حتى تموز 2006 كان الكيان الصهيوني يضع قواعد اللعبة في صراعه مع الأمة العربية، هذه القواعد التي تختصر في (نظرية أمن إسرائيل)، وتتلخص في موضوعة الحرب (بالحرب الاستباقية الخاطفة في أرض العدو). ووفقا لهذه النظرية حققت (إسرائيل) نصرها الساحق اليتيم في حرب حزيران 1967، التي لم تكن سوى هجوم ساحق من طرف واحد استمر لست ساعات! أما حرب تشرين الأول 1973، حيث بادرت القوات المصرية والسورية بالهجوم وأخرجتها عن واحدة من قواعد النظرية الإسرائيلية، فقد خسرت (إسرائيل) الحرب العسكرية في الأيام العشرة الأولى، وإن كانت ربحت بعد ذلك بالسياسة الأميركية ما خسرته بالحرب، وزادت عليه! وفي حرب 1982 على لبنان، استعادت (إسرائيل) نظريتها في حرب لم تكن حربا نظامية بالمعنى المفهوم للكلمة ولذلك لم تربحها، وإن ألحقت بلبنان دمارا كبيرا، وأخرجت المقاومة الفلسطينية منه.
في الفترة ما بين 1983و2000 أدخلت المقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة حزب الله (إسرائيل) في حرب خارجة تماما عن قواعد نظريتها، فكانت النتيجة أنها هربت من جنوب لبنان باستثناء مزارع شبعا. وفي هذه الحرب غير حزب الله، وللمرة الأولى، قواعد اللعبة مع هذا الكيان التوسعي الدخيل الذي خرج مهزوما.
في تموز 2006 أسقط حزب الله النظرية الإسرائيلية برمتها عندما استطاعت آلاف قليلة من مقاتليه أن تصمد في وجه رابع أقوى جيش في العالم، وأن تلحق به خسائر كبيرة وتجبره على الانكفاء دون أن يحقق أيا من أهدافه التي كان أعلنها بصلف وثقة بالنفس مفرطة، تبين أنها كانت تبجحا وحسب. في تلك الحرب غير حزب الله كل قواعد اللعبة الإسرائيلية بل قلبها على رؤوس واضعيها، سواء في ما يخص موضوع المبادرة، أو الحرب الخاطفة التي تحولت إلى حرب شبه طويلة استمرت 33 يوما، وكان يمكن أن تكون أطول، أو في ما يخص نقل المعركة إلى أرض العدو الصهيوني، حيث سقط على المستوطنات والمدن في عمق الكيان أكثر من أربعة آلاف صاروخ!
ليس ذلك فحسب، بل إن التغيير الثاني الذي أدخله حزب الله على اللعبة طال أطراف الصراع فأحل المقاومة والجماهير الشعبية محل الأنظمة والجيوش النظامية، وكان لهذا التغيير خطورته القصوى التي لحظها كثير من المراقبين الغربيين الذين رأوا فيه إعادة للصراع العربي- الصهيوني إلى جذوره ونقطته الأولى ولكن على غير الأسس القديمة. وكان في المواقف والملابسات التي أحاطت بتلك الحرب ما يؤكد جدية هذا التغيير، حيث تنصلت الأنظمة العربية من (مغامرة) حزب الله، على أمل أن تشهد تلك الحرب ليس فقط نهايته بل نهاية فكر وثقافة ونموذج المقاومة في كل الأرض العربية، وخصوصا في فلسطين. وكدليل على ما حدث من تغيير نوعي في هذا الجانب، يكفي أن نتذكر أن الكيان الصهيوني فعل ما كانت تفعله الأنظمة العربية في الحروب السابقة، فهو الذي استنجد بمجلس الأمن وطلب وقف إطلاق النار. وقرار مجلس الأمن رقم 1701 الذي يعتبره إيهود أولمرت إنجازه الوحيد في تلك الحرب لم يكن ليتخذ، أو أن يأتي على ما جاء عليه، لولا نفوذ الولايات المتحدة (التي كانت وراءه والتي أخرته أياما، بعكس ما أرادت القيادة الإسرائيلية، بأمل أن تحقق قواتها إنجازا يغطي على هزيمتها الواضحة). وقد عبر السيد حسن نصر الله عن جوهر هذا التغيير في قواعد اللعبة عندما قال أثناء الحرب كلمته فيها: "حزب الله لا يخوض معركة حزب الله، ولا يخوض معركة لبنان، ولكنه يخوض معركة الأمة"... وكان على حق.
مع إقدام الكيان الصهيوني على جريمة اغتيال القائد الشهيد عماد مغنية أخرج حزب الله من شرنقة لبنان، وأجبره على إحداث التغيير الثالث في قواعد اللعبة مع الصهاينة، وحول حربه التي كانت (نظريا) مغلقة على دائرة لبنان الصغيرة إلى (حرب مفتوحة) على وسع العالم، كما قال السيد نصر الله في كلمته في تشييع الشهيد مغنية يوم 14/ شباط الجاري، مؤرخا على مسؤوليته (بدء سقوط دولة إسرائيل).
الرعب الذي تعيشه القيادات الإسرائيلية منذ جريمة الاغتيال يدل على أمرين: الأول أنها كانت وراء الجريمة تخطيطا وتنفيذا، بمساعدة أطراف أخرى، والثاني أنها تأخذ ما أعلنه السيد نصر الله مأخذ الجد. وطبيعي أن تأخذ هذه القيادات الأمر كذلك، لأنها خبرت قدرات حزب الله، كما خبرت صدقية السيد نصرالله، وهي خبرة يجب أن تجعل فرائصهم ترتعد رعبا من (المصيبة القادمة)، كما عنون جدعون ليفي مقالا له نشرته صحيفة (هآرتس- 17/2/2008)، واعتبر أن اغتيال مغنية " لعب بالنار... نار خطيرة على درجة لا توصف". وعلق ليفي على تصريح الناطق باسم الخارجية الأميركية الذي قال متفاخرا: إن "العالم مكان أفضل بدون مغنية"، قائلا: "مكان أفضل؟ هناك شك في ذلك. مكان أقل أمنا؟ بالتأكيد".
لقد استطاعت القوى المعادية لفكر وثقافة ونموذج المقاومة الذي عزز حزب الله مواقعها في الأرض العربية أن تلتف على كثير من الحقائق التي أكدتها حرب تموز 2006، واستطاعت تلك القوى أن تؤلب العالم عليه، وأن تحاصر منظمات المقاومة الفلسطينية، وأن تحرض على المقاومة العراقية، وألصقت بالجميع ما تتصور أنه سيجعل الجماهير العربية تبتعد عن كل من يرفع شعار مقاومة المحتلين الصهاينة والأميركيين. لكن منطق الأشياء يؤكد أن تلك القوى ستكون الخاسرة...