الرئيسية صحافة تعارف زواج المنتدى البرامج مدونات المرأة الاغاني الدليل العاب
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله

كتاب شبكة لطيف

حمل صورك مجانا

بحث  

* مجلة الغربال الالكترونية

* منتدى النخبة الثقافي

* منتدى البرامج

* منتدى المرأة

منتدى شبيبة فلسطين

* ابعث مادة للنشر


الاخبار

الساحة الفلسطينية

الساحة اللبنانية

الساحة العراقية

الصحافة الاسرائيلية

ادب وثقافة

قضايا واراء

منوعات

بحوث ودراسات

حوارات / لقاءات

الاخبار الفنية

عالم الكتاب

فهرس الموضوعات

mo tu we th fr sa su
12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930

اضف بريدك الالكتروني ليصلك الجديد


التصويت:

ما رايك بالموقع


email ارسل لصديقك | print اطبع | comment اضف تعليق (0 تم ارسالها)

الفكر الاسلامى مابين العلم والفلسفة

بقلم خالد عزيز الجاف - برلين on مايو 06,2008

image

 ( الجزء الاول )

إن الاسلام هو دين الفطرة . فطرة الله التي فطر الناس عليها. فالفطرة أولا مضافة إلى الله فاطرها سبحانه , ثم هي الفطرة التي فطر الناس عليها. انها تتعلق بفطرة الإنسان نفسه فسنن الله التي خلق عليها الإنسان سواء تعلقت بالبدن او النفس وبالعقل او القلب. لقد خلق الله الإنسان مفطورا بطبعه على معرفة ربه وتوحيده والتزام طاعته وعبادته وحده لاشريك له فلا يتلقى إلا منه ولا يتوجه إلا اليه. وهكذا لم يترك الله الانسان فى هذه الحياة لانفسهم , بل احاطهم منذ بداية الخلق بمنهاج الفطرة الاولى . وبعث الله النبيين والمرسلين مبشرين ومنذرين , وجعل الرسالات مع رصيد العقل والمعرفة والعلم والفطرة . ولما فسدت فطرة اكثر الناس واظلمت بصيرتهم وضلت عقولهم واختلفوا بعد ان كانوا على هدى جميعا حتى عبدوا الاصنام , فبعث الله الانبياء لتقويم هذا الاعوجاج , وارجاع البشر الى صراط الله المستقيم )الفطرة الأولى ) . ولعل اول من سمى الاسلام دين الفطرة هو المرحوم الشيخ عبد العزيز جاويش فى عنوان رسالة له الى مؤتمر المستشرقين عام 1904 كما جاء ذلك فى كتاب  ( بين الدين والعلم  ) للدكتور محمد احمد الفمراوى . لقد ميز الله الانسان بالعقل والعلم والمعرفة وجعله فطرته الاولى . وقد ارتبط الاسلام والقران الكريم بالعلم والمعرفة , وابتعد عن الفلسفة التى لافائدة منها . وقد امتزج العلم والقران امتزاجا قويا لم يكن ليظهر له من اثر فى الاديان الاخرى . والعلم الذى نعنيه هنا اولا العلوم الكونية والطبيعية . اما الثانى فهو العلم بفروع الدين واصوله وتشريعه , وللصحابة منه الاحاطة التامة والرسوخ فى العلم , وهم العلماء حقا الذين فهموا الدين , ووضعوا نواة العلوم الشرعية لمن بعدهم من المسلمين وهؤلاء العلماء المسلمين الاوائل هم الذين قاموا بالحركة العلمية الشرعية فى جميع صنوفها , وهم الذين تولوا نشرها فى الافاق . اما ترغيب القران فى العلم وحثه عليه فحسبنا فيه هذا التقديس للعلماء وجعلهم اولى الناس برضاء الله واحقهم بخشيته حين قال  ( انما يخشى الله من عباده العلماء )  لان هؤلاء العلماء فهموا اسرار الخلق واستجلوا عظمتة الكون فأذعنوا لخالقه خاشعين لجلاله. وقوله تعالى فى رفعة العلماء  ( يرفع الله الذين امنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات )

 قال المستشرق النمساوى الدكتور ارنست بانيرت  ( التأثير الدينى فى الغرب يتعرض لهزات عنيفة كلما حقق العلم انتصاراته . اما الانسان المسلم فأنه يظل على ايمانه المؤكد برغم اطلاعه الدائب والمثابر على العلوم الحديثة ) اما الكاتب المشهور سومرت موم فقد قال  ( ان اوروبا قد نبذت اليوم نفسها وامنت باله جديد هو العلم , ولكن العلم كائن متقلب , فهو يثبت اليوم مانفاه بالامس , وهو ينفى غدا مايثبته اليوم , لذلك تجد عباده فى قلق دائم لايسيقرون )  وهناك بعض المستشرقين الغربين حاولوا الطعن بالاسلام والاستهزاء بالدين والادعاء بان الاسلام ليس له موقف ثابت بالعلم والفلسفة فهذا المستشرق ارنست رنان قال فى كتابه الاسلام والعلم )ان الاسلام قد حارب العلم والفاسفة انه انكر حقيقة الاسلام وارتباطه بالعلم ارتباطا وثيقا لعله اعتبر كلامه هذا ان الاسلام شبيها بالمسيحية التى حاربت العلم والعلماء فى القرون الوسطى . كان التفكير فى العلم فى اوروبا المسيحية فى القرون الوسطى يعد جريمة يعاقب عليها من قبل محاكم التفتيش المسيحية بالموت . .ففى عهد قسطنطين كانت العلوم تعتبر اما نوعا من السحر او الخيانة وكانت هناك كراهية شديدة للعلوم العقلية وحتى البابا جريغورى الكبير ينفى كل من يشتغل بالدراسات العلمية عن مدينة روما ويحرق مكتبة بلاتين التى اسسها القيصر اوكتانيوس ويحرم دراسة كتب الفلاسفة الكلاسيكيين ويستعيض عن ذلك بتشجيع الميثولوجيا الكنسية التى ظلت هى المذهب السائد فى اوروبا لقرون عديدة .فقد سلمت الكنيسة جوردانو برونو الى غرفة التعذيب ثم احرق حيا حتى الموت عام 1610 لتصريحاته العلمية . ونشر مجمع الكرادلة المقدس قرار الجرم لمن يقول بدوران الارض واعتبار القائل كافرا زنديقا. وان غاليلو قد وعد الكاردينال بالطاعة المطلقة مسلما بأن ماقاله عن دوران الارض باطل كما اقسم بالاناجيل سنه 1633 ان الارض لاتدور حول الشمس . ولما انصرف وغادر قاعة المحكمة فضرب الارض برجليه وهو يقول  ( مع ذلك فأنت تدورين )  وقد صدر قرار ادانة جاليلو عام 1633 على الشكل التالى )حكم عليه ديوان التفتيش وهو فى السبعين من عمره لانه رفض ان يتراجع عن نظريته العلمية بدوران الارض . ياجاليليو ابن المرحوم فنسان جاليليو من بلدة فلورنسة البالغ من العمر سبعين عاما . بناء على مابلغ المجمع المقدس سنة 1615 من انك تؤمن بصحة المذهب الذى يدعو اليه الكثيرون وهو ان الشمس هى مركز العالم وانها ثابتة وان الارض تتحرك حركة يومية فأن المحكمة رغبة منها فى منع الفوضى والاضرار الناجمة عن ذلك والتى تمنع التصدى للايمان المقدس . وبناء على اوامر سيدنا بولس الخامس واصحاب النيافة الكرادلة فى هذه المحكمة العالمية العليا يرى اللاهوتيون اصحاب الرأى فى التعريف ان القضيتين المتعلقتين بسكون الشمس وحركة الارض مناقضتان للعقل ومغلوطتان فى اللاهوت فالاولى هرطقة صريحة والثانية خطأ فى الايمان . فنحن نقول ونرفض ونحكم ونعلن انك انت جاليليو المذكور اصبحت فى نظر المجمع المقدس محل شبهة قوية بالهرطقة بأعتقادك وتمسكك بنظرية خاطئة مناقضة للكتب الالهية المقدسة . ونحن نأمر بمصادرة كتاب  (محاورات جاليليو ) بموجب مرسوم علنى ونحكم عليك بالسجن الصريح بالمدة التى سنرى تحديدها   صادر عنا نحن الكرادلة الموقعين ادناه ). وهذا الباحث لاروس يستهزىء فى قاموسه بالدين حيث يفسر الدين على انه مجموعة مقررات تنافى العقل والفكر الحر. اما العالم اينشتاين فأنه نطق بالحق عندما قال (إن العلم بلا ايمان ليمشى مشية الاعرج . وان الايمان بلا علم ليتلمس تلمس الأعمى ) ان التعارض بين لعقل والايمان وليد الثقافة الغربية وحدها ، ولو ان مسألة التوافق او التناقض بين الطرفين ولدت وطرحت منذ القدم ، الا انه فى تطور الغرب نحو العلمانية ادى الى حدوث صراع بين هذين المفهومين ادى بهما الى انفصال تام . فالفكر الغربى يرى فى الدين ارتباطه بمفهوم الظلامية والجهل ، وهو عامل ينفى عن الانسان ملكته العقلية التى تسمح له بأن يزن الامور، ويتدبرها بحرية وموضوعية . والثقافة الغربية الحديثة قدمت على انها  انتصار الانسان الواعى العاقل على كل ماهو غير عقلانى متمثلا بالدين . وقد حاول فلاسفة ومثقفى الغرب تعميم هذا المفهوم المجافى للحقيقة على الثقافات والاديان الاخرى، وخاصة الدين الاسلامى . فأن مفهوم التناقض بين الاديان والعقل قد عمم على جميع المعتقدات البشرية ، وادهى من هذا كله هو ان ظاهرة الاديان نفسها اصبحت فى قفص الاتهام ، واصبحت كل فكرة دينية ماهى الا تعبير عن ضعف الانسان وخوفه من المجهول من وجهة نظر الفكر الغربى . الا ان الفكر الدينى ومسألة الخالق ووجوده والكون وتكوينه اصبحت من القضايا المطروحة حاليا بقوة . فالميدان العلمى يصطدم اكثر فأكثر مع مبهمات الكون والحياة والانسان ، لذا اصبحت مسألة الخالق المبدع المطلق الاوحد تطرح نفسها اليوم بطريقة علمية عن طريق العقل الانسانى والعلم الحديث . فالقرأن الكريم ربط بين العلم والايمان ، فعدد الكلمات التى جاءت فى القرأن حول كلمة العلم نجدها 850 كلمة ، اما الايات التى تحث على دراسة الظواهر الطبيعية فعددها 750 اية ..هناك خصائص واضحة بالنسبة للعلم والفلسفة يجب علينا الاهتمام بها وتوضيحها لعلاقتها بالاسلام ومنهجه ومن اهم هذه

