حينما أبلغ السبعين , وأصبح رجلا هرما , تكون وسادتي محشوة بالذكريات .. وبشرتي متجعدة , وينتشر الشعر الأبيض على جسدي الضعيف ..
فكرت بذلك , فيما راحت عيناي , تنظران نحو الأفق والشمس , تسحب أصابعها البرتقالية , نحو المغيب .. وجدت من المناسب أن أكتب أليك رسالة .. وددت فيها أن أخبرك أن عيد ميلادي , سيحين في الشهر القادم , وكم كانت سعادتي لاتوصف , لو أنك كنت إلى جنبي ..
لكن لا بأس , حتما سيأتي اليوم الذي , نلتقي فيه بدون عوائق ...ضحكت من تفكيري , بأني سأبقى أعيش , حتى سن السبعين , كان تفاؤلي شديدا , ولم أحسب أن الأعمار بيد الله ..
لمناسبة حضوري إلى هنا جلب لي بعض الأصدقاء باقات زهور لي فكنت أركز على كلمات البطاقات المرسلة
معها .. كتب أحدهم :
( عمرا مديدا , وأتمنى لك السعادة .. )
وقرأت في بطاقة أخرى :
(عمر ... وعافية )
فرحت كثيرا , حينما قرأت كلمة (عافية ) لاأدري ما هو سبب فرحتي .. هل لأننا , لانستطيع أن نكون سعداء بدونها ..
لما وضعت الورقة ,لأكتب لك , لم أستطع فعل ذلك , لقد تبخرت الكلمات , من رأسي وشعرت , بأن دماغي عبارة عن صفحة بيضاء ... لايوجد عندي أدنى رغبة في الكتابة .. لهذا أعدت لأوراق إلى الدرج , فلم تعد لها ثمة فائدة ..
لكني بقيت أتأرجح في صور الذاكرة .. تذكرت حينما كنا نسافر .. لم تكوني تتركين شيئا للصدفة , لقد كنت تضعين في الحقيبة , حتى المملحة الصغيرة , وتعودين مرة
أخرى , تراجعين .. كل ماوضعتيه , لتتأكدي بأنك لم تنسي أي شيء .. ولما كنت أضجرمن ذلك , كنت تقولين :
: ماذا يهمك , تريد كل شيء جاهزا ..
وعندما تغلقين الحقيبة , تطلبين مني حملها حتى الشارع العام ... لنستقل سيارة الأجرة .. من هناك ...
وفي مصيف (سره رش ) كنت أتركك, وحيدة وأذهب إلى (صلاح الدين ) لشراء حاجياتنا , لكني معظم المرات , أمضي لأحد المطاعم وأتناول الأطعمة أللذيذة ... وتبقين وحدك تتضورين جوعا ...
تنتظرين عودتي لأجلب لك الخضار , التي طلبتها , لأجل أن تطبخين الطعام .. الذي تتباهي به دوما وكأنك أمهر طباخ في الوجود..
كنت أضحك في سري ... حينما أراك تسرعين في الطهي ... وحينما تدعوني إلى المائدة , أقوم بتثاقل , ولما تريني أمضغ الطعام بلا شهية , تسأليني :
:
هل تناولت الطعام في الخارج ...؟؟!!
ودائما أجيب بالنفي , لأني أعلم أنك ستلقي علي درسا عن مساوئ , تناول الأطعمة خارج المنزل ... وما يسببه من أمراض ... وأن والدك لم يكن ليسمح لنفسه أن يفعل ذلك .... فقد كان يصر على عدم الأكل ألا في بيته .. ومن يد والدتك .. حتى لو بقي نهارا كاملا بلا طعام ...
كان حرصك الزائد , يشعرني بأني مقيد , لهذا كنت أحاول دائما أن أتهرب من خوفك المرضي ... فكنت ألجأ إلى عدم أخبارك, عن أمور كثيرة ...
هل تتذكرين الخدوش , التي أصبت بها , في ركبتي , لقد كذبت عليك , عندما أخبرتك :
: صدمتني سيارة , أثناء عبوري الشارع ..
لكن الحقيقة , غير ذلك .. لقد ذهبت إلى موعد , مع المرأة البدينة, التي حضرت معنا , في سفرتنا الأخيرة , فقبل أن نرجع إلى (بغداد) أعطتني عنوانها ... وأخبرتني بأنها مطلقة , وليس لديها أولاد ...
وعندما ذهبت إلى دارها , في اليوم التالي , لعودتنا .. وجدت الباب الرئيسي , غير مغلق , فدفعته بهدوء , ودخلت في الممر , الذي يفصل الحديقة ,عن البيت , وعند اقترابي , من الباب الخشبي , وقبل أن أطرق الباب , ظهر فجأة كلب ضخم ..
يبدو أني نسيت نفسي ... فقد غابت الشمس , وحل المساء , ويجب أن أغلق النافذة ... فمنذ أن جاءوا بي إلى
هنا ... يحضر المضمد ليزرقني الإبرة في موعدها ...
وهم يفعلون ذلك باستمرار .. رغم أنهم يعانون من بشرتي المتجعدة وشعري الأبيض الكثيف .. وأسمعهم دائما يقولون :
: الإنسان أذا بلغ السبعين , تظهر عليه علامات الشيخوخة ....