انك متى كنت ذاهبا الى تعريف الحق بالرجال من غير أن تتكل على بصيرتك فقد ضل سعيك"
أبو حامد الغزالي.
استهلال:
ماهو في غاية الشهرة وما لا يحتاج في بيانه الى قول أن أبي حامد الغزالي ( توفي 1111م و505 هجري ) شخصية غريبة الأطوار متناقضة ومترددة بين الفقه والكلام والسيرة والحديث ومترحلة بين الفلسفة والمنطق والتصوف فقد نادى بإلجام العوام عن علم الكلام ولكنه كان من مدرسة أبي الحسن الأشعري الكلامية وتلميذ للجويني، ثم انه قد كتب فضائح الباطنية للرد على الشيعة الاسماعلية ولكنه نظر للإشراق والعرفان وتبنى تصورا باطنيا للحقيقة في مشكاة الأنوار ومعارج القدس والمنقذ من الضلال،زد على ذلك أنه درس الفلسفة واستفاض في شرحها وتحليلها في مقاصد الفلاسفة ومعيار العلم ومحك النظر وميزان العمل ولكنه هاجمها وبين خورها وكشف عن نقائضها الداخلية في تهافت الفلاسفة، بعد ذلك كتب المقصد الأسنى ولكن كانت له كتب مضنون بها على غير أهلها،ادعى أنه بسط الأسرار اللدنية والمعاني الإلهية بالمحاكاة والتمثيل والتخييل والتشبيه ولكن أكثر نصوصه مكتوبة بالرموز والمجازات واللمحات لا ينتفع بفائدتها الا من وقف عليها ببصيرة نفسه وكان معدا لفهمها وفائق الفطرة. انه "بحسب مخاطبته للجمهور يربط في موضوع ويحل في آخر ويكفر في أشياء ثم ينتحلها" كأنه لا يقنع بأي حل نهائي ولا يسلم بأي موقف دائما مترحلا وممتحنا ومختبرا يحقق ويدقق وينقد ويحلل تتعاند تأملاته الفلسفية مع يقينياته الدينية وتتباين شطحاته الصوفية مع آرائه الكلامية وقد رأى البعض أن مشروعه غير متماسك ولا يحتكم الى منطق ولم يكن متناسق على مستوى البنية. لكن عندما نغادر هذا الموقف المشهور ونستنطق نصوص الغزالي ونتحوط بفكره من كل جانب نستنتج منذ الوهلة الأولى وجود فكر موسوعي ونظرة شمولية وامتلاك الغزالي لأسلوب سلس و للغة زاخرة بالمعاني،فهو قد خاض في كل التجارب وتكلم بكل أنواع العبارة ودخل بطن الفلسفة وتصالح مع الجمهور وكسر زجاجة التقليد وعير عن جدلية التجذر والتفتح وكان من أهم المؤسسين لبنية العقل العربي الإسلامي.
على هذا النحو عرفت نظريته بعض التعثرات والارتباك في البداية ولكنها ما لبثت أن توضحت وتطورت وتهذبت وتحولت الى نظرة كلية في المعرفة والوجود والقيم في النهاية. وإذ اتخذ الغزالي لنفسه غاية البحث عن الحقيقة والعلم بحقائق الأمور فان القول الفصل بخصوص هذا الأمر لم يكن ليتحدد في البدايات بقدر ما يتوضح في النهايات ،فهل هناك حرج اذن عند القول بأن ما وصل اليه الغزالي في احياء علوم الدين والمنقذ من الضلال توجد إرهاصاته الأولى في القسطاس المستقيم ومعيار العلم؟ كيف نفسر تكفيره للفلاسفة لإنكارهم لحشر الأجساد ولإثباتهم الثواب والعقاب للنفوس خاصة ثم قوله في الميزان أن هذا الاعتقاد هو اعتقاد شيوخ الصوفية على القطع وأن أمره هو كاعتقادهم وقف عليه بعد طول بحث؟ لكن إذا اعتبرنا فلسفة الغزالي نسقا معرفيا ووجوديا وقيميا واحدا أنتجته بنية ذهنية واحدة فكيف نفسر التناقض بين الغزالي الفقيه والغزالي الفيلسوف وبين الغزالي المتكلم والغزالي المتصوف وبين الغزالي اللغوي والغزالي المنطقي؟ ألا يمكن أن نتحدث عنده عن فقه الفلسفة أم فلسفة صوفية؟ ماهي منزلة العقل في فلسفته؟ وما الإشكال الناتج عن البحث عن هذه المنزلة في فلسفته؟ ألا يوجد تناقض بين العقل والنقل وبين الحكمة والشريعة؟ وألا ينتصر هو الى النقل والشريعة على حساب العقل والحكمة ؟ فكيف نعتبر اذن الغزالي حكيم العقل؟ أي دور للعقل في نظرية المعرفة؟ هل هو مجرد ملكة أم أنه منهج؟ وماهي منزلته في نظرية الوجود ؟ وهل الوجود المعقول هو الوجود الحقيقي؟ وهل يرجع الغزالي الى العقل في تصنيفه للعلوم؟ وأي رهانات ناتجة عن التفكير في هذه المسألة؟
ما نراهن عليه هو تفادي النظر الى الغزالي على أنه سبب الانحطاط و التزمت الذي شهدته الحضارة العربية الإسلامية بعد معارضته لتعلم الفلسفة والتعامل معه على أنه استراتيجي كبير ومفكر عقلاني حاول أن يحدد أنظمة المعرفة في الثقافة التي انتمى اليه وأن يعيد لها الحركة والحياة والتجدد.
