يا أبتي لم أرَ أي من الكواكب في السماء قبل أن تغادرنا ، كانت ناقصة ، دامعة نحو علوها ، تشتكي غيابك لا من أجل الغياب ، ولكن من أجل من غبت فيهم ، شعبك ايها الختيار.
دمعة واحد لا تكفي لبلل الخارطة ، ورصاصة واحدة تكفي لتمزق شعبك وتجعله اشلاء ، فموتك السفر المر ، قطار قطع عنا محطات كانت مدهشة ، واصبحنا على بعدٍ منها اشباه احياء ، يلوك بعضنا في لحم بعض ، ونجور جور الظلاّم تحت قرص الشمس ، لا يجمعنا غير السباب عبر في الذهاب ما ذهبنا اليه وفي الإياب ما اتينا منه ، والقتل الداخل فينا ، صباح ، مساء ، ووجع امهاتنا على نقصان عقولنا في سوق الحياة ، لا نشتري غير ما يضرنا ونبيع كل ما ينفعنا .
يا ابتي مسنا الشيطان فربى فينا، واخذ بنا الى ما لم يقع لك في حسبان ، قتل الاخ للاخ أسهل من ابتسامة تعسرت في مرسم الشفاه ، ورمي التهم جذاف ، ريح تكسر عفتنا ، لا نحن ولا نحن غيرنا ، ننام ونصحو على هم يكبر في دوائر الروح ، لا الجار جارا ولا الصديق صديقا ولا الابن ابنا كله دخل حجرة القلق ، ليصيبه الرعب من يوم على الطريق.
يا ايها الراقد في مثواك ، مفترشا حريتك بتربتك ، انتصر لأسمك الشهيد ، وترحّم علي شعبك الجريح ، شعبك النازف من عروة روحه ، وبيده سيفه المسلول نحو نحره ، لا هو الصبح القريب جاء ، ولا حامل الإصباح على الدرب.
شعبك على الرصيف ، دامي العينين ، من فراغ الزاد ، والمسير للخلف في عزة الإثم ، يبوح للخوف اشجان متدلية من الفؤاد الى الكتمان ، ولا يطرق وطنا غير الامنية الآن ، في صحوة الاحزان يمتد من قاع رفح الجنوب الى أخر بئر في جنين الغروب ، ولو تدري مافي الوسط ، لقلت لموتك شكرا على حضورك .
يا أيها الراحل ، والحامل افراحنا ، حقائبنا فارغة ، وموحشة ، واكفاننا لقتلانا من ابنائنا ، لا من اعدائنا ، وامهاتنا كبناتنا يذهبن من غير شموخ الى مأتمنا ، والخجل طويل يكسونا ، ولا سقف نستتر تحته لنقول للندم لحظة كي نعود الينا ، في محابرنا اوجاع تصرخ وقلوبنا مخازن من الألم ، ولا ضماد لجروحنا ، فما عصينا غيرنا ، ليفرح من أراد على موائد مصائبنا .
يا ايها الياسر المسافر بعيدا، لا غزة هي غزة ، ولا البحر الذي ودعك هو البحر ، ولا الضفة هي الضفة ولا الجبال علمتنا ، من بعدك كيف نشرب القهوة مع الصبح ونذهب الى الحب السامي نحونا ، ولكن رمتنا احقادنا السوداء في حفر الظلام وتركنا السيف يبتر فينا ، حتى اصبحنا اشلاء ، لا غزة تلقي التحية اليوم على الضفة ولا الضفة ترّد الحياة على أهل المأساة ، وحصارنا الذي كان وانت فينا ، جنيناً تركته وخرج من رحم عدونا ،ليحاصرنا ونحن اعداء ، وما سلكنا الى الِعناق صادقين طريقا ، بل جبنا العواصم باناقة الهياكل والمعامل فينا تصنع لنا التوابيت ، فمكة التي خذلنا ، لعنت خطواتنا اليها ، والقاهرة التي خدعنا ، رمتنا الى بغيضنا ، ولو كنت حياً فينا لقلت للموت لما تأخرت؟.
يا ايها الشهيد العنيد ، وحدتنا قبل أن نفترق في جنازتك ، ورحت فينا رمزا لغيرنا ، فما عرفنا الغرباء غير وجه واحد ، وعلى دين المحبة سائرين ، وجرحنا وطن اسمه فلسطين ، فرحت ورحنا معك الى الضوء رغم العتمة المضلة ، ووقفنا معاً فوق تلة تطل على اقصانا الأسير لنسير واقفين وقبل خطوتين ، وقفنا لنترب الصلوات في قلوبنا ، وقلنا الصبح قريب.
يا سيدي الرئيس البعيد ، عدنا من حيث لم تكن فينا ، لا الظل حول اشجارنا ، والماء تروي يابس قلوبنا ، ونارنا في بيوتنا ، تحرق احلامنا ، وتسقط ألف صورة بهية عن الجدران ، كانت معلقة لتحرضنا عشقا في الوطن ، اكلتها نارنا كما أكلت من علقها يا أبتي ، لا عتمة السجان شفعة لنكف ذئبنا عن لحومنا ، ولا سرد الشهداء يشفع ، وقع كل ما كنا نظنه لا يقع، ولو كنت فينا لقلت لموتك جئتني رحمة فشكرا لك.