كنت منذ ثلاثة أيام قد كتبت مقالاً بعنوان "عملية الرضوان والبشارة الرابعة لانهيار إسرائيل"، بينّا فيها أن هذه العملية وتنفيذها هي البشارة الرابعة التي ستؤدي حتماً إلى بداية التراجع الدراماتيكي في حياة الكيان الإسرائيلي، ومن ثمَّ انهياره بسرعة لا يستطيع أحد أن يتخيلها. وبالتالي فإن عملية الرضوان الأخيرة والتي أدّت إلى إطلاق سراح كامل الأسرى اللبنانيين واسترداد مائتين من رفات المناضلين العرب والمسلمين على اختلاف جنسياتهم ومشاربهم والذين قضوا نحبهم خلال مقاومتهم للاحتلال الإسرائيلي منذ مطلع سبعينات القرن الفائت، لها من المدلولات التي لا يمكن المرور عليها مرور الكرام. وبالإمكان استنتاج عدد من هذه المدلولات والتداعيات منها:
1- أن المقاومة العربية بشكلٍ عام باتت من القوة والشكيمة بحيث أضحت تشكل نبراساً ومعيناً يُحتذى به في عملية التحرير المتوقع حدوثها في مستقبل الأيام غير البعيدة. بعدما فشل العرب في الركون على الجيوش المنظمة، والتي باتت مريضة عاجزة عن فعل أي شيء لاسترداد الحقوق.
2- أن المقاومة الإسلامية على وجه الخصوص في كلٍ من لبنان وفلسطين والعراق هي التي أصبحت رأس الحربة في زعامة هذه المقاومة. وهذا له مدلول غاية في الأهمية، يكمن في إنه لن يعود بإمكان الأنظمة العربية والقوى الخارجية تحييد أو القضاء على النفوذ الديني في المنطقة، الأمر الذي كانت تخشاه منذ فترة طويلة.
3- أن التنظيمات التي بحوزتها الجندي الأسير شاليط ستعمل على تحسين شروط التفاوض بخصوص هذا الملف، بعدما رأت بأم أعينها نتائج عملية الرضوان. واليوم تناقلت وسائل الإعلام خبراً مفاده أن هذه التنظيمات قد علقت مفاوضاتها بشأن هذا الملف، تمهيداً على ما يبدو للتفاوض بشأنه من جديد. وما قيل عن نقل الملف من الوسيط المصري إلى وسيطٍ ألماني.
4- أن حزب الله اللبناني أصبح بلا مواربة وبشكلٍ ملموس ومحسوس هو زعيم هذه المقاومة، وأن الآخرين يسيرون على هديه، ويقتبسون إلهاماته، وينهلون من فنونه العسكرية.
5- أن سماحة الشيخ حسن نصر الله بات وبدون أدنى شك عند الجمهور الأعظم في العالمين العربي والإسلامي، لا سيد المقاومة وملهمها ومفجرها فحسب، بل زعيماً ورائداً لهذين العالمين، بصرف النظر عن المواقف المذهبية التي لا تعنينا. وفي هذا السياق وعلى الرغم من إنني تلقيت بعض الردود على مقالتي السابقة تتهمني بالدعوة لنشر التشيع، فإن هذا الأمر بعيد عن خاطري ومبادئي التي أعتنقها، بأنني ضد المذهبية بشتى صورها، وإنني لا أُومن إلاَّ بالإسلام ديناً. أما إذا كان حسن نصر الله الشيعي هو من يمنحني ويمنح غيري العزة والكبرياء فما الضير في زعامته للأمة العربية المنكوبة والمجروحة في كبريائها، ما دام لا يوجد في العالم العربي من يسد محله.
6- أن سماحة الشيخ حسن نصر الله لم يعد ملهماً لحركات التحرر في العالمين العربي والإسلامي، بل وسوف يصبح منارةً لحركات التحرر في العالم تقتدي به، ونبراساً يقودها إلى طريق الانعتاق من العبودية الإمبريالية، والسير باتجاه الحرية، كما كان من قبله الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
7- أن لبنان الصغير في مساحته وعدد سكانه سيكون من حقه تولي مقاليد زعامة العالم العربي بالفعل لا بالقول كما يفعل آخرين.
