في مقال كنت قد كتبته قبل ما يزيد على أسابيع ثلاثة تعرضت فيه إلى مقال كانت قد كتبته الزميلة امتياز المغربي حول ما يجري في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية "من فساد مالي وإداري وفني وأخلاقي" كما قالت، والتي تم تحريك قضية أمام المدعي العام ضدها بسببه.
لم أكد انشر ذلك المقال حتى وردني كم غير قليل حتى لا أقول هائل، من الرسائل عبر البريد الالكتروني والتي كان فيها ما يمكن أن أصفه بأنه سيل من الاتهامات التي يوجهها مرسلو تلك الرسائل ضد هيئة الإذاعة والتلفزيون، كما أن فيها من الكلام ما لا يمكن أن ينشر لأن فيه أحيانا من الإساءات غير المبررة والتي لا يمكن أن نتفق معها حتى لو افترضنا أن في تلك الاتهامات الكثير من الصحة، لأننا نعتقد بأن الغرض من إثارة الموضوع أساسا لم يكن بقصد التعريض أو التشويه أو الإساءة لأي كان، ولأننا نعتقد بأن الأمور لا يمكن أن تعالج من خلال الشتائم وتوجيه السباب والإساءات، ولأننا نعتقد كذلك بأن علينا أن نرتقي بمستوى معالجة أي قضية إلى مستوى عال من المسؤولية وأن نبتعد عن الغوغائية واللغة المتدنية في التعامل.
في الواقع أنني كنت أود أن أكتب حول ذات الموضوع بعد يومين أو ثلاثة، إلا أنني لم أستطع أن افعل لأسباب كثيرة ويبدو أنني حسنا فعلت، حيث لم يكن بالإمكان أن يصلني ما وصلني خلال تلك الفترة القصيرة.
وحيث أنني لا يمكنني أن اعتمد على ما جاء في تلك الرسائل – برغم احترامي وتقديري لكل من أرسل حتى ولو ملاحظة أو معلومة صغيرة مهما كان حجمها- فإنني امتنع عن ذكر كل أو أي مما جاء بها، وذلك لأنني لا أستطيع أن اثبت ما قيل، هذا عدا عن أنني لا استطيع أن أعتمد على ما قيل كمسلمات يمكن الاستناد إليها خاصة وأن بعضا مما قيل وبحسب ما اعتقد فيه الكثير من المبالغة. عدا عن أنني لا أريد أن أكون المتهم الثاني بعد الزميلة امتياز المغربي في قضية أمام المدعي العام.
ما أثار انتباهي في الحقيقة هو المعلومات التي يمكن أن أقول بأنها استعراض لواقع الحال في تلك المؤسسة الهامة والتي تتحدث أحيانا بتفصيل عما هو جار في الهيئة، هذه الهيئة التي وكما نعتقد من المفروض أنها تتحمل عبئا كبيرا خاصة في ظل الهجمة الإعلامية المعادية التي يتم شنها في كل وسائل الإعلام على كل ما هو فلسطيني في محاولة لتشويه الحقائق وتزوير التاريخ، والتي لا تترك شاردة ولا واردة إلا وتتعامل معها وتفندها وتناقشها في محاولة لإثبات زيفها، بينما الواقع في أهم هيئة فلسطينية متخصصة في الإعلام والتي يجب أن تكون ندا قويا لتلك المؤسسات، تراوح مكانها لا بل هي في تراجع وتََرَدٍ يبعث على الأسى كما وعلى التساؤل حول من ذا الذي يقف وراء هذا التردي غير المبرر وعدم الارتقاء بالأداء الإعلامي الفلسطيني إلى مستوى أفضل.
المعلومات أو الرسائل التي استلمت كان فيها استعراض لما تم في ملف أو قضية العاملين المفصولين الذين تم تجميد قرار فصلهم، وأن القائمة "تم توقيعها من قبل رئيس الهيئة برغم نفيه لذلك" كما تقول الرسائل، حيث يُعْتقد بأن فتح ملف هؤلاء العاملين "أثار الكثير من الغضب في نفوس العاملين" على اعتبار أن هؤلاء "ليس هم من يقف وراء ما هو معروف بالفساد في الهيئة وأن هؤلاء إنما تتم ملاحقتهم وإثارة موضوعهم بين فترة وأخرى من أجل التغطية على الفساد المستشري في الهيئة".
لقد قال أحدهم في بأن المشكلة في الهيئة تتعلق "بسوء الإدارة في أحيان كثيرة وأن من يعتقد بأنه قد يكون إعلاميا فذا ليس بالضرورة أن يكون كذلك في مجال الإدارة خاصة وأن الإدارة تخصص مختلف تماما عن الإعلام، وأن تكون صحفيا لامعا لا يعني بالضرورة أنك تستطيع أن تدير بقالة" كما ورد في الرسالة. وأشار آخر إلى ما قاله السيد نمر حماد مستشار السيد الرئيس محمود عباس من أن الهدف "هو إصلاح بحت للنهوض بالإعلام الفلسطيني" والذي أشار إلى وجود "44 سائقا مفرغين للعمل في التلفزيون ولا يوجد إلا ست سيارات فقط"، وتساءل فيما إذا كانت محاربة الفساد تبدأ من هؤلاء السواق وفيما إذا كان هذا هو الملف الأهم والأخطر.