  الفكر الاسلامي وعلاقته بالعلم  :


 (1)الاسلام والعلم: لقد اخطأ من يظن ان الاسلام دين مثل باقى الديانات الاخرى ليس فيه الا الطقوس والعبادات وهذا من الجهل الفادح فى افكار هؤلاء الجاهلين . الاسلام دين سماوى لم يعرف له نظير بمطاردة جيوش الاوهام والاساطير والبدع قديما وحديثا انه الدين الذى حرر فكر الانسان من هذه الاساطير والبدع ومن سلطة الوراثة والبيئة والهوى لينظر إلى الاشياء بتجرد ويحكم عليها بعقله الذى اودعه الله فيه . فقد قدس الاسلام العلم والقلم الذى هو رمز التعلم تقديسا كبيرا. وقد حث الاسلام على تحصيل العلم إلى حد بعيد ولم تقع معارضة وتصادم بين الدين والعلم فى الامة الإسلامية شبيه المعارضات التى حدثت بين رجال العلم والفلاسفة الغربين والكنيسة فان الاسلام يحبذ العلم الصحيح الذى لاشبهة فيه ويؤيده ويدعو اليه ولكنه يندد بأولئك الذين يتبعون الظن ويعتبرونه علما ويبنون على هذا العلم الظن العلم الباطل . فالعلم من معطيات العقل اذن وجب ان لايكون تناف بين العلم والدين اذا كان هذا العلم قد بلغ من الصحة والتأييد مايجعله علما حقيقيا لاغبار عليه وقد خرج عن مرحلة الظن والشكوك . والعلم فى المفهوم الاسلامى له معانى عديدة ومما اطلق عليه القران اسم العلم هو الاطلاع على الكتاب والحكمة وذلك فى قوله تعالى ) كما ارسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم اياتنا يزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون ( والعلم فى القران يعنى ايضا المعرفة واليقين والابتعاد عن البدع والاساطير والسفسطة فى قوله تعالى) ولاتقف ماليس لك به علم( وهذه الاية من جوامع الكلم فى كتاب الله تشمل اشياء كثيرة من احكام الدين . ومانستوحيه من هذه الاية هو ان الله نهانا ان نتبع غيرنا من غير علم ويريد الله بالعلم اليقين لانه وصفه فى مقابل الظن يقول الله )مالهم به من علم ان يتبعون الا الظن( ولقد استعمل القران لفظ العلم فى اكثر الاغراض التى يمكن ان يشملها فى العرف الحديث ولقد استعمل القران العلم مقابل الهوى والسفه فى قوله تعالى )بل اتبع الذين ظلموا اهواءهم بغير علم( )وان كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم( وقد واءم القران بين العلم والعقل مواءمة تجعل العلم حيث يكون العقل وتجعل العقل حيث يكون العلم )وتلك الامثال نضربها للناس ومايعقلها الا العالمون( ولقد كثر ورود لفظ العلم فى القران كثرة لم يجاره بها كتاب ديانة ولاغيرها حتى كان اللفظ من اكثر الالفاظ تداولا فى تعابير القران مما يدل على ان القران اهتم كثيرا فى ان يلقن الناس الحقائق ويدعبوها فى صدورهم وعقولهم ويدل ايضا على ان القران قد اخى العلم مؤخاة تشعر انهما من اصل واحد. فالقران يريد من خلال العلم بأكتشاف الاشياء التى تقود الانسان بفهم هذا الكون البديع والرائع التركيب فهما صحيحا ليعلموا ان من ورائه بارئا ومصورا قد احسن كل شىء خلقه. فالقران والعلم هما بهذا اخوان بل تؤمان ولايتوهمن متوهم ان القران نزل ليشرح نظريات خاصة فى علم من العلوم وانما وضع اصولا عامة لكثير من المعارف تصريحا وتلويحا فان الايات القرانية لم يكن القصد منها التحقيق فى كنة سنة من سنن الكون وانما القصد تصوير ظاهر فى ذاته على انه كثيرا مايكون تصوير الظاهر فى جماله وعظمته اروع فى اكتشاف حقيقته . القران اذن لم يتحدث فى الكون وسننه الا ان ظاهرها ولو اراد البحث عن اعمق من ذلك لخرج عن كونه كتاب هدى ونور. اما العلوم التى شملها لفظ العلم فى القران فلا تقتصر على العلوم الشرعية فقط بل قد شمل كثيرا من العلوم حتى التى نسميها عصرية مثل علوم الطبيعة والفلك والعلوم البيولوجية الخ. المقصود بالعلم هو النظر الدقيق والمشاهدة المضبوطة والتجربة المنظمة والاهتمام باليقينيات لافروضه ولانظرياته لان فى العلم الحديث فروضا ونظريات لم تثبت ولكن هى من احتمال الصحة على درجات بقدر عدد المشاهدات والتجارب العلمية التى تتفق معها وتتفسر بها. فالعلم مؤلف من اجزاء وتفصيلات لذلك فهو ملائم للتحليل والفصل والتقسيم وهو يكشف المتماثل والمتناغم والساكن. العلم جميعه منذ بدايته إلى اليوم هو فى الغالب استمرارية الية ياتى اللاحق فيكمل عمل السابق وبما ان العلم يتناول الموجود فهو دقيق لانه يسعى لاكتشاف القوانين واستخدامها. ولذا فان فرانسيس بيكون Francis Bacon وهو اب العلم الاوروبى يؤكد بوضوح على الجانب الوظيفى او النفعى للعلم فيقول ( المعرفة الحقة هى المعرفة الوحيدة التى تزيد من قوة الانسان فى العالم ( والنظريات العلمية اصلها فروض والفروض العلمية هى اراء وافكار يحاول بها العلماء تفسير المشاهدات العلمية فى ميادين العلم المختلفة فلابد للفرض العلمى من ان يتفق مع بعض الوقائع وصحتها واذا رجح عن هذا الطريق سمى نظرية وان اى نظرية فى العلوم الحديثة وخاصة العلوم الفضائية الكونية يرجح العلماء صحته ولكن لايزال عندهم يحتمل البطلان ولكن اذا كثرت الوقائع بحيث لاتدع عند العلماء شكا فى صحة النظرية اعتبرت قانونا . ومن المهم ان نلاحظ ان الغرض العلمى لابد ان يكون قابلا للاختبار عن طريق التجربة وهذا فارق اساسى بين الراى العلمى والراى الفلسفى او بين العلم والفلسفة. فالعلم مرتبط بالفطرة التى فطر الله عليها الاشياء وهى حكم لايخطىء ولاتتبدل ولاتتغير. ام الفلسفة فليس لديهم مرجع وثيق كهذا يتحاكمون اليه ويخضعون له عند الاختلاف ولذا كثرت فى الفلسفة المذاهب المختلفة التى لاامل فى التوفيق بينها وان زعم كل منها انه يستند إلى العقل. ان النظرية العلمية مهما طال عمرها وكثرت الوقائع المؤيدة لها يكفى القضاء عليها واعتبارها بحكم الميتة فى اكتشاف واقعة جديدة اخرى تناقضها بحيث لايمكن التوفيق بينهما بحال. وفى تاريخ العلم نظريات كثيرة لم تستمر على حالها وتستقر بل صرعتها حقيقة علمية اخرى وهكذا سنن الكون والقوانين التى تجرى عليها فطرة الكون والحياة ونبذ العلم النظرية اذا شذت عنها واقعة كان يجب ان تشملها وهو فارق اخر من الفروق الاساسية بين العلم والفلسفة ففى الفلسفة يكفى التمسك بقضية ان تشهد لها بعض الحقائق ولو ناقضها حقيقة اخرى وهنا ينعدم معيار الحق والواقع ويرجع الفلاسفة إلى الشك فى مثل هذه الحالة كما يرجع العلماء الطبيعيون إلى التجربة .فالتجربة ليست كل شىء فى نمو الانسان خلافا لما يقوله الماديون ففى الانسان ملكة التعليل والاسباب وملكة التعميم والتجريد دون ان يكون للتجربة دخل فيها ويقول اينشتاين العالم الذرى بهذا الصدد )ان بصيرتنا الدينية هى المنبع وهى الموجهة لبصيرتنا العلمية( ويقول العالم الفلكى فاى )من الخطأ ان نقول بان العلم يقضى بصاحبه إلى نكران وجود الله( ويقول العالم باستور)لاتنافى بين العلم والايمان وكلما زاد علم الانسان زاد ايمانه بالله( ويقول العالم الجيولوجى الذائع الصيت ادموند هربرت المدرس بجامعة سوربون  ) العلم لايمكن ان يؤدى إلى الكفر ولا إلى المادية ولايفضى إلى التشكيك (  وقد جاز عند الفلاسفة ان تكون الفطرة غير متناسقة ولامطردة وهم فى مثل هذه الحالة يتسألون من ادرك ان سنن الفطرة المطردة اليوم كانت فى الماضى السحيق مطردة ايضا وستظل مطردة فى المستقبل؟ الا ان العلم لايأتيه هذا التشكيك القائم على مجرد الظن والتخمين والاستنتاج . واصل اتساق الفطرة واطراد السنن فيها واستحالة التناقض بينها الذى يجيز الفلسفة انكاره بالظن والتخمين هو اصل دينى فى الاسلام قرره القران الكريم قبل ان يولد العلم الحديث ) ولاتجد لسنتنا تحويلا )   ( ولن تجد لسنة الله تبديلا )  (سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (  لو اجاز العلم ان الفطرة قد يدخلها التبدل والتحويل والتغيير لسقطت السموات والارض . فهذه الايات القرانية تشهد باطرادها واتساقها ليس فقط فى الميادين العلمية بل انها تدل سنن الله فى فطرة الكون او فى فطرة الناس او تدل بسياقها على سنن الله فى الامم وانزال العقاب والهلاك بها فالعلم فى ايمانه باتساق الفطرة واطرادها يجد تشكيكا فى الفلسفة ولكنه يجد فى الاسلام كل التأييد. ان العلم الحديث يقوم على اساس اتساق الفطرة واطرادها فلو لم تكن متسقة لاتتعارض حقائقها ومطردة لاتختلف سننها على الزمن والعلم قد اثبت ببحوثه وطريقته فى البحث اتساق الفطرة واطرادها من خلال البحث واختيار الفروض والنظريات والتجارب العلمية واثبت بذلك صدق قوله تعالى )ماترى فى خلق الرحمن من تفاوت( )فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا( اما الفلسفة تكذب وتخطىء حين تشك عقلا فى هذا الاساس وتجيز التغيير والتبديل فى السنن الجارية فى الكون فالقران يبعد الشك عن طريق العلم فى العقول البشرية ويطمئنه انه على حق حين يمضى فى طريقه الصحيح غير مبال بالفلسفة وشكوكها. وفى القران آيات يخدمها العلم الحديث بتوضيحها وكشف اسرارها حيث قال تعالى)انا كل شىء خلقناه بقدر(  فالعلم يتكفل بكشف اسرار الكون والحياة باضهار جزئياتها على مدى الزمان ولن يستطيع ان يحيط بجميع تلك الجزئيات وتفاصيلها لان العلم فى تطور مستمر ولكنه لايستطيع ان يحيط بتفصيل كل ماخلق الله. فالعلم الحديث كله جاء لخدمة الدين انه يقدم اجل خدمة للاديان عامة بأثباته استحالة ان يكون نظام الكون وليد الصدفة العمياء وبذلك قطع الطريق على الماديين والملحدين الذين ينكرون وجود الله وبديهى ان الاديان والاللهيات ليس من مباحثات العلم لأنه لايستطيع ان يبحث فى مسألة وجود الله ووجود الله مسالة لاحاجة إلى اثبات. فان وجود الخالق هو من الوضوح بحيث يكاد يلتحق بالبديهيات عند الفلاسفة والعلماء الذين لم يصبهم انحراف فى الفطرة او عوج فى التفكير ولايملى عليهم الغرور ماشاء من ظنون واوهام. لقد حرص الاسلام كل الحرص بتعاليمه الواضحة على طلب العلم والظمأ إلى المعرفة فطلب العلم فريضة على كل مسلم. والقران يحث المسلمين فى آيات متعددة على ضرورة طلب العلم وهذا الظمأ إلى العلم مقترنا باستعداد المسلم لاستخدام عقله كانا القاعدة الرئيسية لازدهار العلوم الإسلامية وظهور العلماء المسلمين الأوائل الذين اخذوا على عاتقهم فى تطوير الحضارة الهلينية لأنه لم يجد المسلمون لدى الغرب شيئا يذكر يستحق أن تبذلوا جهدا ليتعلموه على حد تعبير مارشال هدجسون ثم ذبلت الحضارة الإسلامية فى القرن الرابع عشر وانحسر مدها فى جميع المجالات العلمية والانسانية من علوم طبيعية وجغرافية وفلسفية والسبب الرئيسى لهذا الانحسار هو اغلاق باب الاجتهاد والاقتصار على التقليد زعما بأن السلف الصالح من الصحابة والتابعين كانوا على علم اتم واكمل بكل مااتى به القران الكريم . والتمس المقلدون الذين ارادوا اغلاق باب الاجتهاد آيات من الكتاب يفسرونها تفسيرا يسند دعواهم مثلا قوله تعالى)قالوا سبحانك لاعلم لنا الا ماعلمتنا ) (  ويتعلمون مايضرهم ولاينفعهم ( هكذا نظر الفقهاء المسلمين نظرة معادية للعلوم الطبيعية والفلسفية نجم عن هذا الموقف اعتبار كل نظرة للعلوم بدعة وكل بدعة ضلالة حسب تفسيرهم للحديث النبوى الشريف  )كل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار (  وهم لم يفرقوا بين بدعة حسنة وبدعة سيئة وضارة ولم يبينوا للمسلمين ان الاحاديث التى تعرضت للبدع لاتعنى بحال من الاحوال الى العلوم الطبيعية او التقدم العلمى والتكنولوجى وانما تعنى البدع التى لاتتفق مع مبادىء الشريعة الاسلامية. هل يمكن اعتبار العلم وتطوره بديلا للدين الاسلامى وشريعته ؟ كلا بل العكس هو الصحيح ان اكثر الاصوات تنادى بعد اندحار النظرية الماركسية المادية فى العودة الى الميتافيزيقا الدينية نتيجة للمعرفة المتأخرة زمنا وانه كلما اشتد الوعى الدينى صارت الحاجة الى الدين اقوى والزم. لقد غلبت المعرفة من جديد فى اتباعها ان الدين والعلم الحديث لاغناء لبعضها عن بعض وان فكرة انقضاء اجل الدين كانت فكرة مرحلية خاطئة محدودة الافق فقد ماتت كل الافكار والنظريات الداروينية وسيجموند فرويد وكارل ماركس وسوف يصير علماء الطبيعة اشد تواضعا واكثر التصاقا بالدين بعدما تبين لهم ان العلم يوصلهم شيئا فشيئا الى منابع الدين والى القوة العليا  (الله)  وفلاسفة الاسلام القدماء الذين ادخلوا الاسلام فى الفلسفة انتهى دورهم وجاء دور العلم الحديث الذى تحرر الان من قيود الغرور فلابد من جعله ذا قيم اسلامية اى )ادخال الاسلام فى العلم( . والاسلام يعنى بالتنمية العلمية عناية فائقة لان العلم هو الباب الاوسع الى الايمان والى معرفة سنن الله تعالى والى التفكير فى خلق السماوات والارض. قال الله تعالى  (انما يخشى الله من عباده العلماء  )  ومن هنا قال الرسول الكريم محمد ( العلماء ورثة الانبياء ( وقوله سبحانه  ( يرفع الله الذين امنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات  )وبما ان الاسلام دين الفطرة والعقل معا ولذلك كانت صلته بالعلم وثيقة. فالعلم تجارب عملية لافكار عقلية ومجال هذه التجارب هو الكون وعلاقة الانسانية به وشمل الاسلام الكون والانسان معا لانه كدين يتعلق بفطرة الانسان نفسه وبالسنن التى فطر الله الانسان عليها والتى لاراحة ولاسعادة للانسان الا فى تحقيقها وتطبيقها كاملة غير منقوصة ( فطرة الله التى فطر الناس عليها )  كلمات قليلة حوت معانى جليلة وشرحها يطول فهى اولا اكدت معنى الفطرة وفسرتها بالخلق واضافت الخلق الى الله  ( لاتبديل لخلق الله )  والعلم الحديث يقدم وجوده رغم الفلسفة وشكوكها على هذا القانون الالهى )لاتبديل لخلق الله )  اذ العلم وطريقة النظرية العلمية التجريبية متوقعة على اتساق الفطرة واتساق سننها بالاطراد. ان تطور العلم والتكنولوجيا له ارتباط كبير بالايمان وكل تطور علمى وكل اكتشاف علمى تكنولوجى جديد يهيىء هو الاخر الدافع لاكتشاف علم جديد . وهكذا وفى هذه العملية تكون الاختراعات والاكتشافات بالذات مادة وقوة عظيمتين تعملان للقضاء على المفاهيم المادية الديالكتيكية  .

