الثقافة ذاكرة وحافظة ومعرفة وابداع ، الثقافة اتساع وتهذيب وسفر لا ينقطع تواصله من الازمنة الغابرة الى الحاضرة والسائرة للامام ، الثقافة متاع ، الثقافة كشف وتحقيق وانتاج واختراع ، الثقافة وجدان ماهية الشعوب ، الثقافة تتصلب احيانا واحيانا تذوب !
القوة القاهرة والمتجبرة والباغية و المستبدة والمتعسفة لها ذاكرة لا تختزن الا حاضرها الذي تريده مخلدا ، كان هذا شأن النازية والفاشية وهذا هو حال العولمة الامريكية الان التي تجسم كل رذائل ما قبلها وتفيض عليها نرجسية وتزييف ، الطاعون العولمي الامريكي يعلن نفسه امبراطورا بلا منازع ويقسم العالم اما معه او ضده ، ومن هم بين البينين فلهم عنده دواء الاخضاع بالحث وبالواسطة ـ سلة العملات ودولارها السيد ، صندوق النقد الدولي منظمة التجارة العالمية ، البنك الدولي ، وان اقتضى الامر فمجلس الامن الدولي ، والنفط هو وسيلة وغاية القرن الامريكي الذي لا يأمن شر المتغيرات الا بضمان بدائله التي لا يريدها ان تتحقق الان !
ردة فعل اهل العراق تؤطرها ثقافتهم ، تؤطرها توازناتهم المتأصلة تاريخيا ـ نفسيا ، واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وفكريا ـ ليس فقط وقت وقوع الواقعة وحسب وانما بحساب ما قبلها وما بعدها بحساب مدياتها وتفاعلاتها !
لحظة دخول الدبابات الامريكية ساحة الفردوس يوم 9 نيسان 2003 لحظة تختلط فيها خيوط بعيدة وقريبة وتتعرج وتتداخل لتشكل كومة خيوط ملتفة حول بعضها كحالة الشرنقة التي لا يكون مستبعدا انها ذاتها حاضنة لدورة حياة تاريخ جديد ـ عذري ـ !
لحظة متجهمة عبوسة ، متجشمة عناء زمنها المبتلي بمدمن لا تستوقفه روادع نحو انجاز مشروعه في قتل الاخر وسرقته ، لحظة عرفتها معارك ام قصر، وعرفتها الناصرية وسدة الهندية وابو غريب واخيرا عرفها مطار بغداد ، لحظة مجهزة بكل العوامل الهوليودية لاخراج لقطة تكون رمزا لها ، وكان ياما كان وفي زمن اللحظة وخارجها خرج صدام محمولا على الاكتاف في الاعظمية وهو يهم ليعبر جسر الائمة نحو الكاظمية ، كان الاهالي يلوحون وهو يبتسم !
ساحة الفردوس احتلت والتماثيل حطمت والقصور والمتاحف نهبت ، بعد ان كانت المصانع والمدارس والمستشفيات قد هدمت ، والجسور والطرق تقطعت ، والجيوش ابيدت ، والمدن قصفت !
رغم كل هذا الطقس القاصف والمدمر فانه حتى هذه اللحظة لم يستسلم الرصافي ولم تقتل روحه في الساحات وهكذا الحال مع عبد المحسن الكاظمي و جواد سليم كلهم يؤشرون للمقاومين ويستنهضون الناس ، مسلة جواد سليم تكسر في النفوس حواجز المستعمرين وسجونهم وتحرك ضمائر الناس .
فجروا تمثال ابو جعفر المنصور في مدينته لكنه باق بروحه ولن يغادرها فالساحة ساحته ، حتى تمثال السعدون سرقوه وربما اذابوه ليستخرجوا روحه من سبيكة البرنز ، التمثال انصهر او رجع شبيهه لايهم ، المهم ان روحه لن تغادر الذاكرة ابدا !
يوسف الصائغ لم يتحمل اللحظة ففارق الحياة لكن قصائده مخزونة وهي حية في نسيج ثقافتنا المنيع ،
مدني صالح كذلك ، وربما راسم الجميلي ايضا ؟
اخرون كثيرون يتنادون فرادا وجماعات ، ليسيروا تحت لافتة جواد سليم ، ليقاموا مع المقاومين في ساحة التحرير !
ابحث في كلكامش طه باقر ، وقل ولا تقل لمصطفى جواد ، وتاريخ جواد علي ، وعلي جواد الطاهر، ابحث في علي الوردي ، والوتري ، وجعفر ضياء جعفر ، ورحاب ، ونازك الملائكة ، والسياب ، ابحث في جعفر ابو التمن ، وبيا صليوة ، وفكرت جاويد ، وفهد ، وسلام عادل ، والجواهري ، وحنا بطاطو ، ابحث في ماهر عبد الرشيد وفي سلطان هاشم وفي فؤاد الركابي ابحث في الشيخ ضاري وشعلان ابو الجون ابحث في سعدي يوسف وغائب طعمة فرمان وحسين مردان وعبد الرزاق عبد الواحد ولميعة عباس عمارة وعبد الرحمن مجيد الربيعي ، ابحث في الفلوجة والنجف وكركوك والموصل والبصرة ، ابحث عن العراق ستجده مرسوما في لافتة تقاوم المحتلين في الليل والنهار وسط بغداد وسط ساحة التحرير !
.