في بيته الهادئ في مدينة نابلس ، المحاط بحديقة تحوي اصنافا عدة من الزهر والشجر ، وكأنها تجسد ذلك التواصل الفطري بين الطبيعة والجمال من جهة والنفس الشاعرة من جهة أخرى ، ومع مذاق القهوة العربية كان هذا اللقاء الممتع مع الأستاذ لطفي زغلول الشاعر والكاتب واللغوي والفنان لطفي زغلول ، والذي احتفل بصدور ديوانه الحادي والعشرون قبل فترة وجيزة.
1-بداية نشكرك على إتاحة الفرصة للتعرف على الأستاذ لطفي زغلول اللغوي والشاعر والرسام ..عن قرب
وبداية: هلا حدثتنا عن لطفي زغلول الإنسان؟
لطفي زغلول: -على الصعيد الإنساني أو الإجتماعي ، انا مواطن فلسطيني، من مدينة نابلس عام 1938 ، ومن سكانها .
متزوج ولي ثلاثة ابناء : المهندس الإلكتروني عبداللطيف ، والمهندس المعماري أيمن ، وابنتي خريجة الأدب الإنجليزي شادِن.
زوجتي سلمى فنانة ، وقد عملت سابقا في سلك التربية والتعليم. ولي ثلاثة أحفاد.
-لقد سبق لي أن عملتُ مدرسا حكوميا ، وكذلك نائبا لعميد كلية نابلس الجامعية ، ومحاضرا في جامعة النجاح الوطنية ، في كلية الآداب ، قسم اللغة العربية .
كما وعملت مستشارا لغويا وثقافيا في عدة مؤسسات أهلية.
حاليا أكرس كل جهودي للتأليف في مجالي الشعر والمقالة السياسية والأدبوية والتربوية
2-معروف عنكم إنتمائكم لمدرسة الأصالة في الشعر..وعليه : كيف تقيمون مستقبل الشعر العربي بعد بروز مدرسة الشعر الحداثي ؟
لطفي زغلول :لقد كتبت العديد من المقالات عن الشعر العربي بعامة والشعر الفلسطيني بخاصة ، وقد تطرقت إلى موضوع الأصالة والحداثة.
أنا لست ضد الحداثة ولكنني أرفض أن تقتلع هذه الحداثة تقنيات الشعر العربي الذي منحته شخصيته وفرادته وتميزه ، وأقصد هنا (بحوره وأوزانه ، وقوافيه)
من حيث الشكل وبناءً عليه : فإنني لا أؤمن بما يسمى (قصيدة النثر) ، وذلك أنها من منظوري مطية سهلة الركوب لكل من هب ودب .
قصيدة الحداثة المستوردة تستخدم الشعوذة اللغوية ..تغرق في الأسطورة ، في التهويم ، وفي الطلسمة.
إنها لا تلتصق بالذاكرة ، لا تلون الأفق الإنساني بالجمال والرؤى الخضراء ز إنها بائسة مريضة لا تؤرخ، لا تضيء ، ولا تستنهض الهمم.
إن شعراءها يكتبون لأنفسهم ، وهم يفتقدون للإبداع، ، إنهم متعالون في كتاباتهم على المتلقي ، يوهمونه أنهم ياتون بجديد دون مداركه.
ومن هذا المنطلق أنا لست حداثيا .أنا أصالي ، أكتب لكي أقرأ ، لكي أفهم ، لكي أحدث تغييرا في المشاعر لدى المتلقي ، وأنا أستمد رؤياي من تاريخي ، من وطني من جرحي ، من ثقافتي ، لا أرتمي على موائد الغرب الثقافية، ولا ادعي أنني عولمي.
من مقالاتي في هذا الصدد ، وهي من كتاب لي قيد الطبع يحمل عنوان : ( قراءات في المشهد الثقافي العربي) :
- قراءة انطباعية في المشهد الشعري الفلسطيني
- -الشعر العربي..تعريب أم تغريب
- -لماذا الشعر العربي
- القصيدة العربية : من نعيم الاصالة إلى بؤس الحداثة
- قراءة إنطباعية في المشهد الحداثي العربي.
- العروبة الثقافية..حتمية أم ازمة
3-هل تجدون فرقا واضحا بين الشعر الحداثي وقصيدة النثر؟
لطفي زغلول : بالنسبة لقصيدة النثر هي شيء حديث ، إلا أنها لا تمت للحداثة بصلة.