( الجزء  الثاني  و الاخير  )

  

 ان الفلسفة هى محاولة فهم طبيعة العالم ، وماوراء العالم ومكاننا ومصيرنا فيه. ودراسة قوانين التغير والتطو ومشكلة فهم القوى الفاعلة فى العمليات التى نحن جزءا منها . وهى الام التى صدرت عنها سائر العلوم حيث انها قديمة قدم العقل الانسانى. ومنهم من يعتقد انها مجرد تمارين ذهنية لبعض الناس المتعلمين . ولكن الفلسفة سجلت طوال تاريخها الطويل خلاصة الفكر الانسانى وعصارة الجهود العقلية والتى تتابعت على مسرح الاحداث والفكر الفلسفى.

إن أي فلسفة تعتمد على البرهان المنطقي الذي هو عمادها , وعلى العقل الذي هو جوهر خلقه الله مرتبطا فى الكائن العاقل , وهو الإنسان , وغايته فى الوصول إلى الإدراك والفهم لقوانين الوجود وتسخيرها لغايتين , وهما الأيمان بالخالق المطلق وعبادته , ومعرفة إرادته ومشيئته , وثم تسخيرها لمصلحة الكائن العاقل . وكان واجب الفلاسفة دائما أغناء فهمنا هذا وتعميم نتائجه وهذا ما حاول عمله كبار الفلاسفة القدماء فى العصور الماضية ولقد كان مدى عظمتهم دائما يقاس بمدى نجاحهم فى التعبير فى تعميماتهم الفلسفية.لقد ظهرت الفلسفة قديما فى اليونان مع أفلاطون وأرسطو وكان من اهم مباحثها وميادينها هو)مبحث المنطق(.وهو من المباحث الرئيسة للفلسفة وجوهر الميتافيزيقا وهناك مشكلات أساسية يضطلع بدراستها )علم المنطق( حين يثبت من بطلان التفكير او زيفه وحين يتحقق من صحة القول وصوبه ولذلك قيل إن المنطق هو الأداة التي تميز الصواب عن الخطأ للمنطق . إذن وظيفته ضرورية فى عمليات التفكير حيث يحكم بين الصواب والخطأ وهو يتصل بدراسة مشكلة التفكير الانسانى حين نسأل كيف نفكر ؟ وكيف نحكم على الأشياء تلك هى المسائل الجوهرية التى يدور حولها المنطق ويضطلع بالرد عليها والانشغال بها. ولهذا السبب كان المنطق هو )المقدمة الضرورية( لكل فلسفة وهو جوهر الميتافيزيقيا )علم ماوراء الطبيعة( اى انها بحث من مباحث الفلسفة يبحث فيما وراء الوجود حيث يقول ارسطو ان الفلسفة هو )علم الفكر( ولما كان المنطق هو علم الفكر فأنه يبدأ اول مايبدأ بدراسة طبيعة الفكر وقوانينه وبديهياته واصوله. ومن مباحث المنطق الرئيسية دراسة مشكلة )التصورات والاحكام( فالتصورات التى ترتبط بالواقع مثل تصورنا مثلا لاشياء مادية وواقعية او تصورات اخرى لاترتبط بالواقع المحسوس مثل تصورنا للحرية والانسانية والمسؤلية كلها تصورات مجردة عن الواقع.

 اما الاحكام فهى قضايا نصدرها للحكم على الواقع اما كليا او جزئيا ومن المسائل الجوهرية فى دراسة المنطق مسألة )التعريف والتصنيف( وتعريف الشىء هو البحث عن ماهية الشىء والماهية هى مجموع الخصائص والصفات التى يتصف بها هذا الشىء. وان ماهية الشىء تبقى هى هى لاتتغير. اما التصنيف وهو مبدأ عقلى خالص ولايتصل بالواقع ، وله احتمالين ولاثالث لهما ، وهو مبدا)الثالث المرفوع( ، تلك هى نظرة سريعة تشير الى بعض مشكلات ومباحث المنطق . إن المنطق هو جوهر الفلسفة ومقدمتها الضرورية ، اذ إن المنطق هو هيكل كل فلسفة . ومن مباحث الفلسفة ايضا )مبحث المعرفة( ، وهو اهم اجزاء الفلسفة وارحب ابوابها ومعاقلها. ونظرية المعرفة يعالج فيها الفيلسوف مسألة مصادر المعرفة الانسانية ، حين نسأل كيف نعرف؟ وكيف ندرك؟ وماهى مصادر الادراك واصول المعرفة؟ وهل ترجع المعرفة الى العقل ام الى التجربة والحس؟ . ومدركاتنا هل ترجع الى اصول واقعية ام مثالية؟ . واذا ماتتبعنا مسألة المعرفة عند الفلاسفة ، وجدناها تبحث وتدرس من حيث طبيعتها اهى حسية ام عقلية؟ . وهنا ستختلف المذاهب الفلسفية فى شرح هذا الموضوع ، فذهب العقليون الى البحث عن الصور الفطرية الكامنة فى العقل ، وذهب التجريبيون الى إن التجربة هى الاصل الوحيد لمبادىء العقل الاولية.

فالفيلسوف اليونانى ابيقور يؤمن بالحس ، وقد تأثر بالفيلسوف دقويطس وافكاره المادية ، ويقول إن العقل نفسه يعتمد فى الحكم على الاشياء ، ويؤكد إن المعرفة الحسية صائبة ، وان توهم الانسان هو الذى يصور له إن الحواس كاذبة او غير دقيقة فى الحكم على الاشياء .