8- أن لبنان لن تعود قوته في ضعفه كما كان يقال، بل ستكون قوته فيما يتحمله وما يوضع على كاهله في مقارعة العدو.
9- أن حزب الله الذي حمى لبنان من حربٍ أهلية في الآونة الأخيرة بمباركة من العماد ميشيل عون المسيحي، سيبقى هو عنوان المرحلة لكل لبناني يتوق للحرية واستنشاق عبق العزة والكرامة، ويمقت الصراع الحزبي والطائفي في هذا البلد الوديع.
10- إن حزب الله شاء أم أبى سيكون النبراس الحي الذي سيؤدي إلى وجود نوع من الغيرة في العالم العربي، الذي أضناه اللهث وراء سُبل المهانة وعدم الآدمية، للبحث عن سبيل وحيد يؤدي إلى تفجر نوع من الثورة فيه ضد الأنظمة التي عملت بلا كلل لقتل العزة والكرامة في شعوبها، لكي تستردّ هذه الشعوب سالف عهدها الذي افتقدته منذ ردح من الزمن.
11- أن الغول والبعبع الذي كانت تخشاه الأنظمة والشعوب العربية، لم تعد أنيابه مسنونة وقوية كما كانت بالأمس، بل دبّ السوس فيها وبدأ ينخرها، مما يعني أنه سيكون بمقدور الإنسان العربي البسيط فيما بعد لكمه بالضربة القاضية، وبالتالي انعتاقه، لتبدأ بعدها عملية التحرير الشاملة التي ستؤدي لاسترداد فلسطين كاملة غير منقوصة.
12- إن عملية الرضوان سيكون من أهم تداعياتها، قبر مؤامرات التطبيع بشتى مسمياتها، ووأد جميع مبشريها وأساطينهم.
13- أن المغامرات التي تجري الآن تحت مسمى التفاوض لجلب الحقوق العادلة، لن يكون مصيرها بأحسن من مصير مبشري التطبيع، لأن القاعدة التاريخية تقضي بأن لا تفاوض على القيم والثوابت، وأن 78% من أرض فلسطين والتي اُحتلت في عام 1948م هي جزء لا يتجزأ من هذه الحقوق. وأن ترك فلسطين محتلة لألف عام مقبل خير لنا وأشرف من التنازل بصورة رسمية عن جزء منها.
14- وأخيراً، وهو ما أجزم به ويعنينا كفلسطينيين أن عملية الرضوان سوف تؤدي لاحقاً إلى عملية غربلة واسعة داخل صفوف التنظيمات والفصائل الفلسطينية، فثمة فصائل منها ستغيب عن الخريطة الفلسطينية لتبكي على الأطلال بعدما تجاوزتها الأحداث ولم تعد مؤثرة في تلك الخريطة، وهي من الكثرة بحيث لا نستطيع ذكرها. وثمة فصائل سوف تندمج في فصائل وتنظيمات أخرى في محاولةٍ للم شعثها، لكنها لن تكون من الكثرة بمكان.
وختاماً، أرجو ممن لهم بصيرة سياسية وإدراك بشأن منطقتنا أن يعووا تماماً ما ذكرناه آنفاً، فالمتغيرات في هذه المنطقة تسير بوتيرة متسارعة، وإن لم يدركوا هذه المتغيرات بوعيٍ وإدراك تامين، فسوف تتجاوزهم الأحداث ليصحبوا جزءاً من الماضي المؤلم. وليضع ساستنا هذه المتغيرات دوماً في بالهم، وألاَّ يضحكوا على أنفسهم قبل أن يضحكوا على رعاياهم. فأمس تناقلت وكالات الأنباء خبراً مفاده أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تفتح فرعاً لرعاية مصالحها في طهران، وأن ثمة اتصالات بين واشنطن وطهران لتلطيف الأجواء بينهما. فإن صدقت هذه الأخبار، فهذا يعني أن الطرف الأمريكي بات مقتنعاً بأهمية الدور الإيراني في المنطقة، وأن العرب باتوا يعيشون في عالم آخر غير هذا العالم، يجرون وراء السراب والأوهام.
.