الرئيسية صحافة تعارف زواج المنتدى البرامج مدونات المرأة الاغاني الدليل العاب
الصفحه الرئيسيه | اجعلنا صفحتك الرئيسيه | أضفنا الى المفضله

كتاب شبكة لطيف

حمل صورك مجانا

بحث  

* مجلة الغربال الالكترونية

* منتدى النخبة الثقافي

* منتدى البرامج

* منتدى المرأة

منتدى شبيبة فلسطين

أعلن بالموقع

* ابعث مادة للنشر


الاخبار

الساحة الفلسطينية

الساحة اللبنانية

الساحة العراقية

الصحافة الاسرائيلية

ادب وثقافة

قضايا واراء

منوعات

بحوث ودراسات

حوارات / لقاءات

الاخبار الفنية

عالم الكتاب

فهرس الموضوعات

mo tu we th fr sa su
12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031

اضف بريدك الالكتروني ليصلك الجديد


التصويت:

ما رايك بالموقع


email ارسل لصديقك | print اطبع | comment اضف تعليق (0 تم ارسالها)

مشاهداتي في ذكرى الحرب على العراق، لقد كنت هناك

بقلم رشيد شاهين - فلسطين on مارس 21,2008

image


   بعد خمسة أعوام من بداية الحرب على العراق حيث اخترت أن أكون أو أن أعيش، لا يمكن إلا أن استذكر هذا اليوم الذي بدأ بشكل مبكر في بغداد لا بل على العالم، فلقد كانت بدايته صاخبة مرعبة لا يمكن تصورها بسبب هذا الكم من القذائف والصواريخ التي سقطت على كل زاوية في العاصمة العراقية، لقد ابتدأ فجر بغداد بموت تحمله كل تلك الصواريخ التي انهالت على رؤوسنا من كل حدب وصوب تقتل بلا تمييز أو رحمة.

  في مثل هذا اليوم من شهر آذار عام 2003 كنت وجميع أهل العراق في ترقب لما قد تقوم به قوات ما سمي بالتحالف، خاصة في ظل الإنذار الذي وجهه الرئيس الأميركي جورج بوش للقيادة العراقية وتحديدا الرئيس العراقي – الراحل- صدام حسين ونجليه بمغادرة العراق إذا ما أراد هؤلاء تجنيب العراق حربا –لم تبقي ولم تذر- برغم ما كان قد ردده من أن "الحرب على العراق ستكون حربا نظيفة".

    ولمن لا يعرف العراق فإن – آذار هذا البلد – من أجمل –الآذارات - حيث يكون قد ابتدأ ربيع هذا القطر بشكل مبكر وهي فرصة للناس هناك  كي يستمتعوا في هذه الأوقات التي تسبق عادة حر الصيف في بلاد الرافدين غير المحتمل. إلا أن بوش وإدارته المتصهينة صمموا في ذلك العام إلا أن يحرموا العراقيين متعة "آذارهم"، وأن يهاجموا العراق، بغض النظر عن كل المواقف العالمية - بما في ذلك فرق التفتيش التي كان يسميها الإعلام العراقي بفرق الجواسيس- التي كانت تقف ضد هذه الحرب التي انتهت باحتلال العراق، وكانت تطالب كما معظم العالم بمنحها مزيدا من الوقت لأنها كانت " تحرز تقدما في عمليات التفتيش".

    كانت الأجواء في العراق وبدون شك في كل المنطقة العربية وكذا العالم، مشحونة متوترة، وهي كانت بالضرورة في "بغداد العرب" - حيث كنت وعائلتي- أكثر توترا وانتظارا وترقبا، وكانت رائحة الحرب تزكم الأنوف، وحالة من الوجل والخوف والانتظار تسود بين سكان العاصمة الذين أصروا على البقاء في مدينتهم الرائعة. حالة الخوف في الحقيقة لم تكن ناتجة عما سوف تأتي به الحرب من قذائف وصواريخ لا يمكن لأحد أن يعلم أين ستسقط ومن ستقتُل،- فالعراقيون تعودوا على الحروب خلال العشرين سنة التي سبقت هذه الحرب،- بقدر ما كانت ناجمة عما ستخلفه هذه الحرب من دمار وخراب للبنى التحتية في بلد عانى من دمار لم يكتمل في بعض الحالات أو ربما قي الكثير منها  إصلاحه نتيجة حرب العام 1991 أو ما يطلق عليها البعض "حرب تحرير الكويت".

