قبل غزو امريكا للعراق في 2003 ظهر على الفضائيات المسؤولين العراقيين وهم يصرحون بإستحالة انتصار امريكا في اي حرب او غزو محتمل, وصيغت القصائد وانشد الجميع وصدحت حناجرهم بأغاني النصر المرتقب, حتى خُيل للبعض اننا قاب قوسين او ادنى من النصر, ولكن ببضعة ايام احتلت امريكا العراق بمقاومه يتيمه في ام قصر, تلتها استسلامات متتاليه تحت ضغط عجلات المدرعات الامريكيه ودباباتها بحجة عدم التكافؤ في القوه والعده والعتاد!!
ولكن ان كنا نعرف اننا لسنا اهلاً للتحدي فلماذا تحدينا وصدّعنا الرؤوس بالأناشيد الحماسيه والبيانات والخطب الرنانه والعنتريات الفارغه؟ فنحن غير قادرون على صنع طلقة مسدس ناهيك عن صنع المسدس نفسه..
فلماذا اقحمنا انفسنا في حرب خاسره بكل المقاييس؟؟
لقد حاول الملك فيصل الثاني رحمه الله تطوير العراق في كافة المجالات, فقد سافر الى العديد من بلدان العالم المتحضر كأمريكا واسبانيا وبريطانيا واحضر معه الكثير من الأفكار والخطط والبرامج التي من الممكن ان تنهض بالعراق الى مستوى متقدم, فقد اراد تطبيق احدث الطرق التكنولوجيه في الزراعه, فحين رأي الخضره وهي تكسو بعض الولايات الأمريكيه دون وجود نهر يتدفق عجب لذلك ولكنهم اخبروه انهم يستخرجون الماء من باطن الأرض, فقال حينها ان في بلدي نهرين عظيمين لو استغلا كما يجب لأصبح العراق جنة لأهله...
جنة لأهله.. لقد صدق الملك, فخيرات العراق وثرواته الهائله تكفي أن تُستغل احداها ليكون العراق جنه للعراقيين, ولكننا وبعد سقوط الملكيه ومجيئ الجمهوريه لم نسمع عن تطور زراعي بينما كان العراق في اوائل الخمسينات من الدول المصدره للحبوب, ولكن في ظل النظام الجمهوري اصبحنا من مستوردي كل الحبوب والخضار والفواكه بما فيها الطماطه والخيار... من دول الجوار!!
في اوروبا اليوم نجد المنتجات الزراعيه المستورده أنها منتجه في دول آسيويه وافريقيه لم تكن ترتقي في السابق الى عُشر ماكان العراق عليه, ولكنها اليوم دول مُصدره لجميع انواع الحبوب والمنتجات الغذائيه المعلبه, ناهيك عن الصناعه التي اخذت تزدهر في دول آسيويه عديده حيث لايجد المرء مُنتج كهربائي او الكتروني إلا ومصنوع في الصين او سنغافوره او تايلند او الفلبين او اندونيسيا او ماليزيا اودول اخرى عديده, ناهيك عن صناعة الملابس والمعدات الرياضيه وغيرها من الصناعات التي لاتحتاج الى تقنيه ولا هم يحزنون بل الى همه ومثابره واخلاص للوطن ليس إلا..
كل البضائع التي نجدها في اوروبا خاليه ومنذ زمان بعيد من بصمه عراقيه, فليس هناك من منتج عراقي واحد, حتى التمور التي اشتهر العراق بزراعتها لايمكن ان نجدها في اي دوله في العالم, بل نجد التمور السعوديه والإيرانيه والتونسيه والجزائريه الى آخره, فقد تعودنا ان نستورد كل شيئ ولا نصدر شيئ سوى النفط, بل حتى النفط نصدره خاماً بلا تنقيه ليعود الينا نقياً مع بقية مشتقاته مستورداً بأضعاف سعره...
