يتألف الكتاب الذي صدر عن دار الشيماء للنشر والتوزيع في رام الله من 18 فصلا، من خلالها يستعرض الكاتب المراحل المختلفة من حياة الرئيس العراقي الراحل، بما في ذلك بدايات صدام ومرحلة شبابه وهروبه إلى مصر بعد اشتراكه في محاولة اغتيال الرئيس عبد الكريم قاسم، وعودته إلى العراق بعد سقوط نظام قاسم وتسلقه مناصب رفيعة في الحزب والدولة وبروزه كأحد أهم الشخصيات القيادية في العراق وخاصة خلال تسلمه منصب نائب رئيس الجمهورية، كما ويستعرض الكتاب استلام صدام حسين للرئاسة والممارسات التي ارتكبها ضد رفاقه في الحزب بعد استلامه الرئاسة بشكل مباشر، ثم ينتقل للحديث عن الحرب العراقية الإيرانية ودخول القوات العراقية إلى الكويت والهزيمة التي منيت بها القوات العراقية عام 1991 على أيدي قوات التحالف التي "حررت" الكويت، ومن ثم يتحدث عن فترة الحصار على العراق التي استمرت بدون مسوغ قانوني منذ دخول القوات العراقية إلى الكويت وحتى احتلال العراق.
الكتاب يتحدث أيضا عن التحضيرات للحرب على العراق التي أدت إلى احتلال البلد واختفاء الرئيس العراقي ومن ثم إلقاء القبض عليه ومحاكمته وإعدامه بطريقة بعثت التقزز في النفوس ليلة عيد الأضحى، وردود الأفعال على عملية الإعدام وتوقيتها، ويختتم الكتاب بفصل خاص لرسائل الرئيس العراقي .
ويعتبر هذا الكتاب هو الثاني للكاتب حيث كان قد اصدر كتابا بعنوان
هكذا سقطت بغداد – سرد حي لقصة سقوط بغداد كما عاشها الكاتب
يذكر بأن الكاتب كان قد عاش فترة طويلة في العراق استمرت إلى الغزو الأميركي للعراق وظل هناك وعايش الاحتلال لمدة عامين ونصف قبل أن يعود إلى أرض الوطن
وقد جاء في مقدمة الكتاب
المقدمة
كنت أعلم منذ البداية أن الكتابة عن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ليست بالمهمة السهلة، خاصة في ظل الظروف التي مر بها العراق والأمة العربية منذ أن قامت القوات الأميريكية بغزو البلد و احتلاله. وكنت أعلم أيضا أن الكتابة في هذا الموضوع هي كمن يمشي على الخيط الرفيع، الذي قد ينقطع فيُسْقِط من يمشي عليه في أية لحظة، وذلك لطبيعة الرجل وحساسية الموضوع الذي أتناوله.
فالرجل ليس ككل الرجال ولا هو قائد مثل غيره من القادة، فلقد كان محل خلاف ونقاش منذ أن برز اسمه على الساحة العراقية والعربية، وصارت مواقفه محل جدل وتساؤلات كبيرة بين مختلف الطبقات والشرائح المثقفة العربية، ولم يكن التباين في وجهات النظر بين تلك الطبقات أو الشرائح المثقفة ناتج عن ترف فكري أو رغبة في الخلاف أو الاختلاف والاتفاق حول الرجل، بقدر ما كانت طبيعته ومواقفه وممارساته هي التي تدفع دوما إلى ذلك.
ولأن الرجل شكّل في كثير من مراحل حياته لغزًا استعصى على الفهم للكثيرين من أبناء هذه الأمة، فإن الكتابة عنه تكون أكثر صعوبةً، ويصبح التحليل أشد تعقيدا، ذلك أن للرجل مواقف فيها من التناقض ما يدعو إلى العجب والتوقف الطويل أمامها، فهو الذي لا يتوقف مثلا عن الحديث عن الديمقراطية برغم أن ممارساته ونظامه لا تمت إليها بصلة، وهو مثلا يتحدث عن الوحدة العربية برغم أنه اعتقل وشرد (وسحل بعض) رفاقه البعثيين الذين كانوا من مناصري الوحدة مع سوريا بمجرد أن استلم السلطة كرئيس للعراق.
لم يكن الرئيس العراقي لغزًا محيرًا في ممارساته الداخلية فقط، بل كان كذلك في علاقاته الخارجية موضع استغراب وتساؤلات. فهو وبرغم خطابه السياسي المعادي للولايات المتحدة إلا أنه كانت تربطه علاقات وثيقة مع هذه الدولة، وهي التي زودته بكافة أنواع الأسلحة التي توصف بأنها محرمة دوليًا، مثل الأسلحة الكيماوية التي كثر الحديث عنها وعن استخدام صدام لها، برغم أن هذا الاستخدام لم يثبت عمليًا. كما أن الولايات المتحدة وفي عز الحصار على العراق وشعب العراق كانت أحد أهم المستوردين للنفط العراقي.