    لقد كان التفكير منصبا في معظمه على المعاناة اليومية التي سوف تنتج عن الحرب والعودة إلى انقطاع التيار الكهربائي وفقدان الماء الصالح للشرب وانقطاع الوقود ومشتقات النفط، هذا عدا عن معاناة المرضى الذين يعانون من نقص كبير في الأدوية نتيجة الحصار اللا إنساني الذي فرض على العراق بعد دخول القوات العراقية إلى الكويت في آب 1990 والذي تم تطبيقه بحذافيره من قبل "الأشقاء" العرب والمسلمين.

لم نكن نتصور أن ليلة الخميس ستكون هي ليلة الهجوم وبداية الحرب على العراق، كنا نتجمع أمام البيوت والشقق نتداول بحذر هذا الذي يحدث وما هي إمكانيات الحرب وكيف ستكون، وكان الكل يشعر بقرب الحرب لكن لا احد يدري متى ولا كيف أو كم ستطول. كانت أحاديثنا لا تتجاوز ما هو مسموح به في ظل الظروف السياسية السائدة التي لم تكن تسمح بأن نتحدث إلا ضمن سقف نعرفه بشكل ضمني في ظل نظام حزب البعث وهو سقف على أي حال لم يكن عال كثيرا والكل يعرف ارتفاعه.

ليل الخميس في بغداد كان مختلفا، كان فيه الكثير من الهدوء- الذي يسبق العاصفة- وفيه الكثير من الصمت وربما السكينة، وكذلك الحذر، إلا أن أحدا لم يكن يعلم – باستثناء من اتخذوا قرار الحرب طبعا - بأننا سوف نستفيق في الصباح التالي على أصوات الانفجارات ورؤية أعمدة الدخان في شتى إرجاء العاصمة العراقية.

وحول مشاهداتي الشخصية فقد ألفت كتابا حول سقوط بغداد في يد تتار العصر بعنوان- هكذا سقطت بغداد- وضمنته فصلا خاصا أتحدث فيه عن يوميات الحرب على العراق سوف أنقل بعضا مما جاء فيه.

    لم تكن ليلة الخميس العشرين من آذار 2003  في بغداد بشكل خاص وفي العراق بشكل عام كما الليالي التي سبقتها، ولم تكن كتلك التي تلتها، لقد كان الكل في حالة من الحذر والترقب، والجميع يتساءل سواء بالسر أو في العلن، هل سيشن بوش العدوان أم ترى سوف تتأجل الضربات التي لا احد يعلم عنها شيئا إلا بوش وعصابته الآثمة، كثيرون في العراق كانوا في انتظار الضربة، وكثيرون سهروا حتى وقت متأخر ليلة الضربة، ولما ألمّ بهم التعب ذهبوا إلى النوم الذي لم يكتمل كما اشتهوا.

    ليل العالم في ليلة الخميس تلك لم يختلف كثيرا عن ليل بغداد وليل العراق في الانتظار، سوى أن من ألم به- خارج العراق- تعب انتظار الضربة، ذهب وغط في نوم عميق قد يكون استمر حتى الظهيرة أو ابعد من ذلك لو شاء. لقد كان حالي كحال الكثير من العراقيين في تلك الليلة، فقد سهرت بدوري كما سهر الكثير من أبناء العراق حتى ساعة متأخرة من تلك الليلة على أمل أن أصحو على صبح بغدادي كالمعتاد.

    كنت أغط في نوم عميق لم تكتمل متعته، فقد صحوت على صوت زوجتي يوقظني وهي في حالٍ من الفزع الشديد تطلب مني أن أرد على الهاتف، حيث شقيقي يخابرني من فلسطين ليسأل عنا وعن أحوالنا، خاصة وان الحرب قد ابتدأت وان بغداد أصبحت تحت القصف الشديد، و بينما كنت أتحدث إليه كنت اسمع أصوات الانفجارات تتوالى بقوة وهذا ما يؤدي الى اهتزاز الشقة كما ويتسبب في حالة من الرعب للأطفال الذين أفاقوا أيضا على أصوات الانفجارات الشديدة، لقد كانت الغارة الأولى بعيدة نسبيا كما أخبرتني زوجتي حيث كنت نائما، ولهذا لم اسمعها، الموجات التالية من الغارات كانت أكثر قربا وكانت اشد قوة ربما، أو هذا ما كنا نسمعه على الأقل ربما لأننا لم نعد كما كنا نياما، لست ادري، كل ما اعلمه هو أن الغارات أصبحت أكثر شدة وان صوت الانفجارات صار أكثر قوة.