اما الفيلسوف كانت فقد عالج طرق التفكير وتطور العقل الانسانى عبر التاريخ فى مسألة )مناهج التفكير الانسانى( ، ولقد اعلن كانت إن العقل الانسانى يمر بمراحل او بحالات او بأطوار بدأت اولا بالمرحلة اللاهوتية او الدينية ، ونشأت عنها الفلسفة اللاهوتية الدينية ، ثم انتقلت الى حالة الميتافيزيقية ، اى ماوراء الطبيعة ، وهى الفلسفة المثالية ، ثم انتهى العقل البشرى فى نهاية المطاف الى الحالة او النزعة الوضعية او العلمية ، وهى الفلسفة الوضعية او العلمية. واصبح المنهج الوضعى هو منهج التفكير العلمى. وقد جاء كانت بقانون الحالات الثلاث ، حيث حاول فيه إن يشرع لمناهج الفكر قانونا عاما ، يفسر تقدم الذكاء الانسانى ، ويعبر عن تطور اشكال الفلسفات والمناهج المتتابعة خلال التاريخ. وقد ذهب كانت بمقتضى هذا القانون إن منطق الانسان ، بمعنى فكره او عقله انما يتدرج او يتطور مع تدرج المجتمع وتطوره ، من حالة غيبية لاهوتية الى حالة ميتافيزيقية انتقالية ، ومن ثم يصل العقل الانسانى فى النهاية الى مرحلة الروح الوضعى. ولذلك كانت الفلسفة الميتافيزيقية فى زعم كانت ماهى الا مرحلة تتسم بالضرورة والحتم ، ذ تحتمها ضرورة الانتقال من المنطق اللاهوتى الغيبى كى يصل الفكر بفضلها الى وضعية العلم ، لتى اطلق عليها )الروح الوضعى( ، ولكن النزعة الوضعية فى ذاتها انما تحمل فى طياتها هدفا ميتافيزيقيا خالصا لم يخضعها لاختبار دقيق . ويمكن تقسيم الفلسفة الى مدرستين.

1-المدرسة المثالية. اعتبر جميع الفلاسفة إن مهمة الفلسفة هى الكشف عن طبيعة )المطلق( اى الحقيقة النهائية والتى هى وحدة لاتتجزاء ولاتعتمد فى وجودها على اى شىء وان هذا المطلق كان بمعنى من المعانى روحيا. إن )المطلق الروحى( وحده كان الموجود الحقيقى بينما كان العالم )غير حقيقى( مجرد مظهر. إن الاشياء المادية لم يكن لها وجود مستقل عن الروح المطلق وان جميع تجاربنا ونشاطاتنا التى تبدو معها اننا نحيا حياة مستقلة فى عالم مادى لم تكن الا جزءا صغيرا من الوجود الكلى الروح المطلق.

2-المدرسة الوضعية. الا إن بعض فلاسفة الوضعية الحديثة امثال مور ورسل ومدرستهما رفضوا هذه الفكرة المثالية وواصلوا البحث لاعادة عرضها بشكل اخر فى رفضهم مفهوم )المطلق الروحى( حيث قالوا بأن الفلسفة المثالية هى فلسفة لااساس لها من الواقع بالمرة لقد رفضوا كالمل فكرة إن )الحقيقة النهائية( بل فقط وجود اشياء مادية متعددة. والوضعيون اعتبروا إن المثالية المطلقة لم تكن الا تعابير ايمانية مضطربة ولكن نقدهم مع ذلك كان مثاليا ايضا ذاتيا وشكلا. لقد لعبت الفلسفة الوضعية دورا هاما فى الكفاح الايديولوجى للفلسفة المثالية ضد الفلسف المادية فى العصور الحديثة وخلفت ورائها مجموع الجدل الفلسفى بين المادية والمثالية. إن نظم المثالية المطلقة التى كانت شائعة فى الجزء الاخير من القرن التاسع عشر كانت مرتبطة بالفلسفة والنظام الهيغلى. حقا إن الفلاسفة الوضعين قاموا بتطوير وتبنى الافكار المثالية القديمة التى نشأت فى القرن السابع عشر واعادوا صياغة هذه الافكار واستعملوها بطرق جديدة واعطوها مظهرا جديدا واصبحوا يجادلون فى الافكار التى تلقوها عن اسلافهم القدماء ويكيفونها ويطورونها باستمرار والفلسفة الوضعية المعاصرة هى تطور للفلسفة المثالية الميتافزيقية القديمة وقد ساهمت حقا فى تقدم الفكر الانسانى وقدمت افكارا يجب اعتبارها دائما كجزء من تراث الفكر المثالى لانها تقدم لنا اربعة عناصر

العنصر الاول. حيث ساهمت مساهمة قوية فى علم المنطق الشكلى الارسطوطاليسى وبالتالى فى دراسة اسس الرياضيات وذلك لان التطورات الحديثة للرياضيات مرتبطة كل الارتباط بتطور تكتيك المنطق الرمزى

العنصر الثانى. حيث قدمت خدمة عظيمة لتطور الفلسفة وذلك بجلب الاهتمام لدراسة اللغة ومهمتها فى اداء المعانى والاوجه اللغوية من العلم فاصلحت الفلسفة )تحليل اللغة( كأسلوب للنقد والايضاح

العنصر الثالث. حيث ساهمت مع الفلسفة البراغماتية )العملية( فى التأكيد على الصلة بين النظرية والتطبيق. واصبحت الفلسفة الوضعية الوسيلة والاداة للتفكير فى ارتباطها بين النظرية والتطبيق وفى تطوير تكنيك منطقى لوضوح الرأى حيث ضمنت لنا امكانية اختبار اقوالنا فى التجربة والتطبيق كما ضمنت لنا الاشارة الى الاشياء التى يمكن التثبت فى وجودها.

العنصر الرابع . حيث كافحت من اجل وضوح التفكير والنظرة العلمية للمشاكل وذلك بتأكيدها على الحاجة للتعاريف المحددة بالاصطلاحات المستندة الى التجربة والحاجة لاختبار الافكار اختبارا تجريبيا .

بينما النظرية الماركسية فأنها تريد من الفلسفة إن تصبح ملك الجماهير وسلاحها النظرى فى كفاحها لانهاء الاوضاع التى تضطهدها وايجاد الطريق لتحررها ويقول انجلز )إن الفكرة العظيمة الرئيسية بان العالم يجب إن لايفهم كمجموعة معقدة من الاشياء الجاهزة بل كمركب من العمليات التطورية تمر فيها الاشياء التى يبدو عليها انها ثابتة مع انعكاساتها الذهنية فى رؤوسنا اى المفاهيم فى تغيرات لاانقطاع لها من الظهور والضمور وحيث يتأكد فيها بالرغم من جميع الصدف الظاهرة والمراجعات الموقتة تطور تقدمى فى التحليل الاخير . إن هذه الفكرة العظيمة الاساسية قد استطاعت التفاعل فى الوعى الاعتيادى خاصة منذ زمن هيجل بدرجة من الشمول والعمق بحيث انها بمجموعها لم تنقض اطلاقا الا نادرا( ففى نظر انجلز إن )الفكرة العظيمة الرئيسية ( فى التغير والتطور من الادنى إلى الاعلى تمثل الذروة التى بلغتها الفلسفة البرجوازية اى الفلسفة المثالية الميتافيزيقية . فالفلسفة فى نظر ماركس وانجلز هى اكتشاف القوانين الدايلكتية لعمليات التغير والتطور القائمة فى العالم المادى الحقيقى فى الطبيعة والمجتمع .

 لقد حاولت الفلسفة الماركسية المادية إن تحدث ثورة حقيقية فى الفلسفة الا انها فشلت فشلا ذريعا فى ذلك فلم تستطع إن تترك وراءها الفلسفة الكلاسيكية المثالية لتبدا فلسفة جديدة قائمة على المادة المحسوسة . لقد حاولت الفلسفة المادية إن تنفذ اكثر الانجازات العظيمة للفلسفة المثالية لكبار الفلاسفة فى القرن الثامن عشر فلاسفة الفرنسيين من جهة وفلسفة هيجل من جهة اخرى . فالفلسفة المادية الفرنسية تعتبر بان العالم وكل شىء فيه انما هو عملية تطورية مستمرة من التغير والتطور وان هذه العملية تجرى بموجب قوانين يمكن اكتشافها من قبل العلم وصاغتها بكل دقة علمية .