1- الموقف المشهور من العقل:
عندما نتفحص مؤلفات الغزالي بحثا عن موقفه من العقل وتعقبا لنظريته في المعرفة فإننا لا نعثر على سبيل واحد يؤدي الى اليقين بل هناك عدة طرق ووجهات نظر متشعبة لأن الرجل نفسه قد تأرجح بين المعرفة القلبية والمعرفة العقلية وبين النظر والاستدلال من جهة والحدس والإلهام من جهة أخرى.
إن أثار الغزالي عديد من القضايا الشائكة وتجرأ على عدة إشكاليات الا أنه هو في حد ذاته إشكالية وقضية شائكة قوبل دائما بمواقف تتراوح بين الاستحسان والاستهجان وبين الثناء والذم وبين التقريظ والتبكيت. وما يعزز القول بوقوعه في التناقض هو ما نجده في نصوصه نفسها إذ نعثر عليه في معيار العلم والقسطاس المستقيم يثني على العقل ويعتبره أفضل الخصائص التي ميز بها الله الانسان عن الحيوان لأن "العقل يرى الأشياء كماهي فهو المعيار الذي لا يمكن أن يخطئ في التمييز بين الحق والباطل إذا تجرد من غشاوة الوهم" زد على ذلك أن :" الأوليات العقلية قوانين صادقة وثابتة في الذات والموضوع حتى أن الله ذاته لا يقدر أن يغير الحكم فيها" .
"وأما دلالة العقل على شرف العقل فهو ما لا ينال سعادة الدنيا والآخرة الا به فكيف لا يكون أشرف الأشياء؟ وبالعقل صار الانسان خليقة الله وبه تقرب اليه وبه تم دينه وبذلك قال عليه السلام: "لا دين لمن لا عقل له". وقال:" لا يعجبكم إسلام امرىء حتى تعرفوا عقله" ولهذا قيل:" من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال البشر عليه" ويا هياك به شرفا أن قد شبه الله سبحانه العقل بالنور فقال:" الله نور السموات والأرض أي منورهما وأكثر ما يطلق النور والظلمات في القرآن على العلم والجهل مثل قوله تعالى:" الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور" وانما كل ذلك ولذلك قال عليه السلام لعلي رضي الله عنه:" اذا تقرب الناس لخالقهم بأبواب البر فتقرب أنت بعقلك،تتنعم بالدرجات الزلفى عند الناس في الدنيا وعند الله في الآخرة" وستذكر وجه التقرب بالعقل".
غير أن الغزالي قام بتهفيت جميع النظريان الفلسفية التي درسها وانتهى به الأمر الى التصوف وهدم العقل نفسه بقوله في تهافت الفلاسفة:" إن المعتقدين أن الأمور الإلهية تستولي على كنهها القوى البشرية المغرورين بعقولهم زاعمين أن فيها مندوحة عن تقليد الرسل وأتباعهم" ويواصل هجومه على الذين يستعملون عقولهم في أمور الغيب والدين ويقول لهم :"أن جميع ما ورد به الأنبياء من أوله الى آخره هو من مجاري اليقين"وأن"أكثر الأحكام الإلهية هي خلاف الإدراك العقلي لكن ليس هذا خلاف العقل مطلقا" ومن المفارقات التي تثير الدهشة وتمثل نوعا من الخلف المنطقي أنه يحذر من استعماله وإتباع مسلكه قصد الحصول على المعرفة عند قوله:" يكفيك من منفعة العقل أن يهديك الى صدق النبي ولفهمك موارد إشارته فاعزل العقل بعد ذلك عن التصرف ولازم الإتباع ولا تسلم الا به" غير أنه يناقض نفسه ويثق في الأوليات العقلية عندما يصرح:"إني إذ علمت أن العشرة أكثر من الثلاثة فلو قال لي قائل:لا بل الثلاثة أكبر بدليل أني أقلب هذه العصا ثعبانا وقلبها وشاهدت ذلك منه لم أشك بسببه في معرفتي ولم يحصل لي منه الا التعجب من كيفية قدرته عليه" وآيته في ذلك أن الأمور العقلية تخضع لمنطق الحجة بينما تخضع الطلسمات وفنون السحر الى منطق الأحجية،فما تأثير هذه التخبطات والتناقض في الأحكام على نظريته في المعرفة؟
2- منظومة المعرفة:
تتحدد نظرية المعرفة عند الغزالي من خلال أربعة مقومات أساسية وهي : القلب والروح والنفس والعقل وهي تشتغل وتتحرك في ترابط وتلازم تام إذ تكمل كل واحدة الأخرى وتتبادل المواقع والخدمات وهذا الترابط بين العقل والقلب هو من الأمور البديهية في العلوم النقلية والعقلية عند الحكماء العرب لأن الغزالي لم يشذ على القاعدة العامة التي ترى أن "لا ناظر بقلبه الا مفكرا ولا مفكرا الا ناظرا بقلبه" ، أضف الى ذلك أن العقل لغة هو جملة علوم مخصوصة تحصل في قلب الانسان يقدر بها على اكتساب معارف وعلوم أخرى وبالتالي يكون القلب هو أداة المعرفة والعقل ليس سوى وظيفة له. كما أن النظر بالقلب له عدة أسماء من جملتها البحث والتأمل والتدبر والرؤية والتفكير عندئذ يجعل الغزالي في رسالته "البسيط والوسيط والوجيز" القلب أداة المعرفة لأنه المحل الأرفع الظاهر والخالي من كل الشوائب والقادر عندما لا تعكر صفوه غشاوة أوهام الحواس والخيالات على الحصول على المعارف اللدنية وتقبل الأنوار المرسلة من العقول المفارقة . ومن هذا المنطلق يوحد الغزالي بين النفس والعقل ويعتبرهما وجهان لعملة واحدة ودليله في ذلك أن العقل قوة وجوهر وأن النفس كذلك لا يمكن أن تكون عرضا لأنها باقية بعد الموت مفارقة للبدن. في هذا السياق يصرح الغزالي:" إن النفس والقلب والروح والعقل ألفاظ مختلفة لمعنى واحد ومظاهر متباينة لحقيقة متجانسة وهي تلك اللطيفة الربانية..."