إن الحديث عن الحداثة يطول، لكنها باختصار إضاءة لفضاء ..ألوان جديدة لمشهد ، غوص في أعماقٍ جديدة..إكتشاف لعلاقات لم تكن موجودة. وهي ليست بأي حال من الأحوال غرقا في التهويم والشعوذة والطلاسم والغموض.
4- كلغوي معروف وحاصل على جوائز دولية في هذا المضمار ..كيف تقيمون التوجه القائل بأن العربية تحتمل الإبداع والتحديث نحوا وصرفا وعروضا؟
لطفي زغلول : -اللغة العربية من اجمل لغات العالم.
أبجديتها عالم زاخر من الفن التشكيلي ، مفرداتها محيط شاسع من المساحة . ترفدها آليات النحت والإشتقاق بما يمكن أن يصل إلى نصف مليون كلمة. وهي قادرة على استيعاب العلوم الحديثة بكافة مجالاتها. الآن العيب ليس فيها ، وإنما بالقائمين عليها الذين همشوها ، وارتموا في أحضان اللغات الأجنبية، إنها عقدة الخواجا، عقدة النقص والدونية.
ومما يؤسف له أن المجامع اللغوية العربية هي المقصرة بحق اللغة العربية ، وهي التي تتوانى بالدفاع عنها امام هذا المد اللغوي الأجنبي ، والشرح يطول.
5- من المعروف أن الأستاذ لطفي زغلول انه –وكما يجيد الرسم بالكلمات- فإنه يجيد امتشاق الريشة ، فهلا حدثتنا عن لطفي زغلول الفنان؟
لطفي زغلول : -لقد رسمت حتى الآن أكثر من مائة لوحة ، إلا أنني لا أدعي أنني فنان تشكيلي.
أحس بعض الأحيان أن مفردات اللغة لا تسعفني فيما أريد أن تجيش به عواطفي ومشاعري وأحاسيسي الباطنة فألجأ إلى الألوان . أهجم عليها بأصابعي تارة ، بالريشة تارة أخرى، بسكين ، بفرشاة ، بأية اداة تلوح لي.
أسكب الألوان على الورق ، أجعل أدواتي المذكورة تسافر فيها بكل الإتجاهات، ثم أقف فجأة دون سابق إنذار لأشهد ولادة جزيرة من الألوان بينها وبين مشاعري جسور واصلة. بعض من لوحاتي التعبيرية موجودة على موقعي.
6-ما هي نصيحتك للأدباء الناشئة لا سيما وقصائدكم تدرس ضمن منهاج اللغة العربية في أكثر من دولة شقيقة، ومعروف أنكم تنتدبون من قبل وزارة التربية والتعليم للمسابقات اللغوية والأدبية؟
لطفي زغلول : إنني أنصح الأدباء الناشئين ، وبخاصة الشعراء منهم بهذه النصائح :
- أن يقرأوا ويقرأو ويقرأوا....ويقرأوا
- ان لا يتسرعوا في النشر
- أن يستشيروا من يعتقدوا انهم أكفاء وراغبون في مساعدتهم، ومد يد العونِ لهم
- أن يهتموا باللغة العربية نحوا وصرفا وتعبيرا.
- أن ينوعوا كتاباتهم (موضوعاتهم).
- أن لا ينخدعوا بموجة ما سمى قصيدة النثر.
- أن يكتبوا لقي يُقرأوا ، ولكي يُفهموا، لا لمجرد أن يقال أنهم يكتبون
أجل..لقد كلفت أكثر من مرة من قبل وزارة التربية والتعليم للإشراف على مسابقات الشعراء الناشئين وتوجيههم.
وما زلت حنى الآن أتلقى من المبدعات والمبدعين الناشئين أعمالهم بغية دراستها وتقييمها وتقويمها، وإبداء الرأي والمشورة والنصح.
وهذا عمل أعتبره إنسانيا، وهو واجب قبل كل اعتبار ، وهو حق للأجيال الراهنة على المخضرمة ذات التجربة والخبرة.
