لم اتعودجلوس المقاهي ولا أحب ارتيادها، واشعر بأن الجالسين بها هاربون من مواجهة أزمات الحياة والانشغال عنها بألعاب أو بأحاديث، غالبا ماتكون مكررة ومع نفس الأشخاص.
ترددت في الآونة الأخيرة للقاء بعض الأصدقاء إلى إحدى مقاهي دمشق، التي ذاع صيتها منذ عقود، والتي كانت هي وجارتها ( الهافانا)مكانا للقاء السياسيين السوريين وغيرهم بعد الاستقلال.
في زياراتي المعدودة لمقهى الكمال الواقع وسط دمشق فوجئت أن 80% من روادها هم من الأشقاء العراقيين ،الذين تربطني ببعض منهم صداقات قديمة تعود إلى أيامي الطويلة التي قضيتها في بغداد، ومع هؤلاء شاهدت رجالا ذاع صيتهم في مرحلة ماقبل الاحتلال، وكنا نشاهدهم عبر شاشات التلفزة ،منهم قادة عسكريون كبار في الجيش العراقي السابق، ومنهم العلماء والمفكرين والأدباء والشعراء والأطباء والمهندسين، الذين صرفت عليهم الدولة العراقية السابقة ملايين الدولارات لكي يكونوا في هذا المستوى، والذين أسدوا خدمات جليلة للعراق وساهموا في حمايته وبناءه وتطويره وتقدمه كل حسب اختصاصه.
أحزنني هذا المشهد ،وساءني أن أرى هذه النخبة من الأخوة يقضون أوقاتهم في هذا المقهى، مالئين الفراغ الذي يعيشونه في غربتهم خارج العراق، وتساءلت ألايمكن لبلداننا العربية أن تستفيد من خبراتهم؟.
السنا بحاجة إلى خبراتهم وهم المشهود لهم والمجربون في ميدان عملهم قبل الاحتلال؟، ألسنا بحاجة إلى خبراء في مجالات اختصاصهم، وبعض بلداننا العربية تصرف ملايين الدولارات للتعاقد مع خبراء أجانب قد يقلون خبرة وتجربة عن هؤلاء .
دون أدنى شك أننا بحاجة إلى أمثالهم، فنحن دول نامية بحاجة إلى أي شخص نستفيد منه لتنمية وتطوير بنيتنا العلمية، وهم بحاجة أيضا إلى عمل يملأ ون به فراغهم ويكسبون به رزق أطفالهم، بعد أن أجبرهم الاحتلال على مغادرة العراق مكرهين.
فلماذا لانستفيد من خبراتهم لصالح بلداننا؟.
سؤال سألته لنفسي وارد فته بسؤال أخر، أهي القطرية التي تمنع توظيف المواطن الذي ينتمي إلى قطر عربي أخر، مع أن بعض بلداننا تحمل لواء القومية العربية ؟، أم هو الخوف من الاحتلال الذي قد يهز عصاه بوجه بعض السلطات في بعض أقطارنا العربية إذا فتحت المجال إلى أمثال هؤلاء، واستفادت من خبراتهم.
أسئلة لم أجد جوابا لها ، ولم املك سوى أن ألعن زماننا الرديء الذي يجعل هؤلاء ضمن عداد العاطلين عن العمل، في وقت تستطيع اصغر دولة عربية أن تستفيد من هذه النخبة وتوظفها، لرفد طاقاتها العلمية والثقافية والعسكرية.
وبهذه المناسبة أدعو كل الحريصين على وطنهم في دول جوار العراق العربية وباقي أقطار الأمة، وحيث تتواجد هذه النخب ،أن يلتفتوا إلى هذه الحالة، و يستوعبوا هذه الطاقات العربية الضائعة، فهم بذلك يساهمون في حفظ كرامة هؤلاء، ويساهمون في تطور وتقدم دولهم .
E-MAIL;baghdadsana@yahoo.com