لامشاحة اذن أن العقل عند الغزالي هو حقيقة الانسان الأولى يدرك بها نفسه ومن ثمة يدرك بها غيره خاصة وأنه استعداد فطري في نفس الانسان لإدراك العلوم النظرية ولكن عنده يصعب الفصل بين العقل بوصفه أداة والمعقولات كآثار وموضوعات له نظرا لأن العقل يتحدد بالانطلاق من أفعاله ونشاطاته ومدركاته فعندما تتغير مجالات ادراكاته تتبدل تسمية العقل :"فكونه تلك اللطيفة الربانية يسمى نفسا وكونه ينقش العلوم في الصدر يسمى لبا ومن حيث أنه يبلغ الانسان أوامر الله يسمى ملاكا وكونه يدرك الماهيات المجردة للأشياء فهو العقل النظري وباعتباره يدرك حقائق الدين يسمى البصيرة الباطنة أو نور الإيمان" .
يترتب عن ذلك أن العقل عنصر من بين عدة عناصر أخرى تكون نظرية المعرفة عند الغزالي وهذا العنصر تختلف دلالته باختلاف الميادين التي يهتم بها وطرق التعبير التي يمارسها والحقائق التي يصل إليها وهو أساس طريقته في التفكير. وغني عن البيان أن الغزالي وضع طريقة الشك المنهجي وبحث عن العلم اليقيني الذي لا يزعزعه حتى الإتيان بالمعجزات والخوارق،كما رفض أبو حامد التقليد ودعا الى الاجتهاد ونهى عن اعتقاد أي مذهب دون بحث وتعمق وقد قال في هذا السياق:"جانب الالتفات الى المذاهب واطلب الحق بطريق النظر لتكون صاحب مذهب ولا تكن في صورة أعمى تقلد قائدا يرشدك الى الطريق وحولك ألف مثل قائدك ينادون عليه بأنه أهلكك وأضلك عن سواء السبيل وستعلم في عاقبة أمرك ظلم قائدك فلا خلاص الا في الاستقلال. خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به. في طالع الشمس ما يعنيك عن زحل" . ولما كان طريق الحق وعر وكانت الحقائق منغمسة في الشبهات فان الغزالي بحث عن أسباب الخطأ في البحوث النظرية فوجدها منحصرة في أربعة:
1- التسرع والعجلة في الحكم
2- عدم الانطلاق من مقدمات جلية ويقينية.
3- غياب الترتيب والتنظيم في سير الاستدلال.
4- النتائج لا تكون لازمة لزوما منطقيا عن المقدمات الواضحة.
يقول الغزالي في محك النظر:"اعلم أن الحق عزيز والطريق اليه وعر وأكثر الأبصار مظلمة والعوائق الصارفة كثيرة والمشوشات للنظر متظاهرة ولهذا ترى الخلق يتلاطمون تلاطم العميان وقد انقسموا الى فرقتين:
- فرقة سابقة بأذهانها الى المعتقدات على سرعة فتعتقدها يقينا وتظن كل شبهة ودليل برهانا.
- وطائفة تنبهوا لذوق اليقين وعلموا أن ما الناس فيه في الأكثر عمي ثم قصرت قوتهم عن سلوك سبيل الحق ومعرفة شروط القياس:إما لبلادة في الفهم وإما لفقد أستاذ مرشد بصير بالحقائق غير منخدع بلامع السراب مطلع على جميع شروط البرهان".
إن التخلص من هذه الأخطاء وان الوصول الى العلم بحقائق الأمور يتطلب خوض الانسان تجربة الشك:"إذ الشكوك هي الموصلة الى الحق فمن لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في العمي والضلال".
إن الشك عنده يعني التفتيش والطمع في اقتباس المشكلات من الجليات بعد حصول اليأس وهو كذلك بحث عن الأمان من الغلط في الضروريات وإقبال وتأمل وملاحظة اليقين الذي لا يبقى معه ريب ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم،والشك كتجربة تفكير يستمد ضرورته من وقوع الانسان في الأغاليط والأخطاء إذ يقول الغزالي:" إن الأغاليط في النظريات كلها ثارت من إهمال الجليات والتسامح فيها ولو أخذت الجليات وحررت ثم تطرق منها الى ما بعدها تدريجيا حتى لا يخفي قليلا قليلا فيتضح الشيء بما قبله على القرب لطاحت المغالطات ولكن عادة النظار الهجوم على غمرة الإشكال وطلب الأمر الخفي البعيد من الأوائل الجلية بعد أن تخللت بينه وبين الأوائل درجات كثيرة فلا تمتد شهادة الجلي ولا يقوي الذهن على الترقي في المراقي الكثيرة دفعة فتزل الأقدام وتعتاص المطالب وتنحط العقول ولذلك ضل أكثر النظار وأضلوا..."
بما أن الأشياء لها حقيقة والى إدراكها طريق وفي قوام البشر سلوك ذلك الطريق فانه مهما عظم المطلوب قل المساعد لذلك ينصح الغزالي أن يقوي المرء ذهنه للاحتواء على جميعها وأن يحفظ الترتيب فيها وأن تكون مفردات المعارف متمايزة منفصلة بالحقيقة غير ملتفة ولا مختلطة وأن تكون المقدمات يقينية متمايزة منفصلة أيضا ويجب أن تكون نقطة البداية في الاستدلال أوائل جلية واضحة أمام الذهن ومحررة ومحققة ومحددة في ذاتها وينبغي أن يسير الانسان في تفكيره بالتدريج مراعيا أن تكون النتيجة البعيدة التي ينتهي إليها لازمة عما قبلها في ضوء الجليات التي كانت أساس الاستدلال.