وقبل هذا وذاك فإن السؤال لا زال قائما حول الجدوى من حرب العراق الطويلة مع إيران، (برغم كل ما لنا من تحفظات على الأطماع الفارسية في الدول العربية) والتي استمرت ثماني سنوات حرقت في طريقها الأخضر واليابس، في ظل عودة صدام حسين للعمل باتفاقية الجزائر لعام 1975 بين البلدين. ويُعتقد أن ما هو جارٍ اليوم في أرض الرافدين إنما هو النتيجة البعيدة لتلك الحرب، التي لولاها لما توجه صدام حسين إلى الكويت، ولربما لم يجر ما جرى بعد ذلك من غزو واحتلال وتدمير للعراق ولكل ما تم إنجازه خلال حكم صدام حسين نفسه.
برغم كل المحاذير التي ترافق الكتابة عن الأشخاص بما في ذلك القادة، إلا أنني اعتقد هنا أنه لا بد من الكتابة عن صدام حسين في محاولة للتوثيق حول هذا الرجل "الظاهرة" إذا جاز التعبير. وكنت ولا أزال أعلم أن للرئيس العراقي من المعجبين والموالين والمحبين من قد لا يعجبه ما سوف يقال عن الرجل وحكمه المطلق وممارسات نظامه التي لا يمكن أن تكون مقبولة، إلا أنني مقابل ذلك حاولت أن أسلط الضوء على الكثير من الإنجازات التي تمّت في عهد الرجل والتي سوف لن يكون من الإنصاف عدم التطرق إليها. كما أنه من غير المنطقي أو الموضوعي أن يتم الحديث عن مثالب الرجل دون ذكر الإنجازات التي حققها في العراق، وهي بلا شك كثيرة، إلا أن السؤال الكبير الذي ظل مسلطا أمامي هو، من المسؤول عما حصل للعراق، وهذا النهر من الدماء المسفوحة، وهذا السطو على العراق من كل من هب ودب؟
لا شك أن صدام حسين كان له من المزايا التي تميزه عن غيره من قادة أمّة العرب، لكن صدام حسين كان له أيضًا من الرزايا التي تميز فيها على زملائه من هؤلاء القادة. نعم لقد تميز صدام عن هؤلاء في الحالتين، فهو تميز في كل الأشياء بما في ذلك القمع لشعبه وحكمه المطلق، كما وتميز في التقدم والإنجازات التي حققها لشعبه، بحيث صار على مسافات بعيدة من بعض أو ربما الكثير من الدول العربية التي تمتلك من الثروات أضعافًا مضاعفة مما يملكه العراق.
استطاع الرئيس العراقي أن يمتلك قلوب الشعوب العربية من خلال الكثير من المواقف التي كانت معلنة له، واستطاع أن يسرق ألباب هذه الشعوب وقلوبها. وقد زرع في نفوس العديد من الناس أحاسيس رائعة، كما ودغدغ مشاعر البسطاء من الناس التي سرعان ما تم قتلها، عندما لم يستطع أن يصمد في ساحة الصراع، لا بل كانت ردة الفعل لدى هؤلاء أن مزيدًا من الشعور بالإحباط ألمّ بهم، وصارت الأمور بالنسبة اليهم ربما أكثر صعوبة وسوادًا وتعقيدًا، ويمكنني أن أقول هنا أن الكثير من الناس شعروا بالضياع عندما أفاقوا من الصدمة.
