صرت أحيا بالكتابة كمدمن التدخين و لاعب الديمينو و الأوراق ، الفرق بيننا عادته سيئة و عادتي أسوأ ، يضر نفسه بالنيكوتين و ضياع ماله في القمار ، أما أنا فنفسي تحيا الأرق و تعب الرأس و ارتفاع الضغط والعض على الأسنان ، ما كانت دودة العقل إلا لأنها تنخر الدماغ لا تتركه يرتاح ، ألم الرأس جروح العاطفة ووخز الإحساس و الشعور ،الكتابة ما كانت يوما في قاموس معرفتي المحدودة ترفيها ، إلا أنها كانت سعيرا أراه في مرآة المجتمع من ضعفاء و فقراء و معذبين في الأرض، لم تكن مضيعة للوقت أو بحثا عن كلمات في معجم الغرام و العشق و تأنق الكلم في المدح و النفاق ، البحث عن الكم الهائل من الأقنعة لمسايرة هذا أو ذاك ، و إرضاء لجهة دون الأخرى ، عهدي بالكتابة أن أبحث عن سلامة اللغة أطّور بها أسلوبي ليرقى لمستوى الفكرة ، حتى لو أراد الآخرون إحباط معنوياتي لأن سيري عكس رياحهم ، أعتز بذلك لأني جعلتهم يقلقون ، كان همي و عادتي القبيحة . أدراج و رفوف خزانتي القديمة تعج بأوراق صارت صفراء من تقادمها ، أكتب و أضع جانبا ، أطرح على نفسي كم من سؤال كم من مرة : لما هذه الحماقة و هذه المشقة و هذا العذاب ، لما تكتب دون أن يقرأك الآخر ؟ هل أكتب لنفسي عن الآخرين و مشاكلهم ، عن سؤال الراهن في الثقافة و السياسة ، لما اكتب في العزلة عن عزلة الأديب و المفكر و المثقف ؟ أصير غير عابث بما كتبت بمرور عملية الإخصاب بين الفكرة و القلم والورق ، صرت أحفظ كلام حنا مينه ( عن مهنة لذيذة قذرة التي لا انفكاك من أسرها إلا بالموت ) صرت أحيا بالكتابة أن أخترق كل ما هو مألوف في هذه الحياة ، أتساءل دائما بنهاية نص كتبته أو ربما هو الذي كتبني : ما جدوى اختراق المألوف و لا يقرأه أصحاب الحال الخصب لأفكاري ، يقرأه غيرهم ، أشرد بذهني ، يمتلكني حزن يلفني برداء التكاسل و الإحباط ، يقول بلغة الواقع : ما جدوى جمعيات و اتحادات و ديار نشر و جرائد تحتكر الكتابة تؤسس فلسفة الاحتكار باسم الشلة و العرقية و النفعية ، إن روح الكتابة ترفرف بحرية الكلمة الصادقة المؤثرة التي تخدم معنى واحد لا تقبل التأويل و لا الطلسم بمجرد سؤال الرقيب أو من بع الرداءة ، لم يكن غسان كنفاني رحمه الله إلا ممزقا لنصوص كتبها ليعيد كتابتها يرضى برأي القارئ كما يقول ، لم تكن الكتابة عند محمد أركون إلا رقابة ذاتية على ما يكتب ، على ما يدرس لأنه يحترم الوضع الذي يعانيه كمسلم كما يقول ، صرت أحيا بالكتابة حزينا إلا ببعض التفاؤل المتحصل عليه من إعادة قراءتي لما كتبت ، أجد في قول فيلسوف أو مفكر عزائي الوحيد ، الكتابة لا تعطي الخبز الأبيض و لا تقربك من وزير و لا سفير و لا أمير ، لا تذر عليك لؤلؤا ، لا تنثر من فوقك الدراهم إن كنت تعرّي المجتمع ، تفضحه ، لن يقرئك أحد كن متيقنا من ذلك ، أيقرؤون عيوبهم ؟ ستدوس أقدام متسخة عملا فكرت يوما في نشره في صحيفة أو راودك حلم بطباعته بإعانة جهة من الجهات ، صرت أحيا بالكتابة و أنا لا أنتمي لليمين و لا لليسار حتى الوسط أرفضه، به لغة النفاق و الإرجاء ، الساحات