نتبين من ما سبق أن تجربة الشك دليل ساطع على حضور العقل في نظرية المعرفة لكونها تجربة عقلية إرادية هادفة طالما أن الغاية منها هي التحرر من الأغاليط وتصفية النفس لإدراك اليقينيات وأنها لحظة وعي بالذات،بيد أن تجربة الشك قد تطال وجد الانسان ومصدره الإلهي والعالم الذي يحيا فيه فهل يمكن أن تشمل أيضا وجوده المعقول؟ والي أي مدى يستخدم العقل عند الغزالي للاستدلال على الوجود الحقيقي؟
3- الوجود المعقول:
إن الوجود بلا ماهية ولا حقيقة هو أمر معدوم وغير معقول لأن نفي الماهية هو إيذان بنفي الحقيقة وان انتفت حقيقة الوجود انتفت قابلية عقله وانعدم إدراكه وعلى هذا المنوال لابد من وجب الماهية لكل موجود لأن الوجود والماهية والحقيقة شيء واحد بينما الموجودات تنقسم الى ثلاثة أنماط: - - موجودات ليس لها ماهية ولا وجود أو حقيقة.
- موجودات وجودها وحقيقتها وماهيتها صادرة عن واجب الوجود.
- موجود أول تكون ماهيته هي عين وجوده ولا علة له بل هو علة كل شيء وحقيقته لا تستمد من حقيقة أخرى غير حقيقية.
يتحدث الغزالي عن قوة التفكر بوصفها أحد القوى التي تحوز عليها النفس الى جانب قوة الشهوة وقوة الغضب ويرى أن العقل مركوز في هذه القوة ويقول حول هذا الأمر:" ومهما هذبت قوة التفكر وأصلحت كما ينبغي حصلت بها الحكمة التي تحدث الله عنها حيث قال:"ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا". وثمرتها أن يتيسر له الفرق بين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الصدق والكذب في المقال وبين الجميل والقبيح في الأفعال ولا يتلبس عليه شيء بعد ذلك مع أنه الأمر الملتبس على أكثر الخلق..." .
ان النطق هو ما يميز الانسان عن بقية الكائنات ومعناه التفكير المطلق الذي هو أساس الكلام وقاعدة القول وينقسم الى الكلام والعقل، والعقل هو ملكة تفكير أو كائن لامادي أي جوهر منزه عن علائق المادة والجوهر هو الذي يكون الذات من غير أن تكون في محل كائن بذاته ولا مقوم بالفعل ويزاوج الغزالي بين العقل والنفس وانتاج الهيولى ويرى:" كل شخص يقبل النفس على قدر مزاجه واستعداده فكلما يقرب المزاج الى الاعتدال يكون الاستعداد أكثر وكلما زاد الاستعداد تكون النفس أقوى ومن قوة النفس تكون قوة العقل ومن قوة العقل يكون حسن التدبير ومن حسن التدبير يكون نظام العالم".
عندئذ يبرز الغزالي شرف العقل على النفس لأن قلب الانسان يكون مزهرا عندما يتجه ببصره الى العقل ويكون مغموما حينما يتعلق بأمه النفس ويربط الغزالي الذي انتهى الى تصوف عقلي روحي قوامه المجاهدة والتأمل بين الواحد المجرد والعقل الكلي والنفس الكلية والعلاقة بينهما هي علاقة صدور الكثرة عن الوحدة .
ما ينبغي الانتباه اليه أن الغزالي يحدد العقل "بأنه الوصف الذي يفارق الانسان به سائر البهائم واستعد به لقبول العلوم النظرية...بل ويتصف من أنكر هذا ورد الفعل الى مجرد العلوم الصورية".
على هذا النحو يقسم الغزالي مراتب الوجود الى خمسة الذاتي والحسي والخيالي والشبهي والعقلي وهو أن يكون الشيء روح وحقيقة ومعنى فيتلقى العقل مجرد معناه دون أن يثبت صورته في خيال أو حس أو خارج ومثلا الوجود العقلي لليد هو معناها وحقيقتها التي هي القدرة على البطش. يقول الغزالي حول هذا الأمر:" اعلم أن شرف العقل من حيث كونه مظنة العلم والحكمة وآلة له ولكن نفس الانسان معدن للعلم والحكمة ومنبع لها وهي مركوزة فيها بالقوة في أول الفطرة لا بالفعل:كالنار في الحجر والماء في الأرض والنخل في النواة ولابد من سعي في إبرازه بالفعل" .
يتبين من هذا أن الوجود العقلي عند الغزالي أرفع من الوجود الشبهي والوجود الحسي والخيالي وأن الوجود الذاتي هو الوجود المطلق لأنه الوجود الحقيقي الثابت خارج الحس والعقل ولكن يأخذ الحس والعقل عنه صورة فيسمى أخذه إدراكا وهو ظاهر بل هو المعروف الذي لا يعرف الأكثرون للوجود معنى سواه وهو الوجود المطلق الذي يجري على الظاهر ولا يتأول ولا يحتاج الى مثال كوجود السموات والأرض والحيوان والنبات. لكن اذا لم يكن الوجود العقلي هو الوجود المطلق فهل هذا يعني أن العقل ليست له سلطة على النقل؟
4- العقل والنقل:
" الحمد لله الذي عقل العقل عن تمشيته والإشارة الى بداية انيته وأخرس الألسن عن تطوية العبارة عن نهاية هويته حتى ظل العقل في أول الإبداع أعجز من الحس في آخر الاختراع"
يتخذ الغزالي موقفا أوليا من علاقة العقل بالنقل على النحو التالي:" إياكم أن تجعلوا المعقول أصلا والمنقول تابعا ورديفا فان ذلك شنيع ومنفر". ويدل بذلك على أن الشريعة هي الأساس والحكمة هي البناء،القرآن هو اللب والفكر هو القشرة الخارجية.