لقد اعتقد هؤلاء أن صدام حسين سيكون مخلّص الأمة وفارسها وقائدها ومنقذها مما هي فيه من تعثر وتبعية وتخلف واستعمار، لكن هل كان صدام فعلاً كذلك؟ وهل كان بإمكانه أن يحقق أيًا من الشعارات التي ملأ الدنيا ضجيجًا بها؟ ترى هل كان يدرك الرئيس العراقي حجم ما يصنعه من أمل في نفوس أبناء الأمة عندما كان يتحدث عن مَنحِهِ "وصلة قاع" -أي قطعة أرض مجاورة لإسرائيل من أجل تحرير فلسطين؟ ألم يكن يعلم "السيد الرئيس" بأن مطلبه هذا لا يمكن أن يتحقق، وأنه إنما يمارس لعبة خطيرة النتائج على عامة الناس؟ أو لم يكن يعلم بأنه بمطلب كهذا مستحيل التحقق إنما يمارس الخداع للجماهير التي يخاطبها ويتلاعب بعواطفها ويستهتر بعقولها، وهي تلك الجماهير التي تثق به وتعتبره القائد العربي الهمام والوحيد القادر على الفعل بحسب تقديرها؟
قد يكون الرئيس العراقي صادقا ومخلصا في توجهاته العربية كما وتوجهاته فيما يتعلق بتحربر فلسطين، لكنه لم يكن آتيا من كوكب آخر، وهو المدرك لكل التوازنات والمسموحات والممنوعات على العراق وعلى بلاد العرب بشكل عام، ولديه من الخبرة ما يجعله يفهم قصة التوازنات المحلية والدولية، وعلى هذا الأساس كان لا بد أن يتصرف. وعليه فلا بد من أن يكون واقعيا، وأن يبتعد عن مخاطبة العواطف والقلوب، وأن يتوقف عن اللعب على المشاعر الوطنية والاستثارة للشعوب. كان عليه أن يكون أكثر واقعية وأن يكلم الناس بما هو حقيقي وممكن عمله أو فعله. أما أن يستمر في ذلك منذ أن ذهب إلى الكويت ورفع شعاره بأن تحرير فلسطين يمر من الكويت إلى ما قبل الحرب على العراق واحتلاله بقليل فإن هذا ما لم يكن أبدا من الحكمة بمكان.
الحديث عن صدام حسين ليس سهلا ولا يمكن الحديث عنه إلا من خلال كل أفعاله، وعلى ذلك فسأحاول قدر الإمكان أن أتطرق إلى مراحل حكم الرئيس العراقي الراحل المختلفة منذ البداية، أي قبل أن يصبح صدام حسين "السيد الرئيس" والقائد الملهم.
في هذا الكتاب لا بد من الحديث عن بدايات الرجل عندما استلم الرئاسة، ومن ثم حربه مع إيران وما بعد ذلك من دخوله إلى الكويت والهزيمة التي مني بها العراق في حرب الكويت أو حرب الخليج الثانية، ومن ثم الحصار القاتل الذي تم فرضه على العراق، هذا الحصار الذي أنهك العراق والعراقيين وأوصلهم إلى درجة رهيبة من العوز والحاجة، لا بل هو الذي قاد إلى النتيجة الحالية التي يرزح فيها عراق العرب تحت الاحتلال وتجري على أرضه أنهار من الدم بشكل يومي وبلا توقف.
وكان في النهاية حديث عن قصة الرئيس ما بعد الاحتلال للعراق، وعن صدام حسين بعد هذا الاحتلال وأسره، ومن ثم تقديمه للمحاكمة المهزلة التي قادت إلى قتل الرجل في عملية إعدام رخيصة، أظهرت كم من الحقد يحمل جلادوه في صدورهم، لا بل والكم الهائل من الخوف والرعب الذي يملأ قلوبهم. لقد تم إعدام صدام حسين في عملية مدبرة سريعة كان على صدام أن يدرك أنها لا بد ستتم، وبالتالي كان عليه أن يفضح أسرار كل من تآمر عليه وخاصة الولايات المتحدة وأذيالها في المنطقة، إلا أنه لم يفعل وهذا سيظل مدعاة لأسئلة كثيرة كبيرة. لماذا لم يفعل؟ وهل كانت عملية الاستعجال في قتله هي لمنعه من قول بعض أو ربما كثير من تلك الأسرار، خاصة وأنه يحاكم في قضية الأنفال وحلبجة واستعمال الأسلحة الكيماوية؟
وعلى كل حال، فلقد رحل الرجل وانتهت حياته على مشهد من العالم ومسمع، وبالطريقة التي أثارت التقزز في النفوس. إلا أن صدام حسين وكما كان عنيدا في حياته كان عنيدا عندما كان يتقدم باتجاه المقصلة، وسط كل تلك "الهيصة" أو"الهوسة" ووسط احتفالية كريهة بغيضة تنم عن حقد مريض، وأثبت أنه كان كما قيل عنه مقداما في مواقفه وخاصة تلك المواقف التي فيها يُختبر الرجال ويتم فيها الفرز بين الرجولة والخنوع. وقد حاز صدام حسين على درجة عالية من الإعجاب والتقدير في لحظة تعتبر من أشد لحظات الحياة صعوبة وحسما، فلقد أبى إلا أن يموت بكل شموخ وأنفة ورفض أن يمنح مجموعة الرعاع من حوله طعم الانتصار وربح الجولة برغم أنها كانت الأخيرة.
(تاريخ النشر فاعل خير, فبراير 27, 2008, 1:36 AM)