هناك خطأ شائع يقول ان الساقط يقع نتيجة دوافع خارجية بحتة لا تطيقها قدراته فيكون فريسة لها ، وهو منطق يجافي الخبرة ولا يحتكم للحداثة العلمية ، لان الساقط اي الذي يتخلى متفاعلا مع المؤثرات الخارجية عن جزء من مركباته الانسانية او جلها ـ القيم الروحية والجسدية والاجتماعية والفكرية ـ في الممارسة حيث التجلي الواعي والحقيقي لانبعاثها من اعماقه يكون قد وصل للذروة في المكاشفة مع ذاته ، انها لحظة الاختيار، ويمكن ايضا ان نقول الاختبار ، فهو اختيار باطني و ظاهري بفعل عوامل التفاعل بين صيرورة الذات الساقطة ومحيطها ، وهو اختبار لقوة تجاذباتها مع هذا المحيط !
السقوط نوعان حسي وروحي ، وغالبا ما يؤدي في حالات السقوط الشامل الى تبادل للادوار بينهما السقوط الحسي : تبضيع الجسد لسوق العرض والطلب ، وبلحظة اختيار لا مناص منها هي لحظة حرجة ، ومترجرجة ، حراجة ورجرجة لحظة تجاذب نداهة الغرائز مع كوابحها الانسانية ، اوالمدمن عندما يصل بمستوى ادمانه الى درجة او لحظة حرجة لا يمكن معها الشفاء ، الا اذا استبدلت اجزاء من جسده كالدم او جزء من تلافيف دماغه المسؤولة عن التخدير في الجسد !
اما الروحي فهو : انتفاء المعنى وحصره بالحسي المادي ، ولا اعتبار لاي قيمة معنوية او اخلاقية او فكرية بل ان الغرائز هي الروح الوحيدة المتنفذة بالساقط او المؤهل للسقوط !
وجدت نفسي مضطرا للخوض بهذا المدخل لتبيان اي نوع من السقوط الذي يعاني منه سمسار الحس والمعنى والذي يتلذذ عندما يساهم بعدوى اكبر قدر من الناس بمرضه العضال هذا ، وعندما يعجز عن نقل المرض اليهم فانه يحاول النيل منهم بعد الاستقواء عليهم بمخابرات ما ، انه يتعمد الاقتراب متحسسا ومتلمسا ومتنفسا بالقرب من اضداده ، اي الاصحاء والذين يُحترمون فعلا من الناس لانهم اصحاء ، بعد ان يكون قد استرجل على الحالة برافعة فيها رائحة للسلطة ، ومن نافل القول ان تكون هذه السلطة هي من تجنده وتستعمله استعمال الورق المعطر ، لمرة واحدة فقط ، كان فخري كريم شيوعيا لمرة واحدة فقط ، كما كان عربيا لمرة واحدة فقط ، وكما هو الان كرديا لمرة واحدة فقط ، وليست مفارقة ان يكون في كل المرات مخابراتيا ، هكذا كان ديدنه عندما كان يناكف بالباطن صفاء الحافظ ، وصباح الدرة ، او يحاول اذلال من لا شيء يغري فيهم غير انهم ليسوا بساقطين ، كان يغار كالنسوان من المبدعين حقا فلم ينسجم الا مع المدعين والباحثين عن طرق معبدة للنشر والشهرة فما دام هو السمسار الذي يدير الدار وراعيها غير العزيز عزيز محمد ، وما دام هو ذاته من يستدرج نجوم المسرح الشيوعي العربي ، فانه هو ولا غيره سيكون عراب المدعين ادبا وفكرا وابداعا ، بيروت شاهدة حية على ذلك والنهج شاهد عيان على نفوذه الفاسد المفسد ، وكانه يكرر نفسه اينما حل وارتحل ، عندما كان نائبا لعبد الرزاق الصافي في رئاسة تحرير طريق الشعب فضحته عيون ، غانم حمدون ، ورجاء الزنبوري ، وعدالة المالح ، وعندما حل في بيروت ، خَبرته بعض بيوتات قادتها التي منحته الثقة لكونه ممثلا لحزب فهد فيها وعرفته بانه ليس اهلا لها ، عائلة ياسر عبد ربه فضحته ، عائلة المناضلة جيهان الحلو فضحته ، وكانت احدى نتائج هذا الفضح اطلاق الرصاص عليه ، عرفه رفاقه بانه جرذ وضيع وليس ضبعا فقط كما جرى وصفه ، يسرق الامانات يسرق الاسرار ويبيعها ، يسرق الجهود ، وهذا حاله مع المرحوم مصطفى عبود ، انه يشبه تجار السلاح اثناء الحروب ، ذهب الى اليمن الجنوبي ليبيع احد اطراف الصراع صفحات اعلانية في مجلته حيث يلفقون فيها حكايات لا وجود لها ، وقبض منهم الثمن ، كان مستعدا للكذب والتدليس بمجرد ان يكون ذلك مقابل ثمن ما ، اي ثمن ، وبيان 13 يناير الكاذب وفندق عدن يشهدان ، والان وبعد ان احتل العراق صار هذا السمسار عرابا لجلال الطالباني قاتل الشيوعيين ، وذهب معه ابعد من ذلك في اشتراكه بمحاولة شراء ذمم من تبقى في حزب حميد مجيد من الانصار ، وذلك بالتنسيق مع عزيز محمد ، وملازم خضر وبالتناغم مع التوجه الطالباني والبارزاني لاستكراد ما امكن استكراده من الشيوعيين العرب ومن نخبهم المثقفة والمؤثرة ليكونوا تبع لهم من خلال صرف رواتب تقاعدية ، ومن خلال ربطهم باربيل ومهرجاناتها المجانية ، اما التوجه نحو الجوار العربي فهو واحدة من اهم مهماته التي يعتمد فيها على اسلوبه القديم الجديد ، وفعلا جرى ويجري بذل الاموال والدعوات والعطايا والهدايا نحو صحفيي وكتاب الوطن العربي ـ اطعم الفم تستحي العين ـ ولكن ليست كل صحافة العرب ومجلاتهم وكتابهم مفتوحة الافواه حتى تستحي اعينها ، وهذا هو عين ما حصل لمجلة الاداب التي يرفع عليها مستشار الرئيس دعوته القضائية الباطلة ، فالاداب قد لقنت هؤلاء درسا بالادب فعلا عندما خيبت ضنهم ، واعلنت بمقالتها النقدية الرائعة بانها ليست للبيع ، فهي تقول ماترى وتعتقد ، وهي ليست واحدة من ببغاوات العرب التي كلما اطعمتها ولقنتها رددت مايسرك !
ربما يلاحظ معي العديد من الزملاء ان حب الظهور والتعمد في تضخيم الذات الساقطة هو مسلك لا ارادي بمدلولات عكسية عند الضباع الجرذية هذه حيث توجه الانظار الى اسرار عوراتها الفاطسة من حيث لا تعلم ، وهذا ما ينطبق على تصرفات فخري كريم ، عندما توفت نازك الملائكة وجدناه يمشي بجنازتها ، وعندما نال يوسف العاني جائزة تقدير من مهرجان القاهرة قام امام العدسات ليصافحه ، وعندما امر بريمر بتشكيل منظمات للمجتمع المدني ظهر مجلس السلم والتضامن برئاسة فخري ، وعندما تحدثوا عن المصالحة الوطنية نظم فخري واحدا من مؤتمراتها ، اما مهرجانات دار مداه فحدث ولا حرج ، وقصة كوبونات النفط وزوبعتها الفارغة التي تشكل نموذج لحالة الاسقاط العكسي ، لانه هو ورئيسه الطالباني من يقوما بمحاولات شراء الذمم بالرشاوى ، مستخدمين المال العام ، مال النفط والغاز ومخصصات اعادة الاعمار !
ان علامة من علامات الزمن العراقي المحتل هو احتلال الساقطين والفاسدين والمجرمين والطائفيين والعنصريين المواقع القيادية والرفيعة فيه ، وحتما سيتكفل سقوط هذا الزمن بكنس هذه الحثالات من المشهد العراقي برمته ، وعليه فان عملية فضح هؤلاء مهمة غاية بالوجوب ، وهي تصب في مجرى مقاومة الاحتلال والتصدي لرموزه رموز الفساد والسقوط .
.