كثيرا ما كنا نردد في جلسات الحوار والمسامرة بين الأصدقاء ، عندما كانت تحتد المناقشات ويعلو الصراخ من مختلف الأطراف لتصل المناقشة إلى طريق مسدود , كنا نردد :هل أصبحت القضية قضية الشرق الأوسط وكنا نعني بذلك الصراع العربي الإسرائيلي الذي مثل ومازال مشكلة شديدة التعقيد ،عصية على الحل ،في ظل تمسك الأطراف المختلفة بمطالبها وفي ظل غياب إرادة دولية وعربية ضاغطة باتجاه إيجاد حل عادل لهذه القضية رغم عقد العشرات من المؤتمرات والإفراج عن العديد من خرائط الطريق ومشاريع التفاهمات .
أجل، لقد ظل هذا الصراع محور كل النقاشات في دوائر القرار في الشرق الأوسط والعالم وبين مختلف أقطاب رسم السياسات العالمية طيلة السنوات الستين الماضية ، ولكن الذي ظل يدفع فاتورة هذا الصراع طيلة تلك السنوات ومازال هو الشعب الفلسطيني المسكين المحاصر على أرضه والمحروم من أبسط مقومات الحياة الكريمة ، هذا الشعب الذي شتت في كل بقاع الأرض وبقي الكثيرون منه على بعد أميال قليلة من موطن آبائهم وأجدادهم ،غير قادرين على رؤية تراب مساكنهم الأصلية وشم روائح أزهار حدائقها ، واليوم رغم كل هذا التعقيد والصعوبة التي تكتنف تفاصيل حل هذا الصراع الذي كنا نقارن المسائل الصعبة به إلا إننا نشهد أزمة باتت تتفوق في تعقيداتها وتأزم حلها على قضية الشرق الأوسط ،إنها قضية انتخاب رئيس للبنان فقد مضى الكثير من الوقت وتم تأجيل الكثير من جلسات انتخاب الرئيس في البرلمان ، وكرسي الرئاسة مازال شاغرا، واللبنانيون مازالوا يبحثون عن حبل النجاة لوطنهم من العواصف العاتية التي أخذت تهب عليهم من كل حدب وصوب ، ورغم كل المبررات التي يطلقها اللبنانيون لأسباب هذه الأزمة وربط حلها بالخارج ،إلا إن مفتاح الحل الحقيقي يكمن في جيب اللبنانيين أنفسهم ولا بديل لهم غير التحاور والجلوس إلى طاولة واحدة ، يضعون فوقها كل المشاكل والمسائل العالقة ،لانهم في النهاية هم من يتحمل نتائجها وعليهم ألا ينسوا أو يتناسوا سنوات الحرب الأهلية وما رافقها من إراقة للدماء وهدر للمال العام وانتهاك لحرمات ومقدسات الوطن الواحد ، لقد كانت سنوات الحرب كابوسا كتم على أنفاس اللبنانيين من كل الطوائف والملل وحول حياتهم الهنية إلى لعنة باتت تتخوف منها كل شعوب المنطقة والعالم .
وحتى لا تتكرر هذه اللعنة من جديد على أرض لبنان وحتى لا يرى اللبنانيون مآسي جديدة كالتي رأوها في الثمانينات من القرن الماضي، ينبغي على السياسيين الحريصين على سلامة وطنهم ووحدته وأمن مواطنيه ،أن ينصتوا إلى صوت العقل ويعودوا إلى قواعدهم الشعبية ليستمدوا من المواطن المسكين قوة الوطن ومحبة الوطن وكبرياءه ، عليهم أن يعيدوا صياغة مفهوم المواطنة الحقيقية المبنية على أساس الانتماء للبنان ، كل لبنان ، وليس على أساس الانتماء للحزب أو الطائفة أو المذهب لأن هذه المفاهيم لا تجلب معها سوى النيران التي تأكل في طريقها كل أخضر ويابس ، على السياسيين اللبنانيين والزعماء المرموقين أن يتنازلوا قليلا عن كبريائهم ، ويجلسوا سوية علهم يجدون حلا لأزمة الرئاسة في لبنان وغيرها من المسائل ، لأنه مع إطالة أمد هذه الأزمة تتعقد المسائل أكثر فأكثر ويصعب الحل أكثر وتتكثف هذه السحابة الدخانية المليئة بالغبار والأتربة لتحجب شيئا فشيئا الرؤية الواضحة والصحيحة للأمور عن أعين اللبنانيين قبل أن تحجب شمس الأمل عن ربوع بيروت ، عروس الشرق ،ودرة الماضي الحضاري العريق.
الدكتور شمدين شمدين