و الجمعيات و المنابر الثقافية لا يهتم المجتمع بها لأنها لا تهتم به ، نطاقها محدود و روتيني على رأي عبد الغفار مكاوي . أين موقع الكتابة الهادف في ضوء الإعلام المتدهور المنتج للتسلية و الاستهلاك ؟ لقد أثبت الفلاسفة الوجوديون من أمثال ياسبرز و كيركارد وجابريل مارسال أن الكشف عن الحركة التي تظل مقترنة بالفشل و الإخفاق عن طريقهما ندرك الأمور . أدركت من خلال فشل الجمعيات و القائمين على الثقافة في إغاثة الكاتب ، إخفاق المنابر الأدبية في لم شمل كتابها و مبدعيها ، أدركت كيف تسير الأمور في هرم و كواليس بارونات الكتبة لا الكتاب على حد تعبير الروائي رشيد بوجدرة ، صرت أحيا بالكتابة بكتابة لا تحمل في طياتها غير كتاباتي ، لا تخرج عن هذا الحيّز الوجودي إلا بوجوده كما عند ديكارت ،، أأستطيع التوقف عن الكتابة ؟ أأترك الهاجس و المرض المعنوي ؟أأستطيع لبس جبة النفاق الإبداعي ، أدّعي في العلن قداسة الأولياء و الصالحين ، أطرق باب ملوك الثقافة من محتكري الطبع و المنابر و الملتقيات ، جواز المرور لأي نص إبداعي هو الجودة خصوبة الأفكار و الرؤى المتوفرة داخل النص ، أضف لها بنيوية اللغة وسحر الشعرية .أما تعني الكتابة الحقة هذا ؟ صار المدح و الإهداء موضة العصر و سمة الكتاب،، ماركة عندنا ، أنتجها المحدثون ، من علامات قرب الساعة -الله يغفر لي - إدناء الرداءة و إبعاد الجودة والروائع ، لا أدري إن كنت أهذي فيما أكتب أم أقول خبث اللاشعور، ربما صرت بما أكتب في عزلة عن الأفراد و حقيقتهم في هذه العزلة التي هي من ضروريات الوجود على رأي مالرو ، أو صرت بالعزلة التي لا تعني إلا الغياب المؤقت للآخر عند يدجر ، أم أن دلالة سيطرة الدهماء على الحياة و على المعايير هو تعبير وجود الكتلة الذي يراه كارل يسبيرز خطر بدرجة شديدة في كتابه (الإنسان و العصر الحديث ) ، صرت أحيا بالكتابة على الهامش كما يحيا آخرون مثلي ، أصبحت أكثر الناس إيمانا بجدوى الكتابة في زمن يسير فيه المقلوب مرفوع الهامة شامخ الرأس ، هل تحولت الكتابة من شيء موجود حقيقة في الواقع إلى وجود زائف؟ صرت أحيا بالكتابة أعبّر عن محنة الآخر . انحلال في الأخلاق و تفشي منطق الهدايا
و التشكرات ، رفع القبعة للقائد المنهزم بحربه في الجفاف الفكري والأدبي . كثر الكلام عن القديم
و الحديث الأصالة و الحداثة ، هؤلاء الكتاب و المثقفون يتحملون قسطا من الاستبداد ، كرسوا الجدل الثقافي حصروه في قطيعة الأحفاد للأجداد ، المعارك التي يخوضونها لتنصيب هذا أو ذاك على هيئة معينة أو جمعية أضحت أشبه بمعارك الدونكشوت مع طواحين الهواء ، ما معنى أن تصير بعض الأقلام إعلانات إشهارية و لافتات لهذا أو ذاك ؟ الوقت الآتي يجدنا كما نحن لا نتحرك إلا في خريطة مرسومة و خطة مدروسة بعناية فائقة أشبه ما تكون بإستراتيجية لعبة الشطرنج على طاولة تحركها أيدي بارونات المافيا المالية و السياسوية ، هل يصبح الكاتب إنسان كأي إنسان آخر في هذه الحالة ؟ هل كتاباته متجلية فيما يقدمه من أعمال وخدمات ؟ هل أعماله و خدماته تعكس نفسها في الكتابة ؟ صرت أحيا بالكتابة و في ذهني جملة سارتر ، أتذكرها كلما طال كبتي و حان التعبير عنه (لكل كاتب موقف محدد في عصره ، ولكل كلمة من كلماته صدى) هل اعتقاد سارتر أن الموقف لا بد أن يتغير بالعمل
و الكلمة و الكتابة ؟ إنه تأثر بالكاتب ريتشارد واريت (فهو لا يكتب لنفسه و لا للسود فقط ، بل يكتب لمجتمع ممزق) صرت أحيا بالكتابة منعزلا و معزولا ، متتبعا صراعات التفسيرات الإيديولوجية
و التوجيهات السياسوية و الأوامر الفوقية ، أحيانا يرّق قلبي لأصحاب المواقف المدافعين عن جدوى الكتابة المحاصرين بلافتات الكتبة ، صرت أحيا بالكتابة بمتناقضات عدة . محاولة الفهم لها يبقيني قارئا لأشعار مصطفى محمد الغماري و روايات مرزاق بقطاش و الطاهر وطار و احميدة العياشي و كتابات صديقي سفيان زدادقة علني أجد دفعا آخر لأحيا أكثر .