آن الأوان أن نعترف نحن الفلسطينيين بالمأزق الخطير الذي تشهده الساحة الفلسطينية الداخلية والذي عبر عن نفسه بالفصل الحاد بين قطاع غزة والضفة الغربية وفشل كل محاولات راب الصدع الفلسطيني نظرا لعدم جاهزية حركتي فتح وحماس للتقدم خطوة واحدة للإمام لردم الفجوة الخطيرة التي جاءت كنتاج طبيعي للاقتتال الداخلي الذي بدأ يعبر عن نفسه بإشكال متعددة عكست التشرذم والاحتقان وإقصاء الآخر.
وكانت المبادرة اليمنية التي توجت بإعلان صنعاء الذي لم يرى النور أو ولد ميتا كما قال ياسر عبد ربة أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية هي الملاذ الأخير والإمكانية الواقعية للجلوس على طاولة الحوار لإعادة الأوضاع لسابق عهدها، لكن جهابذة السياسة الفلسطينيين خرجوا وقبل أن يجف حبر الاتفاق ليطعنوا ويفسروا ويتنبؤا حاملين ليباشروا دون سابق إنذار بحفر القبر لدفن المبادرة التي سلبت لب الشعب الفلسطيني الذي خرج بعفوية صادقة تأييدا لها.
لقد ثبت بالملموس وبعد عاصفة التصريحات والمواقف التي أعقبت إعلان صنعاء أن المشهد الفلسطيني يعيش تفاعلات الانقسام السياسي الحاد وترسيخ لواقع الانقسام والفصل السياسي والجغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية، وأننا دخلنا طريق باتجاه واحد لا يمكن أن يشكل نقطة لقاء بين الحركتين الكبيرتين فتح وحماس، خاصة أن كل حركة متمترسة خلف مواقف لا يمكن التزحزح عنها مع الأخذ بعين الاعتبار التأثيرات الخارجية التي لعبت دورا محوريا في توسيع شقة الخلاف والمساهمة في ترسيم واقع جديد على الأرض بتنا نحن الفلسطينيون نعيشه يوميا.
لقد عبر الواقع الجديد عن نفسه بحكومتان واحدة في الضفة وأخرى في غزة كل حكومة لها أجندتها وسياستها وسجونها وقوانينها وعلاقاتها الدولية وهراواتها، الواقع الفلسطيني الجديد افرز قيادات لها مصلحة في بقاء الحال على ما هو علية، قيادات ذاقت طعم السلطة المدغدغ للذات المدافعة عن أسباب وجودها والمدركة أن في الحوار مقتلها، وإلا لماذا هذا الجنون في التصريحات النارية التي لا تعرف سوى لغة السباب والتخوين وإدارة الظهر لكل المبادرات المطالبة بعودة الأوضاع الفلسطينية لطبيعتها.
المشكلة تكمن في ثنائية اللغة التي يستخدمها الطرفان مع الآخر، ففي قطاع غزة استعداد كامل للتهدئة ووقف إطلاق الصواريخ لأخذ استراحة المحارب أو بشكل أدق إعادة ترتيب الأوراق، والضفة الغربية حدث ولا حرج حيث الجلسات التفاوضية مع دولة الاحتلال تتسارع سرا وعلنا، والاحتلال الإسرائيلي بات مدركا لطبيعة اللعبة الفلسطينية وبدء يحركها بما يتناسب ومصالحة فأمعن في جرائمه في الضفة والقطاع وأعلن بكل وضوح عن استراتيجيتة السياسية التي لا تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني وثوابته، وبدا يتحفنا بما يسميها مبادرات حسن النية بإزالة بعض الحواجز وإصدار عشرات التصاريح لرجال أعمال وطبعا أبقى على عمليات الاغتيال والاعتقال والتوغلات ومصادرة الأراضي الفلسطينية.
إن الوضع على الساحة الفلسطينية مرتبط بالتفاعلات التي تشهدها المنطقة العربية، تفاعلات تعبر عن حالة غليان تراكم أسباب اندلاع حرب في المنطقة العربية، حرب تم الإعلان عنها بلغة التهديدات وعرض العضلات من قبل دولة الاحتلال التي تجري مناورات عسكرية بين الحية والآخر، وفي الجانب الآخر إعلان حزب اللة أنة على أتم الجاهزية لمواجهة إسرائيل التي تحمل أسباب زوالها، وما دعوة سورية للاحتياط إلا إشارة على إمكانية اندلاع حرب قد تكون الأخطر في المنطقة العربية التي تشهد تحالفات عبر عن نفسها في قمة دمشق، والزيارات المكوكية لوزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس.
هناك رهان واضح عند الأطراف الفلسطينية المتصارعة على نتائج أي حرب قادمة، ويتجلى ذلك في المواقف والتحالفات، مما يؤكد أن الخروج من المأزق الفلسطيني الداخلي لن يتم بالجلوس على طاولة الحوار، وان الحسم العسكري المستقبلي في المنطقة سيلقي بظلاله على الشعب الفلسطيني الذي سيدفع ثمنا باهظا جراء عدم الحيادية، وهذا يقودنا إلى استخلاص مفاده أن إعلان صنعاء لن يخرج عن إطار المماطلة والتكتيك السياسي لإبقاء الوضع على ما هو علية، ولن العودة بالوضع الفلسطيني إلى الوراء بعيد المنال.