ليس من حق أي حكومة في العالم أن تنفرد في توقيع اتفاق مع دولة أخرى، إذا كان هذا الاتفاق ينطوي على مخاطر تهدد امن وسيادة وسلامة البلد، فالأمور المصيرية لأي دولة هي من حق شعبها ، فهو الذي يقرر مدى استجابة هذه الاتفاقية لمصالحه أو عدم صلاحيتها ،ومن هنا فان ماتقوم به الحكومة العراقية من مفاوضات مع قوات الاحتلال لتوقيع اتفاقية طويلة الأمد تنظم الوجود الأمريكي في العراق هو خارج صلاحيتها، رغم أن دستور العراق الذي شرعه الاحتلال ، يعطيها الحق في ممارسة عقد الاتفاقيات، ولكن ليست من النوع الذي يؤثر على مصير البلد، ويرهن مستقبل أجياله.
فالحكومة العراقية في وضعها الراهن ليست مؤهلة دستوريا لعقد هذه الاتفاقية لسببين اثنين، أولهما أنها لاتملك الإرادة الحرة لرفض أي مطلب أمريكي تراه يضر بمصالح العراق وشعبه، لسبب بسيط وهو أن الاحتلال هو من أوصل هذه الحكومة إلى حكم العراق، وهو ولي نعمتها، وهو الذي يقرر بقاءها أو رحيلها عن الحكم، فليس من المعقول أن تعصي أوامره أو حتى تعترض على طلباته، والسبب الثاني أنها حكومة فاقدة للشرعية بحكم الدستور الذين وضعه أسيادها ،فهي حكومة نصف وزاراتها شاغرة منذ أكثر من ثماني أشهر، فيما يحتم الدستور ملء الشواغر خلال فترة لاتتعدى الشهر من تاريخ شغورها، ولأنها حكومة صممت في الأصل لخدمة المحتل، فلا ترى الإدارة الأمريكية ضيرا من استمرارها بهذا الشكل، وحتى لو كانت مخالفة لكل النظم القانونية، وهنا لابد من التذكير بأن الإدارة الأمريكية ،لو دعيت لتوقيع اتفاقية مماثلة مع حكومة غير الحكومة العراقية الحالية وتمتلك نفس الوضع القانوني لها لرفضت، بحجة فقدان هذه الحكومة لأهلية التوقيع، ولكن الأمر مع حكومة العراق الحالية يختلف اختلافا جذريا، فهي وجدت لترتيب وخدمة مصالح الاحتلال، ولا يهم في نظر الإدارة الأمريكية وضعها القانوني، وما يؤكد ذلك سرية المفاوضات بين هذه الحكومة والإدارة الأمريكية ، فلو كانت الحكومة العراقية حريصة على مصلحة العراق وشعبه، لكانت وضعت محاضر المفاوضات في متناول الشعب ليطلع على مساراتها، وليحدد فيما إذا كانت هذه الاتفاقية تخدم مصالحه أم تتعارض معها، وليؤيد الحكومة في مطالبها ،ويخفف عنها من خلال التظاهر والاستنكار ضغوط الإدارة الأمريكية، إن كانت جادة في رفضها للمطالب التي تنتقص من سيادة العراق، ولكنها على مايبدو تدفع فاتورة مايسميه أقطاب الحكومة تحرير العراق، وفاتورة الوصول إلى السلطة.
أن الشعب العراقي الذي اسقط اتفاقية مماثلة مع الاحتلال الانكليزي، قادر على إسقاط هذه الاتفاقية مع الاحتلال الأمريكي لو تواطأت الحكومة العراقية مع الإدارة الأمريكية ووقعتها، وهو أمر يعرفه جيدا المسئولون العراقيون في حكومة الاحتلال الرابعة، فتاريخ الشعوب عِبَر للناس ، وهم مدعوون قبل الإقدام على مايضر بلادهم أن يقرأوا التاريخ، حتى لاتلعنهم الشعوب فهل يتعظون من مصير أسلافهم؟.
E-MAIL:baghdadsana@yahoo.com