مع توصل طرفي "النزاع" في قيادتي حركة فتح وكذلك حماس، أو "الأخوة الأعداء" إذا جاز التعبير، إلى الاتفاق حول المبادرة التي أطلقها الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، سرت حالة "البهجة والسرور" في الشارع الفلسطيني، وقد شاهدت كما وسمعت العديد من المواطنين وهم يتبادلون التهاني والتبريكات بهذه المناسبة، كما ولاحظت على وجوه البعض بسمة حقيقية تعبر عن حالة من الانفراج والفرح.
برغم أن هذه الحالة- السرور والغبطة- كانت السمة العامة في الشارع، إلا أنه وبالمقابل كانت هنالك حالة من الحذر الشديد لدى الكثيرين حول توقيع الاتفاقية أو المبادرة، والتي يمكن فهمها بدون شك، وذلك لكثرة الاتفاقيات التي تم توقيعها بين الطرفين، والتي كانت تنتهي بكلمات "رنانة وشعارات طنانة لم يتم ترجمتها على الأرض بشكل حقيقي بحسب بعض المواطنين" عن حرمة الدم الفلسطيني وحرمة الاقتتال وضرورة الوحدة الفلسطينية كما وكل المحرمات والخطوط بغض النظر عن لونها سواء كانت الحمراء أو غير الحمراء.
على أي حال فإننا نعتقد أن كلا الحالتين مبرر ومشروع، ولا يمكن إلا أن نجد العذر لكلا الطرفين. فالأول يعتقد بأن هذا الخبر يبعث على التفاؤل والسعادة وهو كذلك يعتقد بأن هذا الاتفاق قد يعيد إلى القضية الفلسطينية رونقها وأهميتها وأن تعود فتأخذ مكانتها ومكانها الطبيعي في الأحداث الدائرة في المنطقة، خاصة لما لهذه القضية من أبعاد على الأقل نفسية في الضمير العربي والإسلامي.
وأما بالنسبة للطرف الثاني- الحذر - فهو أيضا معه الحق كله، خاصة في ظل التجربة لا بل التجارب المريرة والسيئة وغير المشرقة التي مرت بها الساحة الفلسطينية خلال المرحلة القريبة الماضية والتي سقط فيها من الضحايا من أبناء فلسطين بأيد فلسطينية ما لم يحدث من قبل، وربما هو فاق ما سقط على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي.
المتفائلون يعتقدون بإن ما سقط من ضحايا سواء قتلى أو جرحى أو معوقين، وخراب وتدمير كبيرين – وخراب بيوت كثيرة وتشتيت شمل خاصة من قطاع غزة- قد يكون هو الدرس الذي تعلمه طرفي "النزاع" الفلسطينيين، ويعتقدون بأن ما سال من دم مجاني خلال دورة "الصراع والعنف" على السلطة قد يكون "اشبع نهم" من كانوا سببا في إسالة دماء كثيرة واشبع بالتالي غريزة القتل الموجودة لدى هؤلاء.
أما المتفائلون بحذر، فإنهم يذكرون بكل الاتفاقات، ومنهم من يقول بأن لا مشكلة مع كل الاتفاقات التي تم توقيعها في غزة وغير غزة، لا بل يقولون بأنهم لن يتوقفوا أمام كل تلك الاتفاقيات، إلا أنهم يصرون على التوقف أمام اتفاق مكة، هذا الاتفاق الذي تم برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله حيث تم توقيع الاتفاق المذكور في أقدس بقعة في العالم بالنسبة للمسلمين، وقد كانت كثير من تصريحات الوفدين في حينه تشير إلى هذه القضية - قدسية المكان- لا بل هم قالوا بان اختيار مكة جاء على تك الخلفية وحتى لا " يتجرا" أحد على نقض تلك الاتفاقية بسبب أو بدون سبب.
ويضيف هؤلاء بان من لم يحترم اتفاقية مكة – بغض النظر عن كل سابقاتها- لن يكون لديه مشكلة أو مانعا في أن ينقض اتفاقية اليمن أو صنعاء أو أي اتفاقية أخرى في أي بلد أو عاصمة أخرى، خاصة وأن الاتفاق بين الفلسطينيين صار عرضة للتدخلات العربية وغير العربية وصارت بعض الأجندات سواء العربية أو الإقليمية أو الدولية تلعب دورا كما وتتدخل بشكل سافر في المسالة الفلسطينية.
الحذرون يقولون أيضا بأن الخلافات العربية ورغبة هذه الدولة أو تلك بالتفرد بالمسالة الفلسطينية كما والرغبة في إفشال مساعي هذه الدولة العربية أو تلك بسبب التنافس والخلافات العربية التاريخية التي يعلمها الجميع، يلعب دورا هاما في قضية الاتفاق أو الاختلاف الفلسطيني، فمن يضمن بأن هذا الرئيس العربي أو ذاك سوف يكون راضيا عن توقيع الاتفاق في عاصمة اليمن، وعليه فإنه لن يكون غريبا إذا ما عملت هذه الدولة أو تلك على إفشال الاتفاق الذي تم توقيعه.
في خضم هذه المشاعر التي تعم الشارع الفلسطيني والتي هي كما قلنا مبررة ومشروعة، فانه صار لزاما على قيادتي الحركتين أن يدركا بأن الحل والربط برغم التأثير الهائل للعوامل الخارجية (العربية، ألإسرائيلية، الإقليمية والدولية) -وهم بالضرورة مدركون لذلك- بأن إنجاح الاتفاق إنما هو في اليد الفلسطينية، وأن هذه القيادات تستطيع إجهاض وإفشال أي محاولات للتدخل في الشؤون الفلسطينية إذا ما كانا هنالك حرص حقيقي على القضية الفلسطينية وعلى المصالح العليا للشعب الفلسطيني أو إذا ما توفرت النية الصادقة من أجل بناء البيت الفلسطيني أو ترميمه وإعادة إعماره كما وإعادة اللحمة الى شطري الوطن.
بالإضافة إلى هذا فإن على قيادتي الفصيلين أن يتوقفا عن التعامل مع القضية الفلسطينية وكأنما هي "ملكية" خاصة أو "مزرعة" تورثها هذا الفصيل أو ذاك عن "آباءه وأجداده" وأن ليس من حق أي منهما أن يرمي بها في مهب الريح "إكراما" لمصالح فصيله، كما أن لدى الناس بشكل عام أمل في قادة حركة حماس بـأن يتوقفوا عن استعمال سيف "الدين" على رقاب العالم من اجل الترهيب والترغيب لان هذا بتقديرنا خطر لا يماثله أي خطر وان يتعاملوا على قاعدة أن الدين لله والوطن للجميع، وأخيرا فإننا نتمنى أن تكون النوايا صادقة لدى طرفي "النزاع" وذلك من أجل الوصول بالقضية الفلسطينية وبالشعب الفلسطيني إلى شاطئ الأمان.
Sadapril2003@hotmail.com
بيت لحم 23-3-2208