لم تعمل الحكومات المتعاقبه بعد سقوط الملكيه على تحسين وتطوير الإنتاج الزراعي والصناعي, فقد اهتمت بالصناعه التي تدهورت هي الأخرى بسبب الاوضاع والظروف التي عاشها البلد من حروب ومؤامرات وحصار ونسيت الزراعه التي لم يعد لها وجود اصلاً, وكان المراد هو النهوض ببلد صناعي متطور, حيث الصناعه تعني التطور حسب مفهوم تلك الحكومات ولكنها اضاعتهما معاً الصناعه والزراعه, بينما نجد الدول المتقدمه كأمريكا وهي دوله صناعيه وزراعيه بنفس الوقت وكذلك روسيا وغيرها من الدول الأوربيه المتقدمه, حيث المردود المالي من الزراعه هو أمر من الأهميه مالايمكن التفريط به...
واما الجانب السياحي فلا يمكن مقارنتنا بأي دوله في العالم, ولو تحدثنا عن عالمنا المجاور القريب فكل الدول العربيه وايران وتركيا تعتمد على السياحه كدخل اقتصادي مهم للدوله, بينما مالدى هذه الدول من أماكن سياحيه ليست بمستوى التي لدى العراق, فنحن لدينا شمال العراق ومايحويه من مناظر خلابه وطقس معتدل, والاهوار في الجنوب وسحرها الرائع, بالإضافه الى الآثار الضاربه جذورها في اعماق التاريخ التي تم غلق ابوابها زمن طويل امام العالم حتى لم يعد احد يعرف ما بابل ولا آشور الا من خلال قراءة كتب التاريخ, ولم يزر احد ما مراقد ومقامات الأنبياء وأئمة اهل البيت والأولياء والصالحين في العراق ولم يسمع عنهم سوى في الحكايات, فقد كان العراق بلداً مغلقاً حتى على الذين يريدون انتاج فيلم ما عن آثار العراق وتأريخه او القيام بالبحث والتنقيب حيث نعتبرهم جواسيس, وكان المساس بتأريخ وآثار العراق من المحرمات حيث لازالت تلك الآثار عذراء لم تطأها اقدام الزائرين!!
في كل الكتب والمجلات الأجنبيه نقرأ اسم العراق وبجانبه صور يتيمه, أما لنخله قرب نهر يخترق سكونه قارب صغير لصياد فقير, او لأسد بابل او الزقوره او الملويه ليس إلا, في وقت يحوي تاريخ العراق من الكنوز الآثاريه مالا يعد ولا يحصى, بينما حين نقرأ عن مصر او تونس او تركيا مثلاً فسنجد آلاف الصور والتقارير التي تشرح الكثير وتغري السائح في القدوم, وكذلك في الكثير من الدول العربيه والآسيويه كتايلند والفلبين وماليزيا وغيرها, واليوم حين نقرأ عن العراق في الإنترنت مثلاً او في اي مقال او تقرير او تحقيق, فلا نجد سوى صوره كئيبه لعراق ممزق محطم تثقل كاهله الديون, فتكت وتفتك به الحروب, والصور المعروضه ليست سوى لأطفال تقريباً عراة حفاة يقفون قرب احد المزابل وخلفهم بيوت من طين وعربه نقل قديمه مفككة الاجزاء يجرها حمار, وإمرأه تلتحف بالسواد تحمل قربة ماء تبدو ثقيله على رأسها...
هذه هي صورة العراق اليوم, فلم يفعل السابقون ولا اللاحقون رغم مايحتويه من ثروات وخيرات شيئاً لأجله, شيئاً يرفعه الى مقام يحترمه الجميع, ونحن جميعاً كذلك لم نفعل شيئاً له, لا بل قد ساهم بعضنا في اضعافه وتمزيقه, وهذه مثلبه من مثالب عديده تُحسب علينا في وقت لا يحسب لنا مع الأسف منقبه واحده, وتركنا العراق وحيداً بتأريخه وحضارته وجماله وانشغلنا بالقتل والقتال والفتن والحروب وحياكة المؤامرات وتخوين بعضنا البعض, فليست الدول الاخرى افضل منا, وليست خيراتها اكثر من خيراتنا وليس ظروفها باحسن من ظروفنا وليس تأريخها أعرق من تأريخنا, ولكننا ربما كعراقيين لنا خصوصيه مميزه حيث نحمل منذ زمن في انفسنا ماركه مميزه هي... صنع في العراق...
26 حزيران 2008
just_iraq@hotmail.com