في ضوء زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن للأراضي الفلسطينية
لم يفاجأ الفلسطينيون في الوطن المحتل ، أو في الشتات بما أسفرت عنه زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن لكل من إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة ، وتحديدا بما احتوته خطاباته وتصريحاته في أثناء هذه الزيارة ، فيما يخص مجمل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بكافة تداعياته وإفرازاته منذ العام 1948 عام النكبة ، ومرورا بالعام 1967 عام احتلال بقية الوطن الفلسطيني من القرن الماضي ، ووقوفا عند بدايات العام 2008 ، حيث بلغت النكبة الفلسطينية من العمر ستين عاما .
وبرغم ذلك الإهتمام غير المسبوق بهذه الزيارة وبصاحبها ، فإن الذي استقرأه الفلسطينيون من خلالها مجرد تكرار لمواقف أساسية اتخذتها الإدارة الأميركية الحالية تجاه القضية الفلسطينية ، وإذا كان ثمة من جديد فهو يخص الشكل ولا يتطرق إلى المضمون .
لقد طالب الرئيس الأميركي إسرائيل بإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية . وقد تبدو هذه المطالبة على أنها طرح جديد . إلا أن سؤالا كبيرا يطرح نفسه بإلحاح : هل قصد الرئيس الأميركي كل الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في العام 1967 بما فيها القدس العربية ؟ . وعلى ما يبدو فإن الجواب على هذا السؤال لا يحتاج إلى تأويل أو تخمين .
وحقيقة الأمر فإن المقصود بإنهاء الإحتلال حسب المنظورين الأميركي والإسرائيلي لا يتطرق البتة إلى تفكيك الإستيطان ، والعودة إلى حدود العام 1967 . أما الدولة التي يبشر بها الرئيس الأميركي الفلسطينيين ، متباهيا أنه أول رئيس أميركي نادى بها ، فهي تلك الدولة القائمة على معادلة تكرس المقتطع منها علانية كل الكتل الإستيطانية الكبرى القائمة على خيرة الأراضي الفلسطينية ، إضافة إلى ذلك ما أحدثه التهويد الجغرافي والديموغرافي لمدينة القدس العربية .
وما دمنا بصدد الإستيطان ، نسوق هنا مثالا لا حصرا بعض الأرقام الخاصة بالإستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية . لقد أقامت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في الأراضي الفلسطينية المغتصبة " الضفة الفلسطينية " منذ العام 1967 مائة وخمسا وثلاثين مستوطنة . كما أقامت في منطقة القدس وحدها أربعا وثلاثين مستوطنة . وقد أطلقت عليها جميعها مصطلح مستوطنات قانونية . وهناك ما ينوف عن مائة بؤرة استيطانية أطلقت على قسم منها مصطلح بؤر استيطانية عشوائية . وهذه البؤر العشوائية هي التي يطالب الرئيس الأميركي بتجميد العمل فيها ، أو تفكيكها .
إلا أن المنظور الأميركي لا يقف عند هذا الحدود . فهو يطرح تسوية للقضية الفلسطينية خارج إطار قرارات الشرعية الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ، والتي تؤكد بما لا يدع مجالا للشك مشروعية الحق الفلسطيني في وطنه . إلا أن الرئيس الأميركي وباتفاق مع الحكومة الإسرائيلية التف على هذه الشرعية التي اعتبر أنها أصبحت من الماضي ، وفصلا من فصول التاريخ .
وفي معرض دفاعه عن منظوره هذا ، كال الرئيس الأميركي تهمة الفشل للأمم المتحدة التي عجزت على حد ادعائه عن إيجاد تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، وهو بهذا يتجاهل عامدا متعمدا دور الولايات المتحدة الأميركية في تعطيل ترجمة قراراتها المنصفة للشعب الفلسطيني . ومثالا لا حصرا عشرات المرات التي استخدمت فيها حق النقض " الفيتو " .
لقد أوجدت الولايات المتحدة الأميركية في المقابل مرجعية أخرى غير الأمم المتحدة التي كان الفلسطينيون ينظرون إليها على أنها حامية لحقوقهم في وطنهم المحتل ، وفي مقدمتها حق العودة الذي كفله القرار الأممي 194 . إن لقاء أنابوليس الدولي الذي انعقد في الولايات المتحدة أواخر شهر تشرين الثاني / نوفمبر من العام 2007 ، قد حدد خارطة الطريق مرجعية لأية تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، وهذه الخارطة تعتمد مبدأ التفاوض الثنائي بين الطرفين المتصارعين ، دون أن يكون هناك أي غطاء دولي يحمي الطرف الفلسطيني من سياسات فرض الأمر الواقع .
