هذا هو المشهد كما أراه باختصار شديد، إنه مختصر برأيي في العنوان. قد يقول أحدهم، إذا كان الأمر كذلك فلماذا الاستمرار في الكتابة؟ والحقيقة أن استمراري بالكتابة له علاقة بالتفاصيل وهي كثيرة جدا، وقد لا يتسع المجال لذكرها كلها هنا، هذه التفاصيل التي تحمل الكثير من الأسئلة التي لا بد من التوقف أمامها والإجابة عنها أو عليها لمن يهمه الأمر، برغم أنني لا أعول على ذلك كثيرا، لان من لديهم الإجابات ماضون في غِيٌهمْ ، وعليه فإنني أضع هذه الأسئلة أمام الجماهير التي لا بد أن تطل عليها إذا كانت غافلة عنها.
ما تم عرضه على شاشات التلفزة العالمية من مجازر وأجساد غضة، لم يكن سوى الصور الأقل إيلاما وبشاعة، ذلك لأن الفضائيات التي عرضت ما عرضته من صور، تحرص على مشاعر المشاهدين كما قالت أكثر من محطة تابعت المجزرة الإسرائيلية في غزة والتي كان ثلث ضحاياها من الأطفال من بينهم الرضع، وهذا يعني بأن هنالك من المشاهدين من لديهم مشاعر بحسب تلك الفضائيات وهنا لا تعليق لدي.
عندما قامت دولة الاحتلال بقطع الكهرباء عن قطاع غزة وأهله البؤساء كنت قد كتبت مقالا أقول فيه بأن ما تمارسه إسرائيل ضد القطاع ليس سوى محاولة للتمرين ولتعويد الناس في كل العالم على رؤية غزة تحت المعاناة والقتل والدم والتدمير، وان القادم ضد هذه البقعة من الأرض المنسية، سوف يكون أعطم، اشد إيلاما وأكثر قسوة، ولا أزال أقول بأن هذا الذي تم خلال اليومين الماضيين ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، ولا أزال أقول بأن هذا ليس سوى تمرين آخر لمشاهدي الفضائيات، وسيكون بعده ما هو أكثر فظاعة وسيكون دم أكثر غزارة في القطاع، وعليه فإنني أنصح أصحاب العيون والقلوب المرهفة التي تحرص الفضائيات على عدم المس بأحاسيسهم ألا يجلسوا أمام الشاشات مستقبلا لا بل ألا يتابعوا الأخبار حتى لا تتأذى مشاعرهم.
طبعا إسرائيل تدعي بأن كل ما تقوم به من قتل وتدمير ضد الأبرياء في قطاع غزة، إنما هو النتيجة الطبيعية للرد على " الصواريخ " الفلسطينية – وكأن هنالك ترسانة فلسطينية للصواريخ- الموجهة ضد البلدات والمدن الإسرائيلية وأن المستهدف هم فقط مطلقي تلك " الصواريخ". والمشكلة الحقيقية فعلا والتي لا يستطيع الفلسطيني أن يدركها هي أن إسرائيل استطاعت من خلال ما لديها من قدرات إعلامية وعلاقات دولية هائلة، أن تقنع الكثير من دول العالم بأن هذه صواريخ حقيقية وصار العالم يخشى على هذه الدولة المارقة من أن تزول جراء تلك الصواريخ التي يصفها السيد محمود عباس بالعبثية.
لا اعتقد بأن أحدا يمكن أن يكون ضد مقاومة الاحتلال، بما في ذلك السيد محمود عباس، لأن من غير الممكن استلاب شعب من هكذا حق، هذا الذي نصت عليه الاتفاقيات الدولية .....الخ. لكن وبالمقابل أليس من حق الناس أن تسأل أو أن تتساءل عن الجدوى الحقيقية لكل نوع من أنواع المقاومة. أو ليس من المنطقي التوقف أمام ما يجري من ذبح في غزة.
بالأمس وبحسب ما تم بثه على الفضائيات العالمية فقد شاهدنا كيف ركض العديد من السفراء الأجانب لمشاهدة ما يجري في سديروت وكيف قام بعض من هؤلاء بوضع أكاليل الزهور على "سليل بني إسرائيل" الذي قتل نتيجة "صاروخ عابر بعيد المدى كما تصفه المقاومة الفلسطينية"، ترى كم من السفراء الأجانب ركض باتجاه الطفل الفلسطيني الرضيع أو اتصل بأهله مواسيا ومن منهم امتلك الجرأة لإدانة هذا القتل الإسرائيلي لأطفال غزة.
إن إسرائيل التي تقوم بالقتل اليومي لأطفال غزة، "رجاء بدون مزايدات" لا تملك فقط القوة العسكرية العاتية لكي تزيل غزة عن الخارطة فقط ، بل هي لديها القدرة على أن ترسم صورة لنفسها بأنها الحمل الوديع الذي تتهدد وجوده ما تقول انه " صواريخ فلسطينية " وانا شخصيا اسميها " مواسير فلسطينية محشوة بالبارود" وهي مثل حجر إذا ما سقط من علٍ على رأس أي شخص فلا بد سيقتله لا أكثر ولا أقل.
