لا يتردد رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت في الإعلان عن البناء أو الترخيص لمئات الوحدات أو الشقق السكنية في المستوطنات المنتشرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة في كل مرة تقوم بها الوزيرة – الآنسة – كونداليزا رايس أو غيرها من المسؤولين الأميركيين إلى المنطقة، وقد كان آخر ما استقبل به أولمرت الوزيرة رايس هو تلك التصريحات التي أطلقها يوم الاثنين خلال اجتماعه معها، حيث شدد على أن أعمال البناء في الأحياء الاستيطانية في القدس الشرقية ستستمر وبأنها سوف تبقى بيد إسرائيل كما هو حال باقي الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية.
رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت يقوم بذلك في محاولة منه للتأكيد للمسؤولين الأميركيين بأنه لا يكترث البتة بكل ما يمكن أن يقوله هؤلاء، وأنه يسير بخطى واثقة حثيثة ومؤكدة على تنفيذ سياسة قضم الأراضي الفلسطينية المحتلة، في تحد واضح للإرادة العربية والغربية وعلى رأسها الأميركية وقبل هذا وذاك الإرادة الدولية التي كانت ولا زالت أبدا تقول بأن ما تقوم به دولة الاحتلال في الأراضي المحتلة بما في ذلك الاستيطان إنما هي أعمال غير شرعية ولا تتفق والقوانين والشرعة الدولية.
واقع الحال يقول أن ما يتم الإعلان عنه من سياسة استيطانية ليس سوى الجزء الظاهر من السياسة الحقيقة التي تهدف إلى ترسيخ حقائق جديدة على الأرض بحيث يتم وضع – العصي في دواليب المفاوضات الدائرة – والتي هي عمليا لم تثمر عن أية نتائج يمكن الاعتداد بها أو الاستناد إليها في إظهار أية مصداقية للعملية التفاوضية التي تحاول إسرائيل من خلالها أن تبدو وكأنها دولة محبة للسلام، وأنها ترغب في العيش مع جيرانها من الدول العربية بشكل طبيعي كما بقية دول العالم.
الخطة التي تم الإعلان عنها – الاثنين 31-3-2008- والتي أشارت إلى أن مجلس بلدية القدس الغربية سوف يشرع ببناء 600 وحدة سكنية في أقرب وقت، والتي تعتبر خطوة في إطار مبادرة شاملة لرئيس بلدية القدس "تشمل بناء 40 ألف وحدة سكنية في المدينة من أجل تسهيل حصول الأزواج الشباب على سكن"، هذه الخطة تعتبر من أكثر الخطط طموحا في الرغبة الإسرائيلية للسيطرة على وتهويد المدينة المقدسة.
حركة السلام الآن الإسرائيلية التي كانت قد فضحت بالأرقام في شهر تشرين ثاني نوفمبر من العام 2006 السياسة الإسرائيلية ( حيث قالت في حينه أن ما يقارب من 40 في المائة من أراضي المستوطنات المقامة في الضفة الغربية هي عبارة عن أراض ذات ملكية خاصة للفلسطينيين، وأن هذه الأراضي قد سرقتها الدولة العبرية لبناء تلك المستوطنات عليها، وهذا ما ينفي الادعاء الذي لم تتوقف إسرائيل عن ترديده خلال أربعة عقود من الاحتلال البغيض، والذي يقول أن هذه المستوطنات يتم بناؤها على أراضي الدولة أو الأراضي الأميرية)، ليس فقط في سيطرة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على أراضي الفلسطينيين في الأراضي المحتلة بحجج وذرائع الأمن، لا بل وسرقة هذه الأراضي بطرق لا علاقة لها بالأمن أو بممارسات الدولة التي يمكن أن تحترم نفسها، بل بأساليب قطاع الطرق ورجال العصابات، أشارت في تقرير لها نشرته في اليوم ذاته – الاثنين- إلى أن هنالك " حوالي 500 مبنى تضم آلاف المساكن هي قيد الإنشاء منذ كانون الثاني الماضي في 101 مستوطنة في الضفة الغربية المحتلة"، وقال التقرير "أن البناء قد ابتدأ في 275 من هذه البنايات في حين أن 220 مبنى آخر كانت قد حصلت على ترخيص من السلطات المختصة قبل سنوات عديدة أصبحت شبه جاهزة"، التقرير كذلك أشار إلى أن المستوطنين " نجحوا خلال الأشهر الأخيرة في إقامة ما لا يقل عن 184 منزلا جاهزا دون إذن رسمي".
في السياق ذاته أيضا فقد أشار التقرير أن الوزير الإسرائيلي أيهود باراك أعطى الضوء الأخضر خلال الشهرين الماضيين لبناء ما لا يقل عن 960 مسكنا في مستوطنات الضفة الغربية المحتلة"، بالإضافة إلى أن " ما لا يقل عن 750 مسكنا تم بناؤها في أحياء يهودية في القدس الشرقية" عدا عن أن "أعمال البناء استمرت في 58 من المستوطنات العشوائية المنتشرة في أراضي الضفة الغربية".
