قبل يومين ،وفيما أنا منكب على ترتيب بعض الأوراق في عيادتي الخاصة، فوجئت برجل يدخل ملقيا التحية علي 00السلام عليك صديقي العزيز 000رفعت رأسي لأتأمل تفاصيل وجه هذا الرجل الذي بدا لي أنني اعرفه 000هل هو 00هل هو صديقي الموسيقي المرموق؟ 00لكن شكله وهيئته متغيرة جدا ، فوجهه شاحب 00وعلى رأسه تبدو قبعة صوفية سوداء تغطي شعره الحليق ، وجسده يبدو نحيفا هزيلا لا حياة فيه مقارنة بمعرفة له عندما كان دائم الضحكة 000بشوش الوجه 000محمر الخدين 0
السلام عليك يادكتور 000هل فوجئت بمظهري 000نعم ياصديقي العزيز 000انا هو صديقك الموسيقي 00انه المرض الذي يبتلع بنهم حتى أنفاس الروح0000سنة كاملة وأنا أتردد على المشفى المختص بالمعالجة الإشعاعية للمرض العضال 0000لقد أصابني المرض اللعين بالفعل وأنا أتعالج الآن على أمل النجاة 0000آه يا صديقي كم هي مهزلة هذه الحياة 000لقد سقطت كل الأحلام والأماني في لحظة واحدة 000وسقطت معها كل الورود المقبلة على التفتح 0000سقطت الحان الأمل فوق سلالم الوجع والتنهد والحسرة 000فوق سلالم المعاناة وفي أزقة المشفى المليء بفقراء زادهم المرض بؤسا وقتامة 000ليتك يا صديقي كنت معي هنا ك لترى بعينيك حجم المأساة وأعداد المصابين بالمرض العضال الذين يتوسلون للحصول على جرعة دواء تبعد عنهم لساعات صراخ الألم والحرقة 000هذه الجرعة التي يبلغ ثمنها آلاف الليرات بينما جيوبهم تعاني الهزال مثل أجسادهم المريضة 000نعم يا صديقي انه الواقع المر 000واقع تصرف فيه المليارات في عالمنا العربي على الفضائيات الغنائية والبرامج الترفيهية كسوبر ستار وستار اكاديمي وتصوير الكليبات الخلاعية ومسابقات الجَمال والجِمال و الرقص الشرقي والغربي ،إضافة إلى هدر المليارات على التسلح وبناء القواعد العسكرية وتنفيذ العمليات المسلحة والقتل والفساد فيما لا يصرف قرش واحد على بناء المستشفيات التخصصية الحديثة والمراكز الصحية ومراكز البحوث العلمية فيما الضمان الصحي غائب في معظم الدول العربية التي يرزح أبناؤها تحت وطأة الضرائب والبطالة والفقر 000هل يعقل أن لا تقم الدول العربية وخاصة الغنية منها بتخصيص ولو عشرة بالمائة من ميزانيتها على إجراء الأبحاث العلمية والطبية وتوفير الأدوية وبرامج الرعاية الصحية والاجتماعية لمواطنيها كما هو متبع في معظم الدول المتقدمة التي أخذت تقدم برامج الترفيه والمتعة لشعوبها بعدما وفرت لهم كل مقومات الحياة الكريمة كالتعليم والصحة والسكن الصحي والعمل الجيد والمثمر0000
الواقع العربي مختلف تماما عن هذه الصورة فنسبة الأمية تبلغ حوالي 30بالمئة من السكان ومعظم هؤلاء يفتقرون الشروط الصحية للحياة ، لذا فمن الواجب البدء بتوفير أسس الحياة الكريمة لهم، ولن يتحقق ذلك بالطبع دون وجود مشاركة شعبية فعالة في صنع القرار السياسي والاقتصادي ودون وجود توزيع عادل للثروات في البلاد العربية وفي ظل غياب واضح للقضاء العادل والمستقل 00حيث إن العلاقة بين الجانب الحاكم والجانب المحكوم هي من أسس الحياة الرئيسية وكلما كانت هذه العلاقة متوازنة وعادلة كلما زادت البلاد تقدما وازدهارا وعدلا 0
ينبغي على المسؤولين العرب وصناع القرار والمفكرون والمتنورون أن يباشروا بصياغة مشروع عربي مستقبلي يستند إلى مطامح الشعوب وغاياتها في الأمان و الشبع الاقتصادي وبناء فكر سليم ومدرك لما يجري في هذا العالم 000وليتذكر أثرياء العرب انه ومهما طال أمد استفادتهم من ذاك المال الغير معروف مصدره فانه لن يوفر لهم الأمان والصحة لان المرض لا يفرق غالبا بين غني وفقير000عبد وملك 000كبير وصغير وهذا بيل غيتس صاحب ماكرو سوفت وصاحب المليارات 00اغنى رجل في العالم عرف أخيرا إن مساعدة الفقراء ومساندة القضايا الاجتماعية للشعوب هو افضل وأنبل وأغلى قيمة من كل المال الذي يملكه والذي اخذ يصرفه في الأعمال الخيرية في بلدان العالم الفقيرة التي شاءت الأقدار أن يبقوا أسرى ألاعيب المحتكرين والمستغلين العالميين 00
هل يتعلم أثرياؤنا أو البعض منهم من بيل غيتس ويخصصون شيئا من أموالهم لتوفير برامج اكثر رقيا واكثر التصاقا ودعما للجموع الفقيرة والغفيرة ، وهل يعودون إلى قيم دينهم الذي يحثهم على فعل الخير دوما 000نرجو ذلك ويرجو ذلك صديقي المريض الذي يأمل الشفاء من الفكر الأناني الفردي الجشع المسيطر هذه الأيام قبل الشفاء من علته ومرضه العضال 000ابعده الله عنكم وعنا00000000000000000
.