوم بتدميره بمجرد اكتشاف مواقعه، وهي – الجريدة- تصور الأمر وكأنه استعدادات لحرب قادمة ضد مصر وأنها ليست سوى مسألة وقت لكي تقوم "القوات الحماسية" باحتلال أجزاء من الأراضي المصرية أو على الأقل السيطرة المؤقتة عليها.
لم تكتف الجريدة بذلك لا بل أشارت إلى أن هنالك ثمة تنسيق شبه كامل بين حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر وأن الأخيرة سوف تتكفل بالتغطية الإعلامية والدعائية اللازمة وكذلك تحشيد جمهورها من المصريين من أجل التغطية على عملية اقتحام الحدود الفلسطينية المصرية.
طبعا وكما هو معروف فإن حركة حماس قامت بنفي كل ما أوردته الصحيفة من خلال ما صرح به الناطق باسمها لذات الوكالة وهذا ليس مستغربا خاصة وأن الموضوع لا يجب السكوت عليه ولا بد من إيضاح الصورة حتى تنجلي على الأقل لأبناء الشعب المصري الذين ارتبطوا تاريخيا بالمسالة الفلسطينية. وقد أشار سامي أبو زهري بأن ما جاء في الأهرام ليس سوى "دعوة لجنود الجيش المصري لقتل أبناء الشعب الفلسطيني بدون رحمة"، كما قال بأن كل ما جاء في التقرير " يمكن التثبت من كذبه من خلال أي صحفي يذهب إلى الحدود للتأكد من أنه لا يوجد هاونات ولا ميليشيات ولا أي شكل من أشكال التسلح على طول الحدود"
إننا نعتقد بأن الماكينة الإعلامية المصرية التي لا تريد لهذه الأمة خيرا قد بدأت بالتحرك ضد القطاع، ونعتقد بأن في هذا التوجه الكثير من نذر السوء، وعلى هذا الأساس فإن على الأخوة في حركة حماس أن لا تأخذهم العزة بالإثم، وان يحاولوا بكل إمكانياتهم امتصاص هذه "المؤامرة" التي تشير إلى توجه خطير تجاه القطاع خاصة وأن أبناءه لا ينقصهم المزيد من المعاناة، نحن ندرك أن في حركة حماس الكثير من العقلاء ونحن هنا لا ندعي أننا أكثر حرصا أو دراية بما هو خير للشعب الفلسطيني منهم لا أننا نشعر بأن وراء الأكمة ما وراءها وأن الأمور تتجه نحو التصعيد الذي لا بد من خلفه نوايا ومقاصد قد يكون ثمنها الكثير من الدم والمعاناة التي لا أحد بحاجة إليها.
رام الله
15-4-2008
(تاريخ النشر ابوكمال - فلسطينى بالمهجر, ابريل 19, 2008, 9:53 PM)