    كان أخي لا يزال على الهاتف ويرغب في الاطمئنان ربما أكثر، كنت اشعر بمدى اللهفة في صوته وفي الرغبة لديه ليتحدث أطول فترة ممكنة، لقد كان يقول لي أن ما رآه على الفضائيات مرعبا، وان ما شاهده من انفجارات وقصف ونيران يشبه إلى حد بعيد ما حصل في الحرب الأولى على العراق عام 1991، اعتقد أنني كنت أبادله الرغبة في أن نتحدث طويلا عما يراه ويسمعه، إلا أن شدة الانفجارات وما كانت تسببه من رعب للأطفال وهذا ما يدفعهم للصراخ، كما وان نزول العديد من الجيران إلى شقتنا حيث كنا نسكن في الطابق الأرضي، جعلني استعجل الحديث معه ويبدو انه استلم الرسالة فودعني واقفل الخط.

    لم يمض وقت طويل على نهاية الإنذار الذي وجهه الرئيس الأميركي بوش الصغير حتى انقضت على بغداد نيران جهنم، لقد كانت الضربة من القوة بحيث زلزلت البنايات كما هزت الأرض تحت أسرة من ذهبوا إلى نومهم سواء من انتظروا الضربة فسهروا، أو أولئك الذين لم ينتظروا الضربة لأنهم استسلموا لقدرهم، مدركين بوعي أو بدون وعي أن الضربة آتية لا محالة، لقد كان لسان حالهم يقول سواء انتظرنا أم لم ننتظر فلا بد منها، إنها قادمة، إن لم يكن اليوم فغدا، لقد كانت الضربات تتوالى بشكل لا يمكن استيعابه ولا يمكن تصوره.

    كانت الانفجارات تسمع في كل مكان من العاصمة العراقية بغداد، كان من الصعب التركيز على جهة بعينها، فما أن تضرب هذه المنطقة ويحاول الناس معرفة أين وماذا وكيف، حتى تسقط عشرات القنابل أو القذائف أو ربما الصواريخ، لا احد يدري، في مكان آخر قد يكون قريبا أو بعيدا لا فرق، فالضربات متلاحقة وهي كذلك شديدة مرعبة وقاسية بالتأكيد، ولشدتها لا يمكن أن تقدّر على أي بعد أنت منها، فكل أصوات الانفجارات شديدة وكلها تبدو قريبة، وهناك عشرات من أعمدة الدخان المتصاعدة أينما تنظر وحيثما تتلفت، السنة النيران تتصاعد مع كل ضربة، كنت  ترى الناس وهم يتساءلون ماذا حصل وما الذي يجري وما العمل؟ إن ما يحدث اكبر من كل تصور. ويتجمع الجيران، والكل يسأل الكل، ترى كيف وماذا وأين وهل؟ وأسئلة كثيرة بدون معنى أحيانا وبمعان كبيرة في معظم الأحيان.

    لقد ابتدأت الحرب إذن، وهي ستكون قوية شديدة ومرعبة وبدون أدنى شفقة أو رحمة، أو هذه على الأقل هي الرسالة التي تم إرسالها عبر الغارات الأولى، لقد كنت اشعر بالغضب الشديد كلما انظر في عيون أطفالي أو الأطفال الآخرين الذين أتوا مع أهلهم إلينا من بيوت الجيران، فقد كان  هؤلاء يصابون بحالة من الرعب كلما بدأت غارة جديدة، كنت أحاول أن احتضن احد أطفالي- عمر- الذي يركض إلي باكيا ومصابا بحالة من الرعب أو مرتجفا بصمت قاتل، وكانت الزوجة تحتضن الأصغر وهي طفلة من العمر تبلغ سنتين، أما ولاء ومحمد فكان يتكفل بهما الجيران.

    أم محمد في الخمسينات من عمرها كانت إحدى السيدات من بين العديد من الجيران التي التجأت إلى شقتنا مع زوجها وأولادها، لا تستطيع السيطرة على نفسها عندما يشتد القصف، كانت تبكي بصوت عال، وهذا ما كان يثير بداخلي شعور مضاعف بالحزن على هذه السيدة، خاصة أنها وكما  يبدو كانت تسبب حرجا لزوجها وأولادها ببكائها الشديد، لقد كان شعوري بالغضب يزداد على هذا العدوان الذي يسبب كل هذا الهلع والألم.

    كان جارنا وليد شاب ضخم الجثة وطيب المعشر ويميل إلى النكتة، وبرغم كل ما كان يحدث من قصف ودمار وما نعيشه من وضع مؤلم، إلا انه كان لا يتردد في إطلاق تعليق هنا أو نكتة هناك، كان وليد الشاب يرتبط بطفلي عمر-أربع سنوات عندئذ- بعلاقة حميمة، وعندما كانت تشتد الغارات ويحوم الموت في أجواء بغداد يقوم وليد بوضع سماعات على أذان عمر ويرفع صوت الموسيقى إلى أعلى مستوى لها كي لا يسمع صوت الانفجاريات أو هدير القاذفات المرعب، لأنها كانت تسبب له حالة من الخوف والهلع وكان هذا ما يزيد من شعوري بالألم والغضب.