حقيقة الأمر أن التقرير الذي أعدته حركة السلام الآن فيه الكثير من الأرقام والمعلومات التي تقشعر لها الأبدان عن الحجم الهائل لعمليات الاستيطان التي تقوم بها حكومة الاحتلال بقيادة أولمرت وباراك وليفني. كما أنها نذير شؤم لكل من يعتقد بأن هنالك إمكانية لإقامة الدولة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، حيث أن سياسة قضم الأراضي التي تتبعها إسرائيل تشير إلى أنه لا إمكانية لقيام مثل هذه الدولة على ما بات يعرف بحدود 1967.
القضية اللافتة للانتباه هي تلك التصريحات المتكررة للمسؤولين الأميركيين الذين لا ينفكوا عن الإشارة إلى إمكانية قيام الدولة الفلسطينية قبل نهاية العام الحالي بحسب رؤية الرئيس جورج بوش، والتي اعتقد بأنها غير قابلة للتحقق في ظل السياسات الإسرائيلية المتغطرسة، سواء فيما يتعلق بالاستيطان أو هذه الحرب المستمرة على الشعب الفلسطيني، إلا إذا كانت رؤية بوش تعني إقامة الدولة الفلسطينية على أي جزء من الأرض الفلسطينية بغض النظر عن حجم أو مساحة هذه الدولة أو فيما إذا كانت تلبي الطموح الفلسطيني في الحرية الحقيقية والحصول على دولة كاملة السيادة بدون معوقات أو مراقبة أو تدخل ...إلخ.
تصريحات المسؤولين الأميركيين التي تقول أن عمليات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية غير مقبولة إلى آخره من التصريحات غير الجادة في اعتقادنا، لم تعد كافية وهي غير مقنعة للجمهور الفلسطيني وتبدو في كثير من الأحيان للاستهلاك الإعلامي أكثر من أي شيء آخر، إذ لا نلمس على الأرض ما يعكس الجدية الحقيقية لمثل تلك التصريحات.
كذلك فإن الإشارات التي لا تتوقف عن أن هنالك الكثير من التقدم تم إحرازه منذ مؤتمر أنابوليس والتي ينفيها قادة العرب وفلسطين وكان آخر ما سمعناه في هذا المجال ما قاله السيد عمرو موسى في افتتاح مؤتمر القمة في دمشق، تدعوا إلى الاستغراب وهي على أي حال تذكرنا بكل التصريحات التي لم تكن بأي حال من الأحوال لها علاقة بالواقع أو بما يجري على الأرض في العراق المحتل عندما كنا نسمع الرئيس الأميركي وهو يعلن بكل ثقة عن هذه المسالة أو تلك وهو يعلم علم اليقين أن ما يقوله ليس سوى محض افتراءات وأكاذيب بحيث ثبت أنه وأركان ادارته مارسوا الكذب عدة مئات من المرات خلال الفترة التي سبقت احتلال العراق هذا عدا عن آلاف المرات التي تلت احتلال العراق، والتي كانت الإدارة الأميركية تصر خلالها على أن هنالك تقدما يتم إحرازه على الأرض في العراق، والواقع كان يشير إلى ما هو معاكس لا بل مناقض تماما لكل ما يقال.
ما يثير الدهشة كذلك هو التصريحات التي لا تتوقف عن الصدور سواء من قبل سيد البيت الأبيض أو الوزيرة رايس حول إمكانية تحقيق رؤية بوش فيما يتعلق بالدولتين، هذه التصريحات كان آخرها تلك التي صدرت عن السيد جورج بوش لجريدة - دي فيلت- الألمانية الصادرة الاثنين 2008-3-31 والتي عبر فيها عن تفاؤله بأن "ينجح كل من عباس وأولمرت في توقيع اتفاقية بِشأن إقامة دولة فلسطينية محددة المعالم قبل نهاية فترة رئاسته الثانية والأخيرة"، يضاف إلى ذلك ما قالته رايس عن أنها "تجد العمل الذي يجري انجازه مثيرا للإعجاب الشديد" كما قالت بأنها " تثق تماما أن هذا الهدف- الدولة الفلسطينية- يمكن بلوغه قبل أن يغادر بوش البيت الأبيض".
الواقع أننا إذا ما أضفنا كل تلك التصريحات إلى ما قاله السيد محمود عباس في عمان والذي كان يتناغم تماما مع ما قاله بوش ووزيرته رايس التي التقاها عباس هناك فإن السؤال المنطقي والمشروع هو على ماذا يستند هؤلاء كلهم في هذا التفاؤل؟ وكذلك كيف يمكن أن يستوي الأمران؟، الاستيطان الذي نراه يزداد بوتيرة عالية ويسرق الأرض من بين أيدي الفلسطينيين، وامكانية تحقيق دولتين متجاورتين، والسؤال الأخير هو، ترى هل هنالك ما هو مخفي ؟ " والمخفي أعظم" كما يقال، بحيث كان السيد محمود عباس يقول ما يقول وهو مستند إلى جدار صلب يمكن الاعتماد عليه، إن في الأمر ما يبعث على الريبة، والخوف كل الخوف أن تتم مفاجأة العالم باتفاق قد يكون أسوا من أتفاق أوسلو سيء الصيت، خاصة في ظل ما تم تسريبه عن عشرات اللقاءات التي تتم بالخفاء بين أحمد قريع وتسيبي ليفني.
Sadapril2003@hotmail.com
بيت لحم – 2-4-2008