 اما هيجل فقد ساهم فى الفلسفة بمفهومه عن الدايلكتيك ويقول )بأن كل شىء يحيط بنا يمكن إن ينظر اليه كلحظة فى مجموع الدايلكتيك . ونحن نفهم بان كل شىء محدود انما هو قابل للتغير وموقت بل إن يكون ثابتا ونهائيا وهذا بالضبط مانعنية بذلك الدايلكتيك المحدود حيث برغم المحدود بأعتباره يتضمن ضمنا ماهو مختلف عنه إلى التحول فجأة إلى نقيضه بعد إن يضيق بكيانه الخاص المباشر او الطبيعى( وهيجل لم يعتبر إن )لحظة الديالكتيك ( هى قوانين الديالكتيك فى تغير وتطور العالم المادى فقط كما تعتبره الماركسية وتركز عليه بل ركز وتصور إن الحركة الدايلكتية كخصيصة من خصائص الفكر . انه جعل الفكر كشىء مطلق (الله) شىء موجود بعيدا ومستقلا عن العالم المادى الا انه يخلق العالم المادى ويحقق ذاته فيه ويقول هيجل إن كل شىء محدود مناقضا لنفسه بصورة جذرية ويتحول فجأة لنقيضه فالمفهوم نفسه كان مناقضا لنفسه إن الشىء الذي حقق ذلك المفهوم لم يكن بالامكان إن يبقى ثابتا بل كان يجب إن يتحول إلى شىء اخر . واعلن هيجل إن (المرحلة التأملية) من الفكر كانت اعلى جميع المراحل وان (الحقيقة التأملية) كانت اعلى جميع الحقائق ثم اضاف (بأن الحقيقة التأملية تعنى إلى حد كبير جدا نفس مايسمى عادة فى بعض المبادىء والخبر الدينية بالتصوف) وعليه فان مفهوم هيجل الفلسفى يعبر عن (الفكرة المطلقة) التى تمثل الفكر الكونى والخالق للعالم الحقيقى فى المكان والزمان الذي يتجاوز اى عقل محدود . اما انجلز فيقول فى رده على هيجل (حسب هيجل إن الدايلكتيك هو التطور الذاتى للمفهوم .

 إن الفكرة المطلقة لاتوجد فقط اين ؟ لااحد يدرى منذ الازل بل انها تمثل ايضا الروح الحية لجميع العالم الموجود . وعليه فحسب هيجل إن الحركة الدايلكتية الظاهرة فى الطبيعة والتاريخ اى الارتباطات السببية للحركة التقدمية من الادنى إلى الاعلى والتى تؤكد نفسها خلال جميع الحركات المتعرجة والانتكاسات المؤقتة ماهى الا مجرد نسخة بائسة من الحركة الذاتية للفكرة القائمة منذ الازل لا احد يعلم اين ولكن على كل حال باستقلال تام عن كل عقل بشرى مفكر ، ثم يستمر قائلا ( لقد اعدنا - اى هو وماركس- ادراك المفاهيم فى رؤوسنا بصورة مادية كصور لاشياء حقيقية بدل النظر للاشياء الحقيقية كصور لهذه المرحلة او تلك من تطور الفكرة المطلقة ) وهذا المفهوم الفلسفى لهيجل لم يعترف به انجلز واعتبره غير صالح للاستعمال وقال ( لقد اخذ الجانب الثورى من الفلسفة الهيجلية وبنفس الوقت حرر الجانب المذكور من الاقمطة المثالية التى منعت تطوره الثابت على ايدى هيجل ) ( يجب فقط ترك (الحقيقة المطلقة ) التى لايمكن بلوغها بسلوك هذا السبيل او من قبل اى فرد واحد وبدلا من ذلك متابعة الحقائق النسبية الممكن بلوغها بطريق العلوم الوضعية وتجميع وتلخيص نتائجها بطريق الفكر الدايلكتيكى ) فالفلسفة الماركسية واسلوبها الدايلكتيكى ونقدها لفلسفة هيجل لايمكن اعتبارها ابدا اكتشافا عالمى الاهمية فى الفلسفة بل هى حاولت إن تفسر عمليات العالم المادى بطريقة مادية فقط وليس بشكل علمى ولم يقدم لنا صياغة كاملة ونهائية للمفهوم الدايلكتيكى عن العالم لان اى اكتشاف حقيقى لايمكن إن يكون حقيقة مطلقة ونهائية ولايمكن إن يمثل نقطة الانطلاق لتطوير جديد للفهم العلمى ولم يهيأ الحقيقة النهائية والكاملة حول قوانين حركة الطبيعة والتاريخ .

الفلسفة تبحث في شؤون الحكم والتصور 

وبعد إن تطرقنا فى شرح الفلسفة المادية الماركسية نعود ونذكر إن من اهم المسائل الاخرى التى تبحثها الفلسفة هى مشكلة  ( الحكم والتصور )  هى مشكلة عريقة فى الفكر الميتافيزيقى فقد سيطرت على كل الفلسفات الكبرى ونستطيع القول انه ليست هناك مسألة احتلت مكانا بارزا فى تاريخ الفلسفة مثل مااحتلته نظرية التصور فقد تسأل الفلاسفة من اين جاءتنا التصورات او المعانى التى تمتاز بالكلية والعموم ولاتخص فردا بالذات؟ فذهب افلاطون إلى انها لابد إن تكون مثلا سبق وان شاهدناها وذهب ارسطو إلى انها صور منتزعة بالتجريد من العالم الواقعى ومن ثم جاءت الاجناس والانواع ومنهم من يرى إن التصورات لاوجود لها ومنهم من يرى إن التصورات انما هو فطرى فى الذهن اما التجريبيون فيقولون إن لاشىء فطرى فى الذهن وان المعانى إن هى الا احساسات جاءت من التجربة. اما عن فكرة الاحكام فمن المعروف فى التفكير الفلسفى منذ القدم إن العقل لايستطيع إن يفكر ويتقدم الا بربط التصورات فى احكام اما الفيلسوف كانت فيعارضهم جميعا بقوله)إن العلم يقوم على الاحكام ولايمكن إن يقوم على مجرد التداعى الحسى ولابد إن تكون هذه الاحكام لها اصول وقوانين سابقة فى الذهن بمقتضاها ترتبط اطراف الاحكام ارتباطا كليا وضروريا مما يصون قيمة المعرفة العلمية ويرفعها عن مرتبة الحس إلى مرتبة المعرفة العلمية الوثيقة( وهكذا نرى كما هو الحال فى كل مذهب جديد من مذاهب الفكر الفلسفى إن يهدم المذاهب السابقة عليه وان يشيد لنفسه موقفا خاصا.. لقد ظل الفلاسفة سجناء افكارهم بعينها لانهم ربطوا عقولهم بتاريخ الفلسفة واخذوا يفكرون فى قوالب الفكر الفلسفى من خلال هذا التاريخ الميتافيزيقى ولقد اخذ مانهايمMannheim على الفلاسفة انهم حين ينظرون فى المعرفة فانما يرتدون إلى مافى اذهانهم من مصطلحات الفلسفة فيرجعون إلى مواقف تاريخية سابقة وقفها الفلاسفة من نظرية المعرفة. ومن هنا يصبح من المهم تصحيح وجهات النظر التقليدية فى المعرفة الذين نظروا إلى العقل الانسانى على انه )عقل وحيد منعزل( او تصورات التجريبين الذين نظروا إلى الاحساسات والمدركات على انها ادوات المعرفة الوحيدة ومن هنا تجىء ضرورة التحليل الفلسفى الميتافيزيقى الذي نحلل به المعرفة وننقدها لنتبين العناصر الاساسية التى يجىء بها من عنده لينظم التجربة ويرتب ماتقع عليه حواسه ومايلقاه الإنسان فى مجتمعه.

