ليس من السهل على الإطلاق أن تمر حكاية الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي دون أن تخلف الكثير من الوجع في نفوس الكائنات التي تتمتع بالنبض الحي و تملك أقل حس إنساني بالأدب و الفن عموما.
أن يصدر العدل المصري قرارا بإخراج أثاث الشاعر حجازي إلى المزاد العلني في قضية غريبة و عجيبة فهذا أمر فيه الكثير من الخلل و الكثير من الغرابة أيضا، فالقضاء المصري مشهود له بنزاهته و استقلاليته- على الأقل مقارنة مع قضاء خلق الله في باقي البلدان العربية - و مصر بلاد النهضة و التنوير وشلال دافق بالأسماء التي صارت علامات بارزة في قضايا الحرية و الفكر، و قد يقول قائل "إن حجازي مواطن عاد له حقوق و عليه واجبات"، إن أحمد عبد المعطي حجازي ليس مواطنا عاديا على الإطلاق، إنه أحد رموز مصر الحديثة، و بالتالي يجب أن يعامل كرمز، كرجل عاش طوال حياته – حتى في حروبه الخاسرة- يدافع عن آداب مصر وثقافتها.
المؤلم أن البلداء في برلماناتنا و حكوماتنا العربية يتمتعون ب"الحصانة" – و كم يبدو هذا الاسم جادا إلى حد القرف- و يستحيل أن يباع أثاثهم في مزاد علني أو سري، بينما يتعرض المثقفون الكبار كالعادة لمختلف أشكال المهانة و المذلة و الحط من الكرامة.
يجب أن نفهم أن الأمر يتعلق بلعبة أزلية يبدو أنها ستصير أيضا أبدية: "حكاية المثقف و السلطة"، لقد بات مؤكدا وواضحا أن الدولة تسعى دائما إلى تقزيم المثقف ووضع أنفه في التراب.
ماذا لو كان حجازي أكثر حدية و اصطداما مع النظام المصري ورفضا لمسالكه؟ ماذا لو كان حجازي مثقفا يتزعم حزبا سياسيا أو جبهة تعكر "صفو" المزاج السياسي الراكد؟ ربما لا أحد كان سيعرف مصيره.
إن الأنظمة العربية لا تفهم معنى" الثقافة" إلى درجة أن وزراء الإعلام العرب يعتقدون أن الثقافة هي التلفزيون، ووزراء الثقافة أنفسهم يعتقدون أن الثقافة هي مهرجانات الفلكلور.
الثقافة هي التي تعمق الحضارات و تغير الأنظمة، ليس السياسية بمعناها الضيق فحسب، بل الاجتماعية و الحياتية للفرد و للجماعة أيضا، إن أوربا الحديثة اليوم مدينة بشكل هائل للأدب الفرنسي و الفلسفة الألمانية و الثقافات التنويرية لجل بلدانها مثلما هي مدينة – ويا للغبن- للثقافة العربية العظيمة في عهودها السابقة.
في قلب اسبانيا يوجد تمثال الشاعر لوركا، و في قلب روسيا يوجد تمثال الشاعر الكسندر بوشكين وفي قلب ألمانيا يوجد تمثال الشاعر شيلر، و في قلب المجر يوجد تمثال الشاعر يانوش أران، و في قلب البرتغال يوجد تمثال الشاعر فرناندو بيسوا، بينما في قلب مصر يعرض أثاث الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي للبيع في المزاد العلني.