    برغم كل هذا القصف الذي لم يتوقف على العاصمة العراقية وبرغم حالة الوجوم التي كانت تسود أحيانا لشدة ما يتم إسقاطه على بغداد، إلا أننا- الرجال من سكان العمارة- كنا نجد الوقت الذي نلعب فيه النرد، "الطاولي" على رأي العراقيين، كما كنا نجد الوقت لنتبادل الحديث والنقاش الذي كان دائما متحفظا وضمن حدود المسموح، وإذا ما تجرأ احدنا على التفكير بصوت عال فان ذلك لم يكن ليتعدى التلميح وليس التصريح.

    كنا نقيم في احد الأحياء السكنية الواقعة غرب العاصمة بغداد، يقع ما بين حي الجهاد وحي العامل، وهو عبارة عن مجمع سكني يتكون من مئات الشقق التي تم بنائها في الثمانينات من القرن الماضي، وقد كانت شققا مريحة برغم أنها مبنية من الاسمنت- الباطون الجاهز- وقد كانت تتميز بالكثير من الخدمات وخاصة وصول الغاز السائل إليها عبر أنابيب، وهذا ما لم ينقطع في تلك الشقق حتى في ظل الحرب وما بعد الحرب، إضافة إلى أن انقطاع التيار الكهربائي كان اقل من باقي المناطق والأحياء السكنية المحيطة.

    كان الحي يسمى حي صدام السكني قبل سقوط بغداد، وقد تغير اسمه إلى حي السلام بعد الاحتلال الأميركي برغم أنني وكثيرين بقينا على استعمال التسمية القديمة.وحيث ان تلك الشقق كانت مبنية بتلك الطريقة فان تأثير أصوات الانفجارات كان اشد قسوة من تأثيره على المساكن المبنية بالطريقة التقليدية، كنت اشعر في أحيان كثيرة أن القطع المكونة لتلك البنايات سوف تتساقط هكذا كل واحدة على حدة من شدة الارتجاج الذي تحدثه بعض أنواع القذائف، القنابل أو ربما الصواريخ فنحن لا نعرف ما الذي يتم إسقاطه على بغداد أو بماذا يتم استهدافها.
 
    برغم أجواء الحرب البغيضة إلا أن حالة من التوحد غير العادي عمت بين الجيران في الساحات، لقد تشكلت بيننا حالة من الحميمية لا يمكن وصفها، ومع  تجمع الجيران في شقتنا كنت اشعر أن هؤلاء صاروا جزءا مني كما صرت جزءا منهم، لقد تطورت علاقاتنا بحيث صار من غير الممكن أن تنفصم عراها، لقد كنا نتشارك الهم والوجع بحالة من التوحد لم أشهدها من قبل، وصار سكان البناية يشكلون وحدة واحدة، لقد صرنا وكأننا عائلة منسجمة إلى ابعد الحدود، وقد استمرت تلك العلاقة إلى ما بعد الحرب، لقد كنت المس آثارها خلال فترة ما بعد الحرب واحتلال العراق، والطريقة التي كان هؤلاء الأخوة من العراقيين يتعاملون معي أو مع أطفالي، وذلك الحرص الذي يولونه لهم، وتوطدت العلاقة بشكل جميل ولا اعتقد أنها سوف تتأثر برغم هذا البعد الذي قد يطول إلا أنني اعتقد انه سيبقى مؤقت برغم طوله.

    استمرت الغارات على العاصمة العراقية، ومع كل غارة كانت تقوم بها الطائرات والقاذفات الأميركية كانت الحالة النفسية للجميع بما في ذلك نحن الرجال تزداد سوءا، إلا أن هذا لم يمنعنا من أن نحاول الاستمرار بالعيش في محاولة منا لتنفيس حالة الخوف والاحتقان التي كانت سائدة وخاصة في ظل ازدياد القصف وما يسببه ذلك من هلع.

    برغم أن الحرب كانت قد ابتدأت إلا أن الحركة في العاصمة لم تتوقف، كان التنقل يتم بشكل شبه طبيعي في شوارع بغداد برغم القصف وبرغم وجود الطائرات في أجواء العاصمة على مدار الساعة تقريبا، الحركة كانت تتم خلال النهار في اغلبها، في اليوم الرابع من الحرب قررت أن اصطحب عائلتي في زيارة إلى بيت أهل زوجتي العراقية العربية الأصل والنسب، عندما شاهدت شاحنات عسكرية تقل مئات من الشبان العراقيين الذين كانوا في مقتبل العمر، لقد كانوا في حالة من النشوة والحماس، وكانوا يرددون هتافات حماسية، لقد حاولت أن افهم جيدا ما يقولون وقد سمعتهم يهتفون بشعارات تشيد بالرئيس وتندد بالعدوان وبوش وأميركا.