بالرغم من أن الموقف البدئي للغزالي هو التوفيق بين الفلسفة والدين لأنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية بالشريعة العربية فقد حصل الكمال كما يقول إخوان الصفاء وخلان الوفاء لكنه في الواقع ينتصر للشريعة العربية على حساب الفلسفة اليونانية كلما حصل تصادم وتناقض سواء بين ما يبرهن عليه العقل وما ينص عليه النقل وسواء بين ما يفترضه الواقع من مستجدات تقتضي التدبر وبين ما يتضمنه الوحي من حدود وأحكام مطلقة.
فإذا كان التيار العقلاني يرى أن "الشريعة قد دنست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل الى غسلها وتطهيرها الا بالفلسفة" فان الغزالي يتمسك بسلطة النص ويحافظ على قدسيته ويعتبر كل ما جاء به حق ويقبل التأويل والتوضيح باستعمال العقل الذي وظفه بطريقة جدلية للدفاع عن العقيدة ودفع جميع التهم والمعاندات عنها ،وحتى عندما زين المعقول بالمنقول فان الغاية منه هو جعل الحقيقة الدينية حقيقة جمهورية لتكون قلوب الناس فيها أسرع الى القبول والرضا.
إن العلم عند الغزالي له أربع أحوال:حال استفادة فيكون مكتسبا وحال ادخار فيكون به الانسان غنيا عن السؤال وحال انتفاع عندما ينفقه الانسان على نفسه وحال سخاء عندما يتفضل به المرء لغيره وهو أشرف الأحوال وفي هذا يقول الغزالي:"العلم يقتنى كما يقتنى المال فله حال طلب واكتساب وحال تحصيل يغنى عن السؤال وحال استبصار وهو التفكر في المحصل والتمتع به وحال تبصير وهو أشرف الأحوال فمن علم وعمل وعلم فهو الذي يدعى عظيما في ملكوت السماء فانه كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها".
رغم أن الغزالي يستعمل أحيانا في كتبه أسلوب التخييل والتمثيل والمحاكاة الا أنه لم يكن يهدف الى إدخال الفلسفة في الأصول بل إن ما ابتدعه في الأسماء من تغيير وتبديل وما اخترعه في المعاني من تحليل وتفكيك وتلميع فانه لكي ينتصر الى الوحي ويذب عن الشرع وحجته في ذلك أن الدين يطلعنا على أسرار عالم الملكوت ويعطينا مفاتيح الغيب ويسن لنا الأحكام التي ندبر بها حياتنا اليومية ويهتم بالجزئي والملموس وكل تفصيلات الواقع الدقيقة أما العقل فهو قاصر على إدراك عالم الغيب وعن معرفته وكل ما يفعله معه هو مجرد تخمين وافتراض وتفكير كما أنه فاقد الدلالة التي بها يعرف عالم الملكوت ولا يعرف حقيقة الأول ولا يدرك من الأشياء الا خواصها ولوازمها وأعراضها أما الفصول المقومة على حقيقتها فيجهلها ولا يرى سوى المعقولات والمجردات والكليات وجواهر الأشياء. لكن ماهو دوره في تصنيف الغزالي لمختلف العلوم؟
5- منزلة العقل في تصنيف العلوم:
"فالعقل أول المبدعات والنفس أول المنفعلات والهيولى المولودات...فمهما تصور حقائق الأشياء بأعيانها وذواتها المجردة في مرآة القلب وتقدر النفس على العبارة عنها ويتمكن الذهن من التفكر فيها ويحيط العقل بظاهرها وباطنها سميت تلك النفس ناطقة ويقال ذلك الرجل ناطق ولو لم يتكلم بالبيان ولم يقل باللسان وحقيقة ذلك سر من أسرار القرآن" .
يحافظ الغزالي على المعيار الذي تصنف به العلوم وهو اختلافها بين الجانب النظري والجانب العملي فالرياضيات والمنطق والطبيعيات والالهيات هي من العلوم النظرية أما السياسة والأخلاق والاقتصاد فهي من العلوم العملية ويصفها بأنها أمور برهانية لا سبيل الى انكارها بعد فهمها ومعرفتها لكنه لا يسمح بالخوض فيها لكل من شاء ذلك لأنها تؤدي الى المزالق وعدم الفهم الصحيح لمن لم يتمكن منها.
ورغم أن الغزالي يقدر هذه العلوم حق قدرها الا أنه يعتبرها مصدر آفتين حصلتا في عالم المعرفة:
- الآفة الأولى تتمثل في أن الناظر في هذه العلوم المتعجب من دقتها وظهور براهينها يثق في الفلسفة ويعتقد في صحة ما ينتجه الفيلسوف قولا وسلوكا ولما كان أغلب الفلاسفة من المعطلين المتهاونين بالشرع فانه يكفر بالتقليد المحض وبالتالي فان معرفة هذه العلوم بالنسبة للمقلدين يؤدي بهم الى الانحلال من الدين والتقوى.
- الآفة الثانية التي يسببها تعلم الانسان للعلوم الفلسفية فهي إحداث قطيعة بين العلم والدين وبين قوانين الطبيعة ونواميس الشرع بالرغم من أن الدين لا يتعرض لهذه القوانين بالنفي أو بالإثبات وبالرغم من أن هذه العلوم الطبيعية لا تتعرض للدين لا بالمدح ولا بالقدح.