إسرائيل تمتلك القوة، وتستطيع أن تقنع العالم وتروج لما تقوم به من جرائم يمكن أن تستوي مع جرائم الحرب وضد الإنسانية، وتستطيع أن تدافع عن قضاياها بشكل يقنع ممثلي الدول الأخرى أن يتراكضوا لوضع أكاليل الزهور على قبر أو مكان سقوط الضحية الإسرائيلي، لكن هل بإمكان من يقومون بإطلاق " المواسير " الفلسطينية أن يقنعوا العالم بان قضيتهم عادلة برغم ما فيها من عدالة، نحن لا نسمع من هؤلاء سوى التهديد بإزالة الكيان الصهيوني وانهم سوف يزلزلوا الأرض وان يخسفوا السماء، أن الفرق بين هذا وذاك بان ذاك يعرف ما الذي يقوم به، ويرسم الخطط، ويضع الاستراتيجيات، وأما الفلسطيني فانه يعمل هكذا على طريقة "توكلنا على الله" أو "اعقل وتوكل" لا على طريقة واعدوا ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل"، طبعا هنا "نحن لسنا ضد الاتكال على الله" وبدون خطط أو تكتيك، ولا حتى تنسيق ولا دراسات، ولا يعرف إلى أين هو يتجه، ولا يدري إلى أين سيصل بعد سنة أو سنتين أو عشرة.
ما المشكلة في أن يقر الفلسطيني بأنه ضعيف، وأن إمكانياته لا تسمح له لا بأن يزلزل حتى كرسي مكسور في مكتب من مكاتب أي قائد إسرائيلي، إن ما تحاول إسرائيل أن تروج له عن خطورة " الصواريخ" الفلسطينية يبدو انه انطلى على بعض الفلسطينيين، فصار بعض من هؤلاء يعتقد بان بإمكانه أن يزيل الدولة العبرية، لا يا سادة، ليس هكذا تجري الأمور، وحتى احمدي نجاد الذي " هرانا" تهديدات للكيان الصهيوني، وانه سوف يمحوه عن وجه الأرض، لن يفعل، ولن يستطيع أن يفعل، المشكلة هي أن إسرائيل تصنع الكذبة وتجد "العربان" كلهم يركضون خلفها، ويتعاطون معها على أنها حقيقة، وهي لعبة إسرائيلية كان يجب وبعد سنوات العداء كلها أن تكون أصبحت مكشوفة.
إسرائيل أيها السادة تتعامل مع العالم وكأنها دولة لا يمكن لأحد أن يدين ممارساتها، وبأنها دولة فوق القانون، فلا يمكن أن يفهم ما أعلنه رئيس وزراء إسرائيل ايهود اولمرت من اليابان من تهديدات للفلسطينيين ضد مقتل مواطن إسرائيلي إلا في هذا السياق، وإلا كيف يمكن أن يسمح لنفسه كضيف بأن يلوح وأن يطلق هكذا تهديدات من عاصمة اليابان، وهل هذا يعني بأن اليابان موافقة على ما قاله. إسرائيل تنظر إلى العالم على انه يجب أن يكون في خدمة الجنس اليهودي، أَوَ ليس هذه هي النظرة اليهودية لغير اليهودي.
أما فيما يتعلق بقادة العرب، فإنني استذكر ما قاله الرئيس المصري عن دور الشعوب " أنا عاوز الشعوب هي اللي ترد" عندما كان يزور البحرين خلال الأسبوع الماضي ضمن جولة له يحاول التحشيد من خلالها ضد قمة العرب القادمة في دمشق، عندما قال بأنه يريد الشعوب العربية " هي اللي ترد على ما تقوم به سورية في لبنان" ترى ما رأي سيادته في الذي تقوم به إسرائيل ضد " الناس في غزة" هؤلاء أيضا بشر يا سيد مبارك "دول مش دبان ولا حشرات ولا غنم يا ريس" ، ونحن لم نَرَكَ تحاول تحريض الشعوب على القيام بالرد على ما تقوم به إسرائيل ضد "هؤلاء البشر"، لماذا لا تُمْتِعْنا أو تشنف آذاننا بتصريح مباشر مثل ذاك، من خلاله تحاول تحريض أو حث الشعوب العربية على القيام بالرد على ما تقوم به دولة إسرائيل ضد أطفال غزة أم ترى " حضرتك لما الأمور بيصير إلها علاقة بإسرائيل بتحط راسك في الرمل وبتبطل تسمع ولا تشوف ، والله عيب يا رجل، دنت الرئيس المصري ، مصر أم الدنيا وزعيمة العرب وأمهم وأبوهم وأخوهم الكبير اللي عمرها ما تخلت عن العرب" نرجو أن تقول شيئا بنفس الصراحة والقوة في هذا الاتجاه لا أن تغض الطرف وكأن شيئا لا يحدث هنا في غزة وغيرها، وكأن الدنيا أو الوقت توقف عند التآمر على مؤتمر القمة العربي القادم في دمشق والذي لا يعتقد بأنه سوف يخرج بقرارات تدعم الشعب الفلسطيني أو يصدر منه إدانة واضحة لأعمال ومجازر إسرائيل برغم أنه سوف يعقد في دمشق " عاصمة الممانعة" كما يسميها البعض.