7--هلا حدثتنا عن لطفي زغلول الكاتب ، وماذا أضافت لك الكتابة النثرية، وماذا أخذت منك؟
لطفي زغلول :-هناك شعراء لديهم المقدرة والموهبة والمدخر الثقافي فاتجهوا صوب الكتابة النثرية إلى جانب نظم الشعر
بالنسبة لي فقد بدأت بالكتابة عام 1994 كتابة المقالة في جريدة القدس الفلسطينية ز وانا أحرر زاوية أسبوعية تحت عنوان (همسة) أتناول فيها موضوعات سياسية وأدبية وتربوية وثقافية عامة.وقد احتفلت مؤخرا بالمقالة ال 600. ولي في هذا الصدد كتب عدة منها:
1-فلسطين..حق وراءه مطالب
2-إنتماء...مقالات في الأدب والثقافة
3-عرب بلا عروبة....مخطوطة
4- أمريكا والعرب
5-اسرائيل ..والفلسطينيون
6-هموم فلسطينية
المحصلة : ما لا أقوله شعرا اقوله نثرا
لقد فقد الشعر هذه الأيام مساحة مرموقة من مكانته
8-هلا حدثتنا عن دور المرحوم والدكم الشاعر الراحل (عبداللطيف زغلول)
-لطفي زغلول:كان والدي شاعرا ولغويا وأديبا وقد ارتبيت في كنفه ، وله فضل كبير على تجربتي الشعرية ومسيرتي.
لقد دأب منذ أول قصيدة لي على تقييمي وتقويمي وتوجيهي وتعزيزي.
لقد كان مدرستي الأولى في الشعر واللغة العربية.
رحل والدي ، وترك تراثا كبيرا ضاع جزء منه جراء الإحتلال.
وفاءً له ولذكراه ، قمت بجمع بعضا من قصائده وأصدرتها تحت عنوان (نفح الذكرى)
ديوان(نفح الذكرى ) وما كتبته عن والدي ، وما كتب عنه -وفي هذا الصدد أشكرك د.عبدالرحمن على ما كتبته عنه- مدرج في موقع ضمن موقعي.
ماذا عن لطفي زغلول الشاعر وعلاقته مع النقد والنقاد؟
لطفي زغلول :بداية ليس هناك مدرسة نقد عربية حقيقية ، وبناء عليه ليس هناك نقاد حقيقيون في الساحة الأدبية والعربية
هناك خليط غير موفق من مدارس نقد غربية ، وهذا ينطبق على فلسطين.
وبرغم ذلك ، فقد حظيت باهتمام واسع لدى شرائح من كتاب وأدباء وأكاديميين فلسطينيين وعرب ، تناولوا أعمالي الشعرية بقراءاتهم التحليلية ، وبرسائلهم الجامعية ، أو شهاداتهم الأدبية.
وهنا أنوه إلى كتاب (لطفي زغلول.. شاعر الحب والوطن)ثمة ما ينوب عن ستين كاتبا وأديبا وأكاديميا تناولوا أعمالي الشعرية. وهو كم لم يتح لأحدٍ من قبلي ، إلا ما ندر.إنني أعتز بما كتبوا وأقدر مجهوداتهم. وانوه هنا إلى أنني لم أسعَ إلى احدٍ منهم ليكتب عني ، ولم أطلب ، وفي كثير من الأحيان فوجئت بما كتبوا، وفي أحيان أخرى كتبوا ولم يبلغوني مما كتبوا، واضطررت للبحثِ عنه بعدما أبلغني بعض الأصدقاء عنه.
والسؤال الذي يمكن أن سسأل: هل أنصفوني؟
في الحقيقة لم يظلموني ، ولم يتهموني ، ولم يحاولوا أن يقولوا ما لا يرضيني ، وأشعر أن هناك بعض الإنصاف لي . إذا كان هناك من نقص ، فقد يكون أن هناك جوانب لم يتطرقوا إليها. وقد يحصل هذا مستقبلا.
9- سؤالنا الأخير، ونرجو أن لا نكون قد اثقلنا عليك : كيف تشعر وأنت ترى قصائدك تُدَرَّس في عدد من المناهج المدرسية المعتمدة
لطفي زغلول: أجل لقد درست لي قصائد عدة ، وما زالت تدرس في مناهج اللغة العربية المقررة في كل من الأردن وسوريا وفلسطين ، وهذا أعظم تقدير لي ، كون ابناء وطني يدرسون قصائدي واناشيدي ، وكوني أساهم في وضع لبنة تربوية في بنيتهم الثقافية والإنتمائية ، إنه شرف ما بعده شرف ، وتكريم وتقدير ما بعدهما تقدير ولا تكريم.