يترتب عن هذا التصنيف أن الغزالي يجعل العلوم الدينية والأمور النقلية والمعارف الإلهية سواء حديث أو تفسير أو سيرة أو تصوف روحاني على رأس السلم ويجعل العلوم المحايدة الطبيعية والموضوعية كالمنطلق واللغة والرياضيات في الوسط كعلوم وسائل أما العلوم العقلية فانه يضعها في أسفل الترتيب ويحملها مسؤولية فساد الإيمان لتناقضها مع العلوم الدينية. كما أنه يرفض الفلسفة الأولى ويحمل على علم الفلك لاعتقاده أن الإلهيات تدعي معرفة عالم الغيب وتعتقد في قدرتها على تحديد المبدأ الأول وإدراك الصور الروحانية ولأنها تصرح بحقائق تتناقض مع الشرع مثل القول بقدم العالم وإنكارها بعث الأجساد وادعائها أن الله يعلم الكليات دون الجزئيات.
يقول الغزالي عن أنواع العقل:" العقل ينقسم الى غريزي ومكتسب. الغريزي هو القوة المستعدة لقبول العلم ووجوده في الطفل كوجود النخل في النواة. المكتسب المستفاد هو الذي يحصل من العلوم أما من حيث لا يدري كفيضان العلوم الضرورية عليه بعد التمييز من غير تعلم وأما من حيث يعلم مدركه وهو التعلم. يقول علي:
رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع
ولا ينفع المسموع اذا لم يكن مطبوع
كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع
الأول يجري مجرى البصر للجسم والثاني يجري مجرى نور الشمس ولا منفعة في النور عند عمي البصر ولا يجدي البصر عند عدم النور.
الثاني بصر الباطن وهو العقل وهو أشرف من البصر الظاهر إذ النفس كالفارس والبدن كالفرس وبالجملة من لم يكن بصيرة عقله نافذة".
إن أهمل تصنيف الغزالي للعلوم العقل فهل هذا يعني أن هذه الملكة الانسانية الشريفة ليس لها أية اعتبار في هذه العلوم نفسها؟
6- من أجل احياء العقل:
"فكان من أعظم ما شرف به وكرمه العقل الذي تنبه به على البهجة...فانه ينظر في العقل كيف فيه التدبير وفنون العلم ومستمر المعرفة وبصائر الحكمة والتمييز بين النفع والضر..."
يدعو الغزالي الى التواضع وعدم اعتبار العقل الميزة التي شرف بها الله الانسان ويرى انه من العجائب أن يعجب العاقل بعلمه وعقله إذ يقول في هذا الموضوع:" من العجائب أن يعجب العاقل بعلمه وعقله حتى يتعجب أن أفقره الله تعالى وأغنى بعض الجهال ويقول:كيف وسع النعمة على الجاهل وحرمنى؟ فيقال له: كيف رزقك العلم والعقل وحرمها الجاهل؟ فهذه عطية منه أفتجعلها سببا لاستحقاق عطية أخرى؟ بل لو جمع لك بين العقل والغنى وحرم الجاهل منهما جميعا كان ذلك أولى بالتعجب".
إن المعضلة التي نجدها في فكر الغزالي هي تردده بين اعتباره العقل حقيقة الانسان الجوهرية واعترافه بقدرته المطلقة وبين إقراره أن هذا العقل خطير على الدين وقاصر عن البحث في الأمور الغيبية وهي نفس المعضلة التي تظهر في المأثور عندما نعثر على الحديث المنسوب للرسول محمد صلعم:" لا تفكروا في الخالق فتهلكوا" من جهة ونجد من جهة ثانية حديث آخر:"خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحب الي منك..." فما مرد هذا التناقض وما تفسيره؟
هذا التناقض يعود الى أن الغزالي "اعتمد لشرح مفهوم العقل على العاطفة والخيال أكثر مما اعتمد على العقل والمنطق" وحجتنا في ذلك أن الرجل يستعمل العقل استعمالا جدليا من أجل الدفاع عن الحق المعروف بالنسبة اليه وتبكيت الخصوم وتهفيت آرائه بينما لم يقم باستعمال العقل بطريقة برهانية حرة من أجل البحث عن الحقيقة غير المعروفة والتعويل عليه في مستوى صنعها وبنائها، ومن يطلب العقل من جهة السفسطة والجدل والخطابة فانه يسجنه داخل الألفاظ والتراكيب والحيل المستعملة في هذه التجارب.
في هذا السياق نجده يقول:" الذي تنكشف له الحقائق يجعل المعاني أصلا والألفاظ تبعا وأمر الضعيف بالعكس إذ يطلب الحقائق من الألفاظ" ويضيف في موضع آخر من كتابه في الاقتصاد في الاعتقاد ما يلي:"إن أكثر الأغاليط نشأت من خلال طلب المعاني من الألفاظ ولقد كان من حقه أن يقدر المعاني أولا ثم ينظر في الألفاظ ثانيا ويعلم أنها اصطلاحات لا تتغير بها المعقولات".
بيد أنه يمكننا أن نتساءل عن سبل المعرفة عند الغزالي هل هو واحد أم لا.فإذا كانت المعرفة تتقوم بالاعتماد على النفس والقلب والروح والعقل فان الغزالي يسند لكل ملكة وظيفة ويقسم الحكمة الى نوعين:
- حكمة بحثية وتقوم على الاستدلال والبحث والنظر والاستقراء والاعتبار والتجربة وترتكز على الإدراك الحسي والتفكير العقلي والرياضي والمنطقي.
- حكمة اشراقية وتقوم على القلب والنفس والبصيرة والحدس والإلهام والإشراق وترتكز على الفيض الروحي والحلول والإدراك الباطني والتقمص المحايث.