ما أود الإشارة إليه هنا هو أنني وفي الوقت الذي أكتب باستمرار في العديد من المواقع الاليكترونية وما بات يعرف بالوكالات الاليكترونية، إلا أنني فوجئت بأن العديد من تلك المواقع التي عادة ما تقوم بنشر كل ما أُرْسِلْ إليها من مقالات امتنعت عن نشر مقالي السابق، وقد فوجئت بهذا الامتناع عن نشر تلك المقالة تحديدا ذلك أن الوضع الطبيعي هو أن تقوم كل تلك المواقع بنشر المقال المشار إليه خاصة وأنها تتعرض لزميلة إعلامية ينبغي أن ندافع عنها لا أن نتوقف أمام مقالة تتحدث عن قضيتها في حسابات ضيقة لا تنم عن روح إعلامية أو صحفية بالمطلق بل تبين بأن هنالك من الحسابات الكثيرة المختلفة التي على أساسها يتم نشر هذا المقال أو ذاك. لكن يبدو أن ذلك حدث مع الزميلة المغربي نفسها وذلك حين قامت بعض المواقع بسحب مقالها عن تلك الصفحات بحجة تعرضها "لتهديدات من باسم أبو سمية بأنه سيقوم بمقاضاة تلك الوكالات" كما قالت الزميلة المغربي.
إن ما أشرت إليه يعني بأن الخلل ليس في المؤسسة الإعلامية الرسمية فقط بل هو ممتد إلى المؤسسات الإعلامية غير الرسمية وهذا يجعنا نتساءل فيما إذا كان هذا الخلل الذي يطال الرسمي وغير الرسمي ناتج عن عقلية معينة وهل هي ظاهرة أو تكاد أن تشكل ظاهرة تستحق التوقف أمامها من أجل دراستها.
عندما أقول هذا الكلام فإنني استند إلى ما افهمه في مهمة الإعلام أو الصحافة وبالتالي الإعلامي أو الصحفي، فأنا شخصيا أعتقد بأن مهمة الإعلام والإعلامي هي إظهار الحقيقة وكشفها أمام الناس بدون تزييف أو مجاملة على حساب الحقيقة، وألا يتم تغطيتها أو محاولة إخفائها، كما أن مهمة الإعلامي –الذي لا يحسب الأمور بشكل ضيق وشخصي- هي في تسليط الضوء على مكامن الخلل والفساد والمرض وفضح المفسدين الذين يقفون وراء هذا الواقع المزري الذي وصل إليه الحال ليس فقط في هيئة الإذاعة والتلفزيون لا بل في كل المؤسسات التي تدور حولها شبهة الفساد.
أعلم تماما بأن لكل طموحه واعرف أيضا أن الطموح قضية مبررة وقد تكون حافزا على الإبداع والمثابرة، لكن هذا الطموح لا يجب أن يكون سببا في طمس الحقائق ولا يجب أن يكون على حساب المبادئ والقيم وأخلاقيات المهنة والتلطي وراء خوف مزعوم أو ضغط موهوم من هذه الجهة أو تلك .
الحديث في قضية الزميلة المغربي ليس حديثا في الممنوعات ولا هو اتهاما للهيئة بقدر ما هو محاولة للقول بأن من حق الناس أن تنتقد وأن تثير التساؤلات وأن تنبش في كل القصص، ولا أدري إن كان الذين يقومون على إدارة بعض المواقع أو الوكالات يعلمون بأن الكثير من أهم قضايا الفساد والفضائح التي طالت أهم الشخصيات العالمية وأطاحت برؤساء أكبر دول العالم وغيرت رؤساء حكومات وحكومات كان وراءها كتاب أو رجال صحافة وإعلام أبَوْ إلا أن يقولوا الحقيقة وألا يهادنوا أو يتراجعوا، وأن يكشفوا تلك الحقيقة كما هي عارية بدون رتوش ولم تأخذهم في قول ذلك لومة لائم.
إن ما قالته الزميلة المغربي حول المساومات التي "قام بها محامي هيئة الإذاعة والتلفزيون عندما قامت بالاتصال به للاستفسار عن القضية أو التهم المنسوبة إليها وعن طلبه منها أن تقوم بنفي ما قالته في مقال من خلال مقال آخر تقول فيه ما هو مخالف لما كتب في المقال الأول" لا يمكن أن نفهمها إلا من خلال أن المحامي حاول توريطها وإدانتها بشكل لا يقبل الشك، وهذا ربما يكون الدليل الوحيد ضدها وهي عندما رفضت أن تقوم بذلك فإنما خيرا فعلت وإلا لكانت " من فمها أو من قلمها تمت إدانتها".
إن محاولات التخويف أو التهديد التي تتم ممارستها ضد كل من يريد أن يفتح فمه بانتقاد أو اعتراض على هذه المؤسسة أو تلك، يجب أن تتوقف، حيث لا يمكن الارتقاء أو التقدم أماما في وطن لا يجرؤ المواطن أو الصحفي أو الإعلامي أن يفتح فمه أو أن يكتب رأيا أو مقالا إلا إذا كان يخدم هذه الفئة أو تلك، كما أن على السادة المسؤولين في هذا الوطن أن لا يتعاملوا مع من يوجه نقدا أو اعتراضا على أنه شخصا -مدسوسا – غريبا- أو غير مرغوب فيه، لأن في ذلك مزيدا من الخراب والتردي لوطن هو أصلا على كف عفريت نعرفه جميعا ألا وهو الاحتلال الذي نخرنا حتى النخاع منذ ما يزيد على الأربعين عاما..
بيت لحم
25-4-2008
sadapril2003@hotmail.com