في الحقيقة أنني لم أختر هذا العنوان لما اكتب من أجل الإثارة أو من أجل أن الفت انتباه القارئ الكريم، وهذا التوصيف لعصابات وقطعان المستوطنين الذين يجوبون الأراضي الفلسطينية المحتلة في كل اتجاه لم يكن من اختياري، كما أنني لم أفكر أبدا أن يكون عنوانا لمقال اكتبه بقدر ما كان توصيفا اختاره احد الكتاب الإسرائيليين عندما أراد الحديث عن هذه الفئة من شذاذ الآفاق المتعصبين، الذين اعتقدوا ولا زالوا بأن أرض فلسطين إنما هي الأرض التي وعدهم الله بها فأتوا من شتى بقاع الكون لكي يحققوا إرادة الله، ترى هل كانت هذه فعلا إرادة الله، وهل من الممكن أن يخطئ الله( حاشا لله) فيعد قتلة الأنبياء بمثل هذا الوعد، .
ونحن هنا لا نريد أن نخوض في هذه القضية المعقدة التي تتعلق بالإله ووعده لبني إسرائيل، لأن فيها من الغيبيات والتبعات ما يثير الكثير من اللغط والجدل الذي إذا ما ابتدأ فلن يكون له من نهاية.
لا إله للمستوطنين، هذا ما كان أحد الكتاب الإسرائيليين قد قاله في مقال نشرته جريدة هآرتس الإسرائيلية الصادرة باللغة الانجليزية عن هؤلاء قبل عملية إخلاء المغتصبات في قطاع غزة قبل أكثر من عامين، فيما أصبح يعرف بالانسحاب أحادي الجانب من قبل إسرائيل من قطاع غزة، وذلك عندما أقدمت الحكومة الإسرائيلية على اتخاذ تلك الخطوة بفعل المقاومة الفلسطينية، حيث يقول الكاتب في توصيفه لهؤلاء " إنهم الأكثر تعصبا وتطرفا، إنهم جاهزون لأن يَقْتلوا وأن يُقتلوا في سبيل أحلامهم المنحرفة" ويضيف قائلا " إن هؤلاء " ربما يعتمرون قبعات دينية جيدة الحياكة،لكن هؤلاء لا إله لهم".
ويضيف الكاتب لكن في مقال آخر وفي نفس الصحيفة في توصيفه لهؤلاء الذين لا إله لهم فيقول بأنهم"أعضاء عصابات إجرامية وسفاحون، إنهم خارجون على القانون" ، فإذا كان هذا حال هؤلاء من منظور كاتب إسرائيلي ترى كيف سيكون عليه الحال إذا ما نظر إليهم الفلسطينيون الذين اغتصب هؤلاء أرضهم وشردوهم وطردوهم من تلك الأراضي التي امتلكها أبناء الشعب الفلسطيني على مدى القرون الماضية.
مناسبة ما أكتبه الآن هو أنني وخلال ذهابي وإيابي إلى مقر عملي في مدينة رام الله التي لا تبعد عن مدينة بيت لحم حيث أقيم مسافة لا تزيد في أسوأ الأحوال عن 40 كيلومترا كان يتم قطعها في أقل من 25 ودقيقة في الظروف العادية، إلا أننا وبفعل هؤلاء الذين وصفهم الكاتب بأن لا إله لهم صار يلزمنا ما يزيد عن الساعة ونصف وأحيانا الساعتين وفي بعض الأحيان أكثر من ذلك، وعندما أقول أنهم هم السبب فلأنهم هم من زرع المنطقة الممتدة بين مدينتي بيت لحم ورام الله بالمستوطنات، هذه المستوطنات التي صارت سببا في أن يتم تحويل خط سير المركبات الفلسطينية المتجهة إلى رام الله من بيت لحم إلى طرق ما أنزل الله بها من سلطان، ولم تكن هذه الطرق سوى طرق عسكرية قديمة من مخلفات الجيش الأردني قبل عام 1967 ،والتي لم يكن يخطر في البال أنها سوف تستخدم يوما للسيارات المدنية حيث أنها تتسم بالصعوبة كما والخطورة عدا عن أنها ضيقة وغير مخصصة لهذا الاستخدام أصلا.
المناسبة هي كذلك أنني وخلال هذا السفر ذهابا وإيابا من والى رام الله، فانه لا بد لنا أن نمر من منطقة احد اكبر البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية والتي تخطط إسرائيل وبمباركة أميركية على ما يبدو ، لضمها إلى مدينة القدس "الكبرى" حسب المصطلح الإسرائيلي، والتي ستخضع بحسب الإسرائيليين للسيادة الإسرائيلية في أي حل مستقبلي، وخلال هذا المرور فإنه لا بد لنا من أن نشاهد قوافل سيارات هؤلاء الذين لا إله لهم وهي تدخل أو تخرج من تلك المستوطنة المعروفة باسم معاليه ادوميم التي تمتد على مسافة شاسعة من الأراضي الفلسطينية.