يبرهن على ذلك بقوله:"اعلم أن العقول وان كانت مبصرة فليست المبصرات عندها كلها على مرتبة واحدة بل بعضها تكون عندها كأنها حاضرة كالعلوم الضرورية...ومنها ما لا يقارن العقل في كل حال اذا عرض عليه بل يحتاج الى أن يهز أعطافه وينبه عليه بالتنبيه كالنظريات وانما ينبه كلام الحكماء. فعند إشراق نور الحكمة يصير الانسان مبصرا بالفعل بعد أن كان مبصرا بالقوة" .
ورغم أن منهج المعرفة ينقسم الى علمين علم المعاملة وهو طريق النظار الطبيعيين وعلم المكاشفة وهو طريق المتحنكين والأقطاب من الصوفية المتوحدين فان الغزالي يردهما الى طريق واحد لأن استيفاء الطريق الأول هو شرط إمكان دخول الطريق الثاني كما أن نتيجة الدخول الى الطريق الثاني أي الحدس الإشراقي تكمل ما لم نتوصل اليه عبر الطريق الأول أي النظر العقلي.
يمكن أن نبرهن على هذه الفكرة بالعودة الى نص الغزالي الذي يقول فيه:" أما النفس الانسانية من حيث هي إنسانية فتنقسم قواها الى:قوة عالمة وقوة عاملة. وقد تسمى كل واحدة منهما عقلا ولكن على سبيل الاسم المشترك إذ العاملة سميت عقلا لكونها خادمة للعالمة مؤتمرة لها فيما ترسم فأما العاملة فهي قوة ومعنى للنفس هي مبدأ حركة بدن الانسان الى الأفعال المعينة الجزئية بالفكر والروية على ما تقتضيه القوة العالمة النظرية.."
رأس الأمر أن الغزالي يضع حدودا على العقل النظري من أجل أن ينتصر للعقل العملي ويجعل الحكمة الاشراقية تستكمل نقائص الحكمة البحثية لأن "إن العلم بلا عمل لا يكون والعمل بلا علم جنون" ثم لأن علم المعاملة يصقل مرآة القلب والبصيرة بأعمال الزهد والتقوى والعبادة وهو تحصيل للمعرفة النظرية التي تعتبر المشهد الأول للمرور لعلم المكاشفة وحجة الغزالي أن القلب له بابان:
- باب أول مفتوح على عالم الملك والشهادة ويتمسك بالحواس الخمس والعقل كسبيل للمعرفة.
- باب مفتوح على اللوح المحفوظ وعالم الغيب والملكوت ويتمسك بالقلب والبصيرة والحدس.
إن صورة حقيقة العالم تحصل في القلب تارة من الحواس وتارة من اللوح المحفوظ ولئن كانت المعاملة علم من صنع الانسان فان المكاشفة علم يحصل بنعمة من نعم الله، إذ يقول في هذا السياق:"فهذه القوة العملية هي القوة التي لها بالقياس الى الجنبة التي دونها وهي البدن لتدبيره وسياسته وأما القوة العالمة النظرية ...فهي لها بالقياس الى الجنبة التي فوقها لتنفعل وتستفيد منها" .
من الواضح أن مشروع الغزالي منصب حول بناء القوة العملية من النفس وذلك بطلب المساعدة من القوة العلمية وهذا بين في هذا النص:"من شأن النفس ادراك المعلومات المغيبية ولها قوتان إما عملية وإما علمية. فالعملية قوة هي مبدأ محرك لبدن الانسان الى الصناعات الانسانية. وأما العلمية فهي المدركة لحقائق العلوم مجردة عن المادة والصورة وهي القضايا الكلية المجردة وهي للعقل وبهذه القوة تتلقف عن الملائكة العلوم وبالقوة الثانية تصلح ما وكلت به من الأمور الجسمانية" .ويمكن تفسير هذا الانتصار الى القوة العاملة أن الغزالي يميل الى الكف عن التأمل النظري والمعرفة المجردة والانطلاق نحو الاهتمام بالتجريب والتصنيع والابتكار في عصر شهد ازدهار علوم الحيل وعدة حرف وصناعات. ألم يقل الغزالي نفسه:"وكذلك جميع الصنائع البدنية والنفسانية أوائلها محصلة من التعليم والبواقي مستخرجة من التفكر واذا انفتح باب الفكر على النفس علمت كيفية طريق التفكر وكيفية الرجوع بالحدس الى المطلوب فينشرح قلبه وتنفتح بصيرته فيخرج ما في نفسه من القوة الى الفعل"؟
يترتب عن ذلك أن العقل عند الغزالي يمثل حالة وسطى ويوجد بين طرفين لا متناهيين أحدهما دون طور العقل ولكنه يرتد الى العقل وهو العالم الحسي التجريبي اللامحدود والثاني هو فوق طور العقل ولكنه يرتد أيضا الى العقل وهو العالم الإشراقي الغيبي اللامحدود بدوره. ومن هذا المنظور فان العقل يشرف على عالم المحسوسات ويتصل بعالم المغيبات إذ يصرح حول هذا الأمر:فقالت المحسوسات بما تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقا بي فجاء حاكم العقل فكذبني ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر اذا تجلى كذب العقل في حكمه كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه..."
على هذا النحو فان علم المعاملة هو طريق النظر والاستدلال يبدأ بانتزاع الصور من الظواهر المادية تصبح صور حسية ثم بمرورها بالخيال تصبح صورا خيالية فصور مجردة مستقلة عن الوجود المادي بمرورها بملكة التوهم ولكن هذه الصور تظل غير مكتملة في مستوى المعنى والتوحيد فتحتاج الى العقل لكي تصبح كليات ومعقولات ولتجد وحدتها النهائية ونظامها المحكم، بيد أن هذه اللحظة الأخيرة في مستوى علم المعاملة هي انعطاف وتدشين لخطوة أولى في علم المكاشفة من أجل الارتقاء من درجة اليقين الى درجات علم اليقين وعين اليقين.
خاتمة نقدية:
"الغزالي – كأرسطو- من أعلام الفكر الانساني الذي بلغوا في حياتهم وبعد وفاتهم أرفع مكانة بعد الناس فكان من الطبيعي أن تتعاون الحقيقة والحقيقة معا على ايجاد هذه المكانة، لما فطر على الناس أن ينسبوا جلائل الأعمال الى من يظفرون بالشهرة والمجد ولو لم يكن هم أصحابها. لهذا نسب الى الغزالي – كما نسب الى أرسطو- حشد هائل من المؤلفات، مما ألقى المؤرخين والباحثين مئونة شاقة ألا وهي التمييز بين الصحيح منها والمنحول"
اذا كانت غاية الغزالي معرفة الأشياء على ماهي عليه وكان مطلوبه العلم بحقائق الأمور فان الوصول الى هذه الغاية وبلوغ هذا العلم مفتاحه المجاهدة ورياضة النفس وملازمة الفكر المتحرر من الشوائب والإقبال على أمور الآخرة ويذكر الغزالي أنه في عزلته وخلواته خطرت بباله مكاشفة أمور لا يمكن إحصاؤها وتعجز اللغة التعبير عنها ولمنها أمور موثوق بها عقليا وواضحة مثل طلوع الشمس.
اللافت للنظر أن الغزالي استمد نظريته من الوحي القرآني الذي تميز بتأليفه بين المعرفة العقلية والمعرفة القلبية وبين الحكمة البحثية والحكمة الاشراقية لقوله عز وجل:"وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون") الذاريات 20/21(. ويعتمد قبل كل شيء على المعرفة التي في النفس والتي تمكنه من ادراك الأشياء عن طريق الذوق أو العيان المباشر وهو ضرب من الإلهام والكشف الذي يأتي مؤيدا لما جاء به الوحي الإلهي. إن الموضوع الأسمى لهذه المعرفة الصوفية هو الله والتسليم بوجوده ووحدانيته لأنه العلة الأولى لجميع المعلولات التي هي جميع الموجودات ونحن نعلم منذ ابن رشد أن علم العلة أشرف من علم المعلول فكلما كانت المعرفة بالصنعة أتم تكون المعرفة بالصانع أتم. يدعو الغزالي الى التحرير والتنوير بواسطة التعالي والسمو بالعقل والرفعة بالنفس وقد عبر عن ذلك بقوله:" الحر من خرج عن الدنيا قبل أن يخرج منها" وهو ما أكده معروف الكرخي: "الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي العلائق" بالجمع بين الحضرة والفكرة وبين ضروب العبارة وأنواع الإشارة. وقد أكد ابن عربي أن العلم هو تحصيل القلب لأمر ما على ماهو عليه وهو كذلك درك المدرك على ماهو عليه وفي نفسه وحتى العجز عن الإدراك فهو ادراك. وقد نحا الغزالي نفس المنحى عندما ربط المعرفة بالكشف والذي لا يأتي الا بعد الجد في الطلب ويرى أن الأوليات العقلية حاضرة في النفس بطريقة مباشرة وتمثل كنز المعرفة ومادتها الأولى ونورها الذي لا ينطفئ ويستند لإثبات صحة رأيه بالحديث الشريف:"إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة فألفى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور يومئذ اهتدى ومن أخطأه ظل" وهذا النور هو مفتاح أكثر المعارف وموجود بدرجات متفاوتة لدى الناس. وبعد أن أثلج النور قلب الغزالي وزادته سكينة ورسوخا عادت النفس الى الصحة والاعتدال ورجعت الضرورات العقلية مقبولة موثوقا بها ولكن كيف يتم هذا الرجوع وكيف تحصل هذه الثقة والغزالي قد تخلى عن العقل وفضل المعرفة القلبية معتبرا الكشف ميزان العلم ومعيار الحقيقة؟ فهل يوجد أدنى شك من أن الغزالي دخل في حالة من اللايقين العقلي وأن النفس أصبحت تميل الى التصديق دون واسطة ودون نظر أو استدلال؟ ألا يؤدي ذلك الى القول بأن الغزالي عوض العقل والفلسفة بالإرادة والقلب والشريعة وأحل التقوى والأخلاق مكان المعرفة والعلم؟ ألا ينتهي الغزالي الى القول باستقالة العقل وبتحريم الاشتغال بالفلسفة وبانتفاء السببية في نظام الطبيعة لإنقاذ المعجزة والخوارق والاعتقاد في الإرادة الإلهية المطلقة؟ لكن هل توجد إرادة إلهية مغايرة لحكمته؟ ألا تقتضي إرادته حكمته وتكون أكبر معجزات خلقه عقلا يقدر به الانسان من فهم معجزاته؟
ربما يكون الغزالي هو الذي أحدث شرخا عميقا في أنظمة المعرفة وفكك المسار الطبيعي للحضارة وقاد عملية التحطيم الذاتي التي تعرضت لها الفلسفة في حضارة اقرأ!
المراجع:
ابن طفيل ، حي ابن يقظان تحقيق على بوملحم طبعة دار ومكتبة الهلال ،بيروت 1993
أبو حامد الغزالي ميزان العمل تحقيق سليمان دنيا ،القاهرة دار المعارف 1964
الإمام الغزالي كتاب الأربعين في أصول الدين ،دار الجيل بيروت 1988
رسائل الغزالي دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت 2000
الغزالي المعارف العقلية ولباب الحكمة الإلهية التعاضدية العمالية للطباعة والنشر ،صفاقس الطبعة الأولى 1988
الغزالي كتاب احياء علوم الدين مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر 1939
عبد الرحمان بدوي مؤلفات الغزالي الناشر وكالات المطبوعات/ الكويت الطبعة الثانية 1977
* كاتب فلسفي
.