ونحن نعلم إن التجربة وحدها ليست هى العلم الوحيد للانسان حقا إن الإنسان يتعلم منها الا انه ليس تمثالا لاينبض بالحياة والحس والعقل وردود الفعل حيال مايتلقاه من التجربة فمن خلال استعراضنا لمختلف مساهمات الفلسفة وجدنا مذهبا ماركسيا يذهب إلى إن التفسير التاريخى والاساسى الاقتصادى هما المصدر الوحيد لمقولات المعرفة وهما المرجع الاول فى اكتشاف الحقائق.الا إن دوركهايم فند مزاعم الاتجاه الماركسى وانكر الاساس المادى للمجتمعات وذهب إلى إن اصول المعرفة لاتصدر عن عقل الطبقة وانما تتميز التصورات العامة بصدورها عن ابنية العقل الجمعى( لقد انقسم الفكر الفلسفى إلى اتجاهات مختلفة ومدارس عديدة ومايعنينا هنا هو تاكيد ذلك التعارض الفلسفى القائم بين مختلف المدارس الفلسفية تلك التى ينحو كل منها نحوا خاصا فى تفسير المعرفة فى ضوء الفكر الطبقى او الاجتماعى او التاريخى. ولكننا نقول فى الرد على تلك الاتجاهات المتعارضة إن حرية الفكر لاينبغى إن تخضع لسلطان خارجى سواء اكان سلطان المجتمع او طغيان الطبقة حيث إن روح الطبقة تعمل على جمود الفكر حين ينغلق الفكر الطبقى على ذاته ويحاط بسياج بعيد كل البعد عن روح الفكر الخلاق بمعنى إن روح الطبقة او عقل الجماعة كلاهما قيد لايتفق وطبيعة الفكر الحر كلاهما حجاب لايوصلنا إلى الحقيقة ففى تلك القيود الاجتماعية والحجب المادية قضاء مبرم على كل مايتمتع به الفكر من اصالة وابداع ولايمكن إن تنبثق الحقيقة عن تلك المجتمعات المغلقة حيث انها من اعداء الفكر والحرية وهى الشاهد الوحيد على قيام الفكر ولايمكن إن نتصور المعرفة فى صدورها عن منطق التاريخ اذ انها لاتصدر الا عن ذات الإنسان تلك الذات التى تتميز بالوعى والاصالة كما إن المعرفة لاتوجد خارج الإنسان اذ إن المعرفة فى ذاتها مهما بلغت من الموضوعية والعلمية هى مشروطة بوجود الذات العارفة.

وان الحقيقة فى ذاتها تاريخية كانت ام اجتماعية هى فى مسيس الحاجة إلى تلك الذات المفكرة التى تنشئها وتفسرها وتميط اللثام عنها. وقد قال اوغسطين بهذا الصدد) لاتحاول الخروج من نفسك بل عد اليها فان الحقيقة تكمن فى اعماقك ايها الإنسان( ومن المفاهيم الفلسفية المثالية للمعرفة فى اسسها ومداها وحدودها نرى إن اكثر الاراء الفلسفية تعتبرها )حقائق خالدة( )مبادىء اولى( )افكار داخلية( من حدس وبديهه الا إن مختلف الاراء الفلسفية تذهب إلى إن جميع المعرفة مبنية على المدركات الشخصية وقد كان الجدل طويلا وواسعا بين الفلاسفة لشرح ارائهم المختلفة والمتعارضة حول المعرفة إن كلا الوجهين يشتركان فى كونهما يعالجان المعرفة معالجة سطحية تجريدية بعيدا عن عمليات التطور للمعرفة فى المجتمع البشرى انهما لايبحثان عن كيفية اكتساب المعرفة بالفعل من قبل البشرية وقد اعتبرت المعرفة كشىء ناشىء عن نوع من التأمل الفردى وهى مثالية من حيث الاساس فى اعتبارها الروح سابقة للطبيعة وان المعرفة ونقطة انطلاقها ينشأ داخل الدماغ سواء اكان هذا الشىء محسات فردية او افكار عامة والفكر المثالى يرى إن الاحساسات تأتى فى البداية وان الافكار العامة بعض الشىء ماهى الا نسخ لهذه الاحساسات بينما يرى الاخرون بأن الاحساسات نفسها ليست الا مواد خام للمعرفة يرتبها العقل بمساعدة اجهزته الداخلية الخاصة.

صحيح إن كثيرا من الماديين ايدوا نظرة المعرفة المثالية واوضحوا إن الاحساسات التى يعتبرونها نقطة الانطلاق للمعرفة انما تنشأ فى الدماغ بعقل الكائنات المادية الخارجية فى الاجهزة الحسية وقد تبنى بعض كبار الماديين الفرنسيين فى القرن الثامن عشر وجهه نظر مثالية فى نظرية المعرفة فان الفلسفة المثالية تنتهى إلى إن العالم انما ينكشف للمعرفة الحقيقية كعالم روحى من حيث الجوهر وان وراء جميع الظواهر المادية اسبابا روحية بينما الفلسفة المادية تسخر من ذلك باعتباره تأملات ضبابية وتنتهى إلى نتيجة مثالية ايضا إلى عدم وجود اى شىء لايحوم الشك حول معرفته ماعدا الاحساسات فى ادمغتنا.وهكذا فأن المادين الوضعيين الحالين فيرفضون بصراحة هذه الفلسفة الكلاسيكية القديمة فى اعطائها صورة عن الكون والانسان وانهم يفصلونها عن العلم وعن نشأة الحياة انهم يدعون بان كل مايمكن إن نعلمه عن العالم والكون والمجتمع البشرى انما ينعكس فى نظريات العلوم النظرية والاجتماعية وان الفلسفة ليس لها صلة بأى منها وانه لايمكن إن يكون هناك اليوم اى محل لاية فلسفة تقف فوق العلوم إن المطلوب من الفلسفة هو بالاحرى إن تستلخص مبادئها ونتائجها من العلوم فقط وان تكون نفسها تعميما للعلوم المذكورة ويجب إن تصبح فى نفس الوقت سلاحا بيد العلوم ويتغلغل فى العلوم ويقود ستراتيجية البحث العلمى وصياغة النظريات العلمية. يقول بوانكارة وهو من اعلام الرياضيين(نحن الرياضيين انما نعمل للفيزياء والفلسفة ومعنى ذلك إن الفلسفة يجب إن تبنى على اخر ماتوصل اليه العلم الحديث لا على مفتريات واكاذيب لاتدعمهم المكتشفات الحديثة وماثبت من احوال الامم الماضية) ولايمكن إن يكون هناك اليوم اى محل لاية فلسفة تقف فوق العلوم إن المطلوب من الفاسفة هو بالاحرى إن تستلخص مبادئها ونتائجها من العلوم فقط وان تكون نفسها تعميما للعلوم المذكورة ويجب إن تصبح فى نفس الوقت سلاحا بيد العلوم ويتغلغل فى العلوم ويقود ستراتيجية البحث العلمى وصياغة النظريات العلمية.ويقول بنيامين فارنغتن فى كتابه العلم الاغريقى من طاليس إلى ارسطو (كانت تأملات فلاسفة الاغريق الطبيعين مرتبطة تمام الارتباط بتكتيك عصرهم فأفكار تحولات الجوهر الواحد)الالهه( كانت بصورة واضحة تحت تأثير التكنيك الشائع حينذاك وفى الفلسفة الحديثة يبدو تأثير العلم واضحا فى المفاهيم الدينية ولكن العلماء انفسهم الذين كانوا يظنون انهم حرروا انفسهم من القيود التى تشدهم إلى الفلسفة المثالية لايزالون مقيدين تماما بالنظم الفلسفية العقلية والدينية التى صاغها لهم الفلاسفة القدماء. فالفلسفة الحالية لاتقتصر على تفسير الاكتشافات العلمية وارتباطها بالدين بل على تجاوز حدود العلوم الطبيعية وصولا إلى الأيمان بالطبيعة الاخيرة للحقيقة التى يعالجها العلم وطبيعة الحقيقة الروحية الخارجة عن متناول الاساليب العلمية مثلا طبيعة الروح البشرية والمصادر الروحية. فالفلسفة لم تعد لتبحث وتفسر اكتشافات العلم بل انها تستند إلى انجازات العلم واظهار كيفية ادراك الحقائق فى ارتباطاتها الالهية وليس باية ارتباطات مادية. وهكذا فقد تقدمت الفلسفة دائما عبر الكفاح بين الاتجاهات المادية والمثالية الا انه حتى اكثر الفلسفات المادية كان يحمل طابعا ميتافيزيقا ولم يتحرر اطلاقا من عناصر المثالية ونقصد بالمثالية تلك النظرة الفلسفية التى تعتبر الروح سابقة للطبيعة. قال الفيلسوف الانجليزى فرانس بيكون (إن قليلا من الفلسفة يقرب الإنسان من الالحاد . اما التعمق فى الفلسفة فيرده إلى الدين) .