    لقد غمغمت بكلمات عبرت  فيها عن الاستياء لأنني اعتقد أن هؤلاء الشبان لا يعلمون إلى أي مجزرة يتجهون، هذه الغمغمة التي قصدت أن تكون نصف مفهومة وصلت إلى مسامع زوجتي مفهومة بالكامل لأنها تعرف ما الذي يدور في ذهني وما هو موقفي من كل ما حدث ويحدث،   وهذا ما لم يعجب زوجتي التي احتجّت على ما قلت، وعندما وصلنا إلى بيت أهل زوجتي صار الكل يحتضن الكل مع دمعة تسقط على هذه الوجنة بصمت هنا، ونحيب بصوت عال ومسموع هناك، أو دعوات يبدو أنها لم تصل إلى السماء بان يحفظ الله العراق وأهل العراق، بقينا معظم النهار عندهم، عندما أردنا المغادرة صار الكل يحاول إقناعنا بان نترك الشقة وان نلجأ إليهم، وهذا ما لم أتقبله، وقد حاولت أن اشرح لهم أننا إذا ما بدأنا بالرحيل فهذا لن ينتهي، وسنستمر بالهرب من مكان إلى آخر ولسوف نستسهل الهروب وفي النهاية سوف نشعر بالندم، لقد كنت أرى أن زوجتي كما الأطفال يرغبون أن نأتي إلى هنا، لا بل شعرت بنظرات من التوسل في العيون، عندئذ لم أرغب بالرد بشكل أكيد ولم أعط جوابا شافيا ذلك أنني كنت ارغب أن أرى أين تتجه الأمور.

نزوح قسري

    عندما عدنا إلى بيتنا أو على الأصح شقتنا التي أبقينا على مفاتيحها مع إحدى صديقات العائلة، رأينا أن هنالك ما استجد في الحي، حيث تم وضع العديد من المدافع المضادة للطائرات والتي تعرف بالعراق بال-57 في إحدى الساحات المفتوحة المقابلة للشقق وهي لا تبعد عن البنايات السكنية إلا اقل من 30 مترا، وكل ما يفصلنا عنها هو الشارع العريض المؤدي إلى حي الجهاد.

    وجود تلك المضادات بالقرب من الشقق أثار استغرابا وغضبا لدي لكن بشكل صامت، فانا في وضع وبلد يمنع فيها الاحتجاج في أيام السلم فكيف سيكون عليه الحال والبلد في حالة من الحرب الضروس، هذا الشعور المكتوم الذي أدركته زوجتي جاء على خلفية أن لا داع لوضع هذه المضادات في هذا المكان القريب جدا من الشقق، فالجميع مع الدفاع عن بغداد والموت من اجل العراق، لقد كنا نقوم جميعا بتحضير كل الوجبات للرفاق الحزبيين والجيش الشعبي المتخندقين في المنطقة برغم أننا لم نر أي منهم عندما سقطت بغداد، لكن أن توضع هذه المضادات بهذا الشكل فهذا سوف يعرض المنطقة إلى قصف محتوم، خاصة وان الحي في وضع ليس بعيدا عن الخطر أصلا، لأنه يقع بين مخازن ضخمة من الشرق والغرب وهي مخازن من المعروف أنها تابعة للقصر الجمهوري.

    لم أكن قد خبرت أن أكون قريبا بهذا الشكل من مضادات الطائرات تلك أو غيرها من المضادات، كنت اسمع انطلاقاتها عن بعد وكان صوتها في العادة عاليا جدا، إلا أنني فوجئت بقوة صوت اطلاقاتها عندما بدأت بإطلاق قذائفها في السماء البعيدة، لقد كانت كما كل المضادات الأرضية المنتشرة في العاصمة وفي كل العراق، تطلق اطلاقاتها هكذا بعشوائية وبدون تركيز وعلى لا هدف، لقد أثارت اطلاقاتها حالة من الرعب في نفوس الأطفال والنساء لشدة صوتها، وهي إن لم تشكل خوفا أو رعبا فعلى الأقل صار من المستحيل النوم في ظل اطلاقاتها، لقد كانت وكأنها تطلق من داخل الشقق.