في الواقع أنني وعلى مدى الأيام والأشهر حاولت أن أراقب هؤلاء الذين لا إله لهم، وهم يخرجون أو يدخلون إلى المستوطنة " المدينة" أو يسافرون في سياراتهم على الطرقات، وهل من الممكن أن هؤلاء يمكن أن يكون لديهم أي إحساس بمن حولهم من الفلسطينيين الذين يمرون إلى جانبهم بسياراتهم، هل يحسون بنا أو يشعرون بشيء ما تجاهنا وما هو هذا الإحساس إن وجد.
أنظر في الوجوه أحاول أن أميزها، فلا أجد سوى وجوه كالحة ليس فيها تشابه أو قواسم مشتركة تدلل على أن هؤلاء أتوا من أصل أو منبت واحد، فيمكن أن يكون هؤلاء من كل الجنسيات ومن كل أقطار الدنيا، فمنهم الأشقر والأسمر والأصفر والقمحي والأسود،ترى ما الذي جمع كل هؤلاء وكيف ينسجمون وما هي العوامل المشتركة التي يمكن أن تشكل رابطا مقنعا بينهم وبين ثقافاتهم المختلفة، حيث يمكن التمييز أنهم من أصول وأعراق وثقافات مختلفة من خلال ألوانهم وأشكالهم.
حينما أرى هؤلاء أشعر بأن ما جمعهم هو كرههم لشعب فلسطين ورغبتهم في السيطرة على هذه الأرض بغض النظر عن قضية الأحقية أو عدمها، وبغض النظر عن الهذيان التوراتي والديني، كما وأشعر بأن لدى هؤلاء إيمانهم المطلق بأنهم لهم الحق في كل ما يقومون به، لا بل أشعر بأن هؤلاء لا يشبهون سوى العصابات من المرتزقة التي لا تكترث للمبادئ والأخلاقيات وليس من هم لها سوى أن تحقق أغراضها بغض النظر عن الطريقة التي من الممكن أن تستعمل من أجل الوصول إلى تلك الأهداف والأغراض أو الغايات.
عندما أنظر إليهم فإنني أجد بأنهم غير مكترثين لما قد سببوه ولا زالوا وسيظلون سببا له من قهر ومعاناة لأبناء فلسطين، وفي ذات الوقت أتساءل في كيف سيكون شعوري فيما لو أقدمت أنا على اغتصاب أرض لشخص ما، لا أستطيع أن أحتمل تلك الفكرة، حاولت كثيرا أن أضع نفسي في مكانهم إلا أنني صرت أشعر بالتقزز من نفسي لمجرد أنني يمكن أن أفكر بذلك، كيف لي أن أعطي لنفسي حقا هو ليس لي ولا هو ملكا لي وكيف يمكن أن استمر بالعيش هكذا بدون أن تهتز بداخلي أية مشاعر تجاه هؤلاء الذين أراهم بشكل يومي من حولي وأنا أدرك أنني اغتصب حقهم في الحياة واغتصب حقهم في الأرض وحقهم في العمل وحرية الحركة والعيش الكريم وما إلى ذلك من حقوق لأي إنسان مهما كان ومن يكون ....
عندما أدقق النظر في وجوه هؤلاء الذين لا إله لهم، أشعر كم كانت دقيقة تلك العبارة التي استعملها ذلك الكاتب، لقد كان توصيفا دقيقا لهؤلاء، فهم ليس فقط لا إله لهم، خاصة وأن هناك الكثير من الناس الذين لا إله لهم بالمعنى الديني للكلمة، إلا أنني اعتقد بأن ما قصده الكاتب هو أن هؤلاء لا ذمة ولا ضمير لهم، وأنهم بلا أخلاق أو قيم، وأنهم مجموعات من القتلة واللصوص الذين سطو على هذا الوطن تحت سمع وبصر العالم، هذا العالم الذي لم يتردد في أن يعترف بهم وأن يقسم هذه البقعة من الأرض ليعطيهم فيها وطنا مارسوا من خلاله كل ألوان الغطرسة والقتل والاغتصاب، علما بأن الجزء الآخر من القسمة لم يتم إقامة دولة للفلسطينيين عليه، لا بل وقد قام هؤلاء بالاستيلاء على الجزء المخصص للفلسطينيين، لتصبح فلسطين كلها تحت تصرف هذه العصابات، وصار العالم يساوم الفلسطينيين على هذا الذي لم يتبقى منه الكثير، وعلى أي حال إذا كان الكاتب لم يقصد هذا الذي قلته، فأنا شخصيا أقصده تماما فهم مجموعات من شذاذ الآفاق والقتلة واللصوص الذين فعلا لا إله لهم بكل المقاييس سواء كانت الدينية أو غير الدينية.
رشيد شاهين
بيت لحم 3-5-2008
sadapril2003@hotmail.com