لقد حرر علم الطبيعة نفسه من النظم الفلسفية المادية وارتبط اكثر بالفلسفة المثالية العقلية وكان التفكير العلمى دائما تحت تأثير الافكار الفلسفية الغيبية التى وجدت دائما تعبيرا عن النظريات التى يحاول العلماء بواسطتها اختصار وتفسير نتائجهم بينما كانت الفلسفة المادية الديالكتيكية تحاول كل جهدها لنقد الافكار المثالية والميتافيزيقية التى تتغلغل فى العلوم من خلال صياغة مجموعة من القوانين على اساس الارتباطات الملحوظة فى الواقع التجريبية. لقد ابتعد الاسلام عن الفلسفة.لان الفلسفة قائمة على مباحث علم الكلام واسلوب الجدل وعلى اصول المنطق لاختلاط الحق فيها با لباطل. وكل ماتوصل اليه الفلاسفة والباحثين هى حقائق نسبية وليست حقائق مطلقة . وكان ينظر إلى الفلسفة نظرة ازدراء وبعضهم فلسفة الثرثرة فقد قال الفيلسوف فيتاغورس عن الكون (انه منفرد كامل كروى لان الكرة اكمل الاشياء وانه حى عاقل لان ماهو حى وعاقل خير مما ليس بحى وعاقل) فأن القران ينكر مثل هذا النوع من الاستنتاج الخيالى الذي يقدمه الفلاسفة القدماء . وامثال هذه الافكار الفلسفية القديمة الزائفة تسربت إلى الشرق وادت إلى تبلبل العقائد وادخال كثير من الخرافات فى الدين الاسلامى وان فلاسفة الاسلام اخذوا يفسرون الاسلام على ضوء هذه الخرفات ويؤولون القران وفق نظريات افلاطون وارسطو. ذلك لان بعض علماء القرون الوسطى وهم تلامذة الفلسفة اليونانية ماكانوا يعتمدون على عقولهم وتجاربهم ومشاهداتهم وانما كان الدليل رأى الفيلسوف فكل ماوافق رأى الفيلسوف فذاك علم وذاك هو الحق وماخالف فليس بعلم . فلم ينظروا إلى تأويل مايعنيه ويقوله افلاطون وارسطو ودون إن ينظروا فى حجتهم او انه منطقى تؤيده التجارب والمشاهدات والمحاكمات الصحيحة ام لا. فأن الفلسفة لاتستطيع الاجابة على عالم الغيب والغيبيات وماوراء الطبيعة لان عالم الغيب ليس فى مجال مدركاتنا الحسية حتى نستطيع الوصول اليها من خلال خبرتنا المباشرة فأن تأويل تلك الغيبيات يبقى مستغلقا على افكار الفلاسفة لان حقائق ماوراء الطبيعية المتيافيزيقية لاتخضع لادراكنا الحسى وبناء على ذلك فأن انباء الغيب لايصل الينا الا عن طريق الوحى والانبياء . فقد اثبت الباحثون يقينا قصور فلسفة اللغة وعجزها عن تناول مباحث ماوراء الطبيعة . وقد لقيت الفلسفة القديمة وتلاعبها اللفظى وسرابها الخادع حتفها بعد ضياعها فى متاهات الانطولوجيا (علم الوجود)

لقد عرف العرب فى عصر الجاهلية الفلسفة ، وبلغت اوجها بخطب قس بن ساعدة التى ورد فيها ( ايها الناس اسمعوا وعوا واذا وعيتم فأنتفعوا ، إن من عاش مات ، ومن مات فات ، ول ماهو ات ليل داج وسماء ذات ابراج ) وهى خطبة اشتملت على التنبؤ والنذر والبلاغة والتصوف الروحى . بدأت الافكار الفاسفية فى التكوين منذ عصر الدولة الاموية عهد بنى امية فقد نبغ فى دمشق كاتبان مسيحيان لجأ اليها هربا من اضطهاد اخوانهم فى الدين وهما يوحنا الدمشقى وثيودور ابو قارة . وكان لجدلهما الفلسفى اكبر الاثر فى نمو الاتجاهات الفلسفية بين المسلمين ثم انتشرت وتوسعت المفاهيم الفلسفية فى عصر الدولة العباسية وخاصة فى عصر المأمون بعد إن اطلع فلاسفة العرب فى ذلك العصر على كتب ارسطو وافلاطون الفلسفية وتداخلت افكارهم الاسلامية بالفلسفات الوثنية والادليات العقلية بالمقدمات المنطقية واختلط الحق بالباطل . الا إن الفيلسوف لايفهمه الا فيلسوف مثله , فكلام الفيلسوف للفلاسفة . ومن هنا حرم كتب الفلاسفة على العامة , او حرم كتب الفلاسفة إن تذكر فى كتب يطلع عليها العامة . وابن رشد (1126-1198) لايميز بين العامة والخاصة , وانما يقول إن الفلسفة فى كتب الفلسفة من يستطيع إن يقرأ كتب الفلسفة فليقرأها , لكنه كان يعيب على الغزالى انه نشر الافكار الفلسفية فى كتب غير فلسفية . وكان يعتقد إن الفلسفة هى ارقى مراتب المعرفة الدينية , وان الفلسفة يجب إن تبقى ملكا حصريا للنخبة وان لاتنتشر بين الناس لعجزهم عن استيعابها , ولم تلق اجتهادات ابن رشد اهتماما اسلاميا . وقد توصل ابن رشد بعد مناقشة طويلة للاشكاليات الفكرية فى كتبه فى نقاط نجملها فى الاتى :

اولا: إن الفرق الاسلامية المتنوعة لم تحرز الحقيقة المطلقة ، اذن لايمكن الزام الفيلسوف بأتباع اى من هذه الفرق .

ثانيا : إن الله يأمر بالبحث عن الحقيقة بالعلم والفيلسوف وحده يفهم الدين بالحقيقة .

ثالثا : إن الفلسفة هى اعلى غايات طبيعة الإنسان ، وهى درجة اقل من يستطيع بلوغها من الناس .

وتكاد هذه النقاط الثلاث تكون اهم مرتكزات الرشدية التى كثر خصومها وانصارها لما خلفته من وعى فكرى ، كما لايجب إن لاننسى إن كل قارىء لمولفات ابن رشد يلمس بأنه رجل دين ، فقد كتب فى احد مؤلفاته إن (اى شخص يدرس علم التشريح سوف يزداد ولاؤه وايمانه بقدرة  الله ووحدانيته) كما ظهرت اللمسة الدينية وولعه بالقران الكريم والاحاديث النبوية الشريفة فى اعماله الفلسفية اذ كان يستشهد بها فى دعم وجهات نظره فى قضايا متعددة ، وقد بدأت بواكير المشاريع الفكرية الرشدية فى ازاحة الحجب بين الشريعة والحكمة ، ويقول ابن رشد عن هذا التوجه المنهجى الفكرى الذي تبناه  ( يقوم دين الفيلسوف الخاص على دراسة ماهو كائن لان ارفع عبادة يمكن إن يعبد الله بها تقوم على معرفة ماصنع ، لما يؤدى اليه هذا من معرفتنا اياه على حقيقتها كلها ، وهذا هو اصلح الاعمال عند الله وذلك مع كون اخس االاعمل هو إن ينسب إلى الضلال والزهو والباطل من يرد إلى هذه العبادة التى هى اكرم العبادات ومن يعبده بهذا الدين الذي هو خير الاديان ) .


 


صوت للموضوع

1 2 3 4 5 (المجموع 0 الاصوات)
comment اضف تعليق (0 تم ارسالها)

الاكثر قراءه

الرئيسية | |اعلانات زواج | المنتدى | الاغاني | صحف ومجلات | دليل البرامج | عالم المرأة | انترنت للمبتدئيين | المنتدى | مركز الالعاب | تحميل الصور | دليل المواقع العربية | البوم الصور | جميلات العرب | مجلة كابتن انترنت | اعلانات تعارف | المدونات | مجلة الغربال الالكترونية | منتدى النخبة الثقافي | منتدى البرامج | منتدى المرأة | المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة LATEF.NET تصميم : لطيف مفيد -- ©Copyrights latef.net All Rights Reserved