    لم تتوقف المضادات عن العمل طيلة الليل، وما أن أصبح الصبح حتى كان معظم السكان قد اتخذ قراره بمغادرة شققهم، لان الوضع لا يمكن تحمله. قلة هم الذين قرروا البقاء في المكان، وهؤلاء كانوا من العائلات التي ليس لديها أطفال. وهكذا فقد كان علي أن اتخذ قراري كما الآخرين، وفعلا توجهنا في اليوم التالي إلى بيت أهل زوجتي في منطقة البياع لتبدأ من هناك رحلة أخرى مع الحرب اللعينة التي أرادها بوش الصغير من اجل السيطرة على نفط العراق وليس من اجل أسلحة الدمار الشامل كما حاول الترويج بشكل ممجوج لم يقنع أحدا.

    قررنا الانتقال وقد حملنا معنا فقط وثائقنا وقليل من الملابس وقمنا بوداع الجيران الذين كانوا قد قرروا البقاء في المكان وكذلك الذين قرروا المغادرة، كان الجو مشحونا بمشاعر الحزن والأسى العميقين، لقد بكى الجميع واستطاع البعض منا أن يحبس دموعه لكنه لم يستطع أن يخفي المشاعر التي كانت مرسومة على الوجوه وفي النظرات التائهة، أعطينا مفتاح الشقة إلى إحدى الصديقات الكربلائيات والتي كانت مديرة للمدرسة التي يدرس فيها ولاء ومحمد من اجل البقاء في الشقة لأنها تشعر بها بالأمان أكثر مما تشعر به في شقتها الواقعة في الطابق الثاني.

    وصلنا إلى بيت أهل زوجتي الذي لا يبعد إلا بضع دقائق بالسيارة، وقد احتفوا بقدومنا برغم ما كنت اشعر به من غصة لهذا الانتقال القسري، كان البيت لا يبعد سوى عشرات الأمتار عن جسر البياع الواقع على الطريق السريع المؤدي إلى مطار صدام الدولي.

    كانت الغارات الغادرة لا تتوقف على العاصمة العراقية، لم يكن بالإمكان النوم بسهولة، فقد كانت المضادات الأرضية تطلق اطلاقاتها بشكل مستمر وهدير الطائرات لا يتوقف، لقد كانت القاذفات الأميركية الضخمة تحوم حاملة الموت معها، وصار لدينا ما يشبه الخبرة في متى سنسمع الانفجارات ومتى سيتم القصف، كانت القاذفات خلال تحليقها تطلق هديرا مرعبا تهتز له جدران البيوت، كانت تحوم مرتين أو ثلاثة حول بغداد قبل أن تفرغ ما تحمل من موت على العاصمة التي كانت تأن بألم تحت تلك الضربات القاتلة، كنا نصعد إلى سطوح البيوت لمعرفة أثار الغارات، ونلاحظ سحب الدخان تتصاعد بعد كل غارة. هذا الصعود إلى السطح كان لا يعجب زوجتي أو أهلها لخوفهم من أن أتعرض لما قد يسقط من القذائف المرتدة من السماء خاصة وان العديد أصيبوا أو قتلوا نتيجة تعرضهم لذلك.

    لا شك أنني لاحظت أن شعورا ربما بالاطمئنان سرى في عروق الأطفال كما الزوجة وأهلها  نتيجة لهذا الانتقال من الشقة إلى هذا البيت، لقد كان البيت واسعا وكبيرا إلا أن العدد الموجود فيه كان أيضا كبيرا بحيث انه ضاق علينا برغم رحابته، وكانت الأيام تمر متشابهة ورتيبة خلال وجودنا في ملجأنا الجديد.

معركة البياع

    يبدو أن هذه الرتابة في سير الأيام كان لا بد لها من نهاية، ففي صبيحة احد الأيام وعندما كانت الساعة تقترب من السادسة صباحا بدأنا نسمع أصوات قذائف من كل الأنواع، لقد كانت قريبة جدا، أدركنا أن هنالك معركة تدور رحاها قريبا من البيت، لم يخب ظننا هذا فقد كانت معركة حقيقية وليس مجرد وهم أو اشتباه، فبعد أن خرجت إلى الشارع لاستطلع الأمر وجدت مئات الأشخاص يتراكضون قادمين من جهة الطريق السريع المؤدي إلى المطار باتجاهنا، وعندما استفسرت عن الأمر قيل لي بان هنالك إنزال قامت به القوات الأميركية قريبا من المكان وان معركة حامية الوطيس تقع  بين القوات الغازية والعراقيين النشامى.

