كان قد مضى على عودتي من عملي في مدينة رام الله حوالي الساعتين عندما سمعت عن عملية الاغتيال الغادرة التي ذهب ضحيتها الشهداء الأربعة – محمد شحادة، أحمد البلبول، عيسى مرزوق وعماد الكامل، في أحد شوارع مدينة بيت لحم، لقد انتقل خبر الاغتيال في المحافظة سرعة النار في الهشيم كما يقال. وسارع الآلاف من مواطني المحافظة إلى مستشفى بيت جالا فور سماعهم الخبر.
إن توجه الجماهير إلى المستشفى في بيت جالا بتلك السرعة وبهذه الأعداد الهائلة لا يمكن فهمه إلا من خلال حالة التضامن التي يشعر بها المواطن الفلسطيني تجاه هؤلاء الشهداء بعد أن تم قتلهم بصورة فيها الكثير من الحقد والوحشية - ما حصل كان عملية إعدام عن سبق إصرار وتصميم- ولا يمكن فهم الحشود التي تواجدت في باحات المستشفى سوى في هذا السياق، وإلا ماذا يمكن أن يتم تفسير تلك الصيحات الغاضبة والتي كانت تتم بطريقة فيها الكثير من الألم والشعور بالغضب وخاصة التي كانت تنادي بالانتقام.
توجه الجماهير الغاضبة بهذه الطريقة- إلى المستشفى- يعكس شعورا بالتضامن مع الشهداء لما يمثلوه من – حالة – تميزت بالانتماء الحقيقي لقضيتهم التي آمنوا ودفعوا حياتهم ثمنا لها. وهم على أي لم يدفعوا فقط حياتهم، بل دفعوا قبل ذلك راحتهم وراحة عائلاتهم وأطفالهم، فهم لم يعيشوا مثل ما نحيا، ولم يتمتعوا بمثل ما نفعل، لقد حرموا أنفسهم من الكثير من الأشياء من أجل قضية آمنوا بها وقضوا من أجلها.
حالة الذهول التي عمت المحافظة إنما تدلل على أن الجماهير لا يمكن إلا أن تصطف إلى جانب الحالات المقاومة، والتي عرف عنها نظافة اليد واللسان والتاريخ المشرق، وهذه الخصال لا يمكن أن تشرى بالمال ولا بالواسطة ولا بالتعيين في هذه الوظيفة أو تلك، ولا يمكن الحصول عليها من خلال الامتيازات والاستزلام، فلا أعتقد أن أحدا من الشهداء الأربعة حاول أن يشتري ولو واحدا ممن شاركوا في تلك الجنازة المهيبة، لا بل يمكنني أن أقول بأن آلافا ممن ذهبوا إلى المستشفى أو ممن شاركوا في التشييع لم يعرفوا أيا من الشهداء الأربعة ولم يلتقوا بهم أبدا.
الجنازة كذلك كانت شهادة أخرى على أن الناس إنما تجاوزا العصبوية الفصائلية الفارغة، والتحزب الأعمى، الذي قاد فيما قاد إلى هذه الحالة من التشرذم للشعب والأرض والإساءة للقضية بشكل عام، إن الأعداد الهائلة التي شاركت في تشييع الجنازة وتلك التي أمت بيت العزاء خير شاهد على وقوف الجماهير خلف – الحالات المقاومة والنظيفة- كما أنها شاهد على شعور ربما بالغضب والإحباط مما وصلت إليه الحالة الفلسطينية من تشظ ناتج عن اصطفافات هي أبعد ما تكون عن الانتماء الحقيقي أو المصلحة الوطنية العليا.
كما يمكن أن يقال هذا عن الإضراب الذي كان شاملا بكل ما تعني الكلمة، كذلك فقد لوحظ غياب الأعلام الفصائلية وإن تم رفع القليل جدا خلال عملية التشييع. برغم أنني كنت أتمنى أن لا أرى أية أعلام أو رايات تمثل الفصائل والأحزاب، وأن تكون الراية الوحيدة المرفوعة هي راية فلسطين، والتي يجب أن لا يرفع سواها لأنها هي الأساس، وهي التي سقط دونها وفي ظلها مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى.
على المستوى الشخصي وبرغم أنني لم أتشرف بمعرفة أي من الشهداء الأربعة، ولم ألتق بأي منهم في أي من الأيام، إلا أنني شعرت بغضب عارم، وبحزن شديد وذلك لما كنت قد سمعته عن مواصفات وخصال تميز بها هؤلاء الشهداء الذين سقطوا مرة واحدة في لحظة غادرة. لا أعتقد بأنني الوحيد الذي شعر بهذا الغضب، لقد كان شعورا عارما كان من الممكن ملاحظته في كل العيون، وفي الكلمات وفي التعبيرات والتعليقات التي سمعتها من الجميع، لم يقتصر ذلك على أحد، فقد كان شعورا عاما جماعيا ليس فيه مكان للمجاملة أو المحاباة ولا يحتاج إلى أي نوع من أنواع الحصافة أو الذكاء لتمييزه.
أخيرا فإن بالإمكان القول بأن الشهداء الذين تميزوا خلال سنوات نضالهم قد تميزوا خلال رحلة وداعهم، ذلك بأنهم وحدوا الجماهير بشكل غير عادي نتمنى أن يكون درسا لمن لا ينفكوا عن محاولات زرع بذور الشقاق بين أبناء الوطن الواحد سواء بقصد أو بدون قصد. رحم الله الشهداء والهم شعبنا وذويهم الصبر والسلوان.
بيت لحم 14-3-2008