والمقصود هنا ما أحدثه الإحتلال الإسرائيلي من تغيير جغرافي وديموغرافي في الأراضي الفلسطينية ، إضافة إلى مخططات ومماطلات وتسويفات واشتراطات وتقلبات اتصفها بها الطرف الإسرائيلي على مدار تجارب تفاوضية عبثية غير مجدية خاضها الشعب الفلسطيني طوال عقدين من الزمن .
أما ما يخص الدولة الفلسطينية الديموقراطية المتعايشة سلميا جنبا إلى جنب مع الدولة اليهودية ، والمحاربة لما يسمى بالإرهاب ، فهي الأخرى لا تأتي كتحصيل حاصل ، وإنما إذا ما كتب لها أن تقوم ، فهي تخضع لاشتراطات تعجيزية ، لا تستثني الأوضاع القائمة حاليا في قطاع غزة . وقد أضاف الجنرال باراك وزير الدفاع الإسرائيلي مؤخرا رؤيته لهذه الدولة مفادها حق إسرائيل في السيطرة على أجوائها ، والتواجد العسكري الإسرائيلي على معابرها ومخارجها ، وأخيرا لا آخرا منزوعة السلاح .
واستكمالا للمنظور الأميركي ، وفيما يخص موضوع التنازلات المؤلمة التي طالب الرئيس الأميركي الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي القيام بها ، فهي والحق يقال لا تخص الطرف الإسرائيلي ، إذ ليس هناك في حقيقة الأمر ما يؤلم الطرف الإسرائيلي ، ذلك أنه إذا ما تنازل ، فهو يتنازل عن ما أخذه بالقوة دون حق مشروع . إن المصطلح الأصح هو إعادة الحق لأصحابه الشرعيين ، وليس هو تنازلا بأية حال من الأحوال .
وهكذا فإن المقصود بالتنازلات المؤلمة هو الطرف الفلسطيني دون سواه ، وهو الطرف الذي اغتصب وطنه وهجر شعبه في العام 1948 . وهو الطرف الي احتل بقية وطنه في العام 1967 ، واستبحت أراضيه ومقدراته على مدار أربعة عقود من الزمن . وها هو الرئيس بوش الإبن حليف إسرائيل الإستراتيجي والمنحاز قلبا وقالبا لها يطالب الفلسطينيين أن يتنازلوا عن ثوابت قضيتهم لقاء تسوية غير عادلة ، ولا منصفة ، ولقاء دولة ما زالت في رحم الغيب السياسي ، إذا ما كتب لها أن تقوم ، فهي لا تحمل أي عنصر حقيقي من العناصر الجيوسياسية السيادية التي تقوم عليها دول العالم .
إن الشعب الفلسطيني الذي قاسى الأمرين طوال ستة عقود من نكبته الكارثية ، وعاش خلالها بلا وطن ولا حرية في منافي الشتات ، وتحت حراب الإحتلال في الوطن المحتل ، إن هذا الشعب يتوق أسوة بشعوب العالم الحرة إلى حياة يتفيأ فيها ظلال الأمن والحرية والسلام . وهو يمد يده بكل صدق وأمانة إلى كل يد خيرة صادقة ، تسعى إلى رد الإعتبار له ، وإنصافه من الظلم التاريخي الذي وقع عليه .
إلا أن الشعب الفلسطيني الذي ضحى بالنفس والنفيس على مدار قرن من الزمان ، هو من الذكاء والفطنة بحيث يميز بين الغث والسمين فيما يخص قضيته . ولا يعقل أن يتخلى عن ثوابت قضيته لقاء أي منظور أميركيا كان أو إسرائيليا ، يلغي هذه الثوابت التي أقرتها له الشرعية الدولية ممثلة بالأمم المتحدة عبر قراراتها المعروفة .
كلمة أخيرة ، لقد صام الشعب الفلسطيني طويلا ، وما زال صائما ، يقاسي الحرمان من أبسط حقوقه الإنسانية . والشعب الفلسطيني يرفض أن يكسر صيامه على مائدة حلول وتسويات لا تسمن ولا تغني من جوع ، ولا تعيد له حقوقه المشروعة . وهو بهذا قادر أن يواصل المشوار مهما طال . وإن غدا لناظره قريب .