    لقد استمرت المعركة على الطريق السريع المؤدي إلى السيدية والدورة كما إلى المطار أكثر من ثلاث ساعات، لقد كان بالإمكان معرفة كم هو حجم الشراسة في هذه المواجهة، لشدة وكثرة ما تم استعماله من قذائف وإطلاق نار بدون توقف، لقد كانت معركة شرسة وقاسية على ما يبدو سقط فيها العشرات من الضحايا المدنيين والعسكريين والفدائيين كما المتطوعين العرب، كل هؤلاء استماتوا في القتال، وقد أوقعوا خسائر فادحة في الجانب الأميركي.

    كنت أرى الناس يتراكضون في كل اتجاه هربا من جحيم المعركة, وكان الكل يتحدث عن حجم القتل والدمار وشدة القتال، لقد سمعت الكثير من القصص عن البطولة والتضحية والفداء،  فقد التقيت بعدد من الفدائيين والمتطوعين العرب الذين شاركوا في تلك المعركة وتحدثت إليهم، لقد كان لديهم إحساس بالنشوة عالٍ برغم كل الخسائر التي وقعت، فهم استطاعوا أن يصدوا احد اكبر الإنزالات التي قامت بها القوات الأميركية في تلك المنطقة والتي يبدو أنها كانت مقدمة للاستيلاء على المطار.

    تحدث بعضهم ربما وبمغالاة عن خسائر كبيرة في صفوف الأميركيين، كانوا يتحدثون بكثير من الاعتداد بالنفس، حيث بدا أن تلك المعركة أعطتهم مزيدا من الثقة على أن بالإمكان مواجهة العدو خاصة في ظل كل ما استعمله هذا العدو من طائرات وصواريخ استطيع أن اشهد عليها، كانوا يتحدثون بإصرار عن مشاركة "السيد الرئيس" في تلك المعركة، كانوا يقولون انه كان على ظهر سيارة رباعية الدفع ويحمل قاذفة آر بي جي وانه شارك معهم في التصدي للقوات الأميركية لا بل أكدوا انه قاد المعركة حتى النهاية.

    لقد اندفع إلى المكان مئات العراقيين بعد أن توقف القتال وانسحبت القوات الأميركية، لقد شاهدت العشرات من الجثث في الشوارع والكثير من الجرحى، ولحسن حظ هؤلاء أن مستشفى اليرموك كان قريبا جدا، لقد تم نقل العشرات إن لم يكن المئات من الجرحى إلى تلك المستشفى كما إلى غيرها، وقد شاهدت عدة آليات أميركية لا تزال في ارض المعركة شاهدة على خسائر الأميركيين، تلك الخسائر التي لم تتحدث عنها القوات الأميركية.

    بعد ان سكتت المدافع بوقت قليل بدأت القوات الأميركية بدك المنطقة بقذائف من كل الجهات، كان قصفا مجنونا بدا بالنسبة لي وكأنه انتقام من هذه المنطقة التي استطاعت صد الإنزال وإلحاق الكثير من الخسائر في صفوف من شاركوا به، كانت أصوات بعض الانفجاريات تصم الآذان وهي ما كان يسمى بالحاويات، واشتد القصف على المضادات الأرضية التي كانت منتشرة في المنطقة، كنا نميز الصواريخ من العصف الذي يحدثه مرورها من فوق رؤوسنا، كانت شدة عصف تلك الصواريخ تكاد تسحبنا معها، وقع احد الصواريخ على بيت لا يبعد سوى اقل من خمسين مترا عن البيت الذي التجأنا إليه، قتل من قتل وجرح من جرح ودمر البيت، وسقطت عدة صواريخ على مدرسة قريبة كما سقط أكثر من صاروخ على ما يعرف بالأسواق المركزية في المنطقة، لقد أصبحت المنطقة عرضة لكل أنواع القصف وهذا ما صار يشكل خطورة أخرى وبالتالي دافعا جديدا للتوسل من الأهل والزوجة كما رعب الأطفال بمغادرة المنطقة إلى مكان أكثر أمنا، وهذا ما كنت اعتقده عندما حاولت أن أكون ناصحاً بان الانتقال سيصبح عملية بدون توقف.

هروب آخر

    لقد قررنا الانتقال إلى بيت صديقي الذي هو في واقع الأمر احد الانسباء، وكان هذا البيت يقع في الرصافة أي في القسم الشرقي من بغداد، وهكذا انتقلنا إلى حي أور حيث يسكن أبو علي وهذا  هو اسمه، كان يعمل في شرطة النجدة وهو شاب في الثلاثينات من عمره، لقد استقبلنا بكل ترحاب كما هي عادة العراقيين، وأقمنا في بيته حتى انتهت الحرب، كان مسؤولا عن دورية للنجدة وكان القاطع الذي يخدم فيه يقع في نفس منطقة سكنه، وهذا ما أتاح له أن يأتي إلى البيت بين الفينة والفينة، كان برفقته اثنين من الزملاء وأحيانا ثلاثة، كانوا يأتون إلى البيت لشرب الشاي أو تناول وجبة من الطعام.

    ما لفت انتباهي هو أنهم كانوا يتلقون أوامر من جهة عسكرية ما عبر جهاز اللاسلكي تطلب منهم استطلاع هذه المنطقة أو تلك، وعندما استفسرت منه عن تلك النداءات أجابني بان ما يحدث هو أنهم يتلقون هذه النداءات من قبل جهاز عسكري لم يسمه، يطلب منهم الانطلاق إلى موقع ما في مكان ما لاستطلاع حقيقة المعلومات التي تقول أن هناك إخباريات تشير إلى انه قد يكون هنالك إنزال معادٍ في تلك المنطقة، وعليه فان على الدورية أن تنطلق إلى المكان المشار إليه ومن ثم تعود لتتصل بذاك الجهاز لإعطاء النتيجة، لقد كانت طريقة عقيمة تقليدية وقديمة في الاتصال والاستطلاع خاصة في ظل هذا التقدم في مجال تكنولوجيا الاتصالات، لأنه إذا ما ثبت أن هنالك إنزال فعلا، فهذا يعني أن العملية المعقدة والطويلة تلك سوف لن تكون عملية في التصدي لأي إنزال، ويبدو أن ما كان يقوم به رجال النجدة وصل بطريقة أو بأخرى للقوات الأميركية بحيث صارت سيارات النجدة مستهدفة، وتم قتل الكثير من هؤلاء الرجال من خلال استهداف دورياتهم خاصة في الأيام الأخيرة من الحرب.

    خلال وجودنا في بيت أبو علي تم استهداف المنطقة في العديد من الغارات خاصة تلك الساحة الفسيحة لتي تتوقف فيها العديد من الشاحنات، لقد تم قصف تلك الشاحنات بشكل وحشي ويبدو أن الاعتقاد الذي كان سائدا لدى الأميركيين أن تلك الشاحنات تحمل أسلحة أو صواريخ برغم أنها كانت فارغة، وقد سقط العديد من الصواريخ على المنازل في المنطقة وهذا ما أدى إلى سقوط العديد من الأهالي الأبرياء.

الرعاع يتسيدون الموقف

    كنت أقيم في الجانب الشرقي من بغداد كما أشرت، عندما بدأت القوات الأميركية بالدخول إلى العاصمة العراقية عصر التاسع من ابريل 2003. لقد كانت تزحف ببطء شديد وبأعداد هائلة وكانت تستقل كل أصناف الآليات العسكرية بينما تحلق الطائرات العسكرية المختلفة في سماء بغداد الجريحة على ارتفاعات منخفضة جدا.

    خرجت إلى الشارع مثلما فعل الآلاف من أبناء بغداد لاستطلع ما الذي يحدث، كان في المنطقة حيث أقيم، مخازن شاسعة، وللصدق لم أكن اعرف ولم أحاول أن اعرف يوما ما الذي تحتويه تلك المخازن برغم أنني كنت قد زرت المنطقة عدة مرات، إلا أن ما شاهدته  كان هو أن دبابتين من تلك الارتال الضخمة توجهت إلى البوابة الكبيرة التي تقع خلفها تلك المخازن وقامت بدفع البوابة وأشار الجنود للناس المتجمهرين في الشارع بان هيا، تعالوا وادخلوا، هيا انهبوا هذه المخازن، وقد هجم من هجم على تلك المخازن، وكانوا كثر ومن جميع الأعمار، إلا أن ما لاحظته أيضا، انه وبرغم ضخامة الأعداد التي اتجهت إلى تلك المخازن فان إعداد الذين لم يحركوا ساكنا ولم يتوجهوا للاشتراك في عمليات النهب كان أكثر بكثير من أولئك الرعاع الذين شعروا أن الفرصة سانحة للسرقة والنهب والسلب.

    لقد كان ذلك هو الجانب المظلم من الصورة، إلا أن جانبا آخر من المشهد برغم انه لم يكن بنفس حجم المشهد الداكن، بعث بداخلي الكثير من الأمل، فخلال وقوفي أراقب هذا الذي يجري بكل ما فيه من الم، سمعت اثنين من الشبان الذين وجدت نفسي أقف إلى جانبهم وهم يتحدثون منتقدين ما يجري، وكان ما أثلج صدري أن احدهم قال للآخر "هؤلاء ليسوا سوى قوات احتلال إنهم..." واستعمل شتيمة عراقية معروفة وترك المكان مع رفيقه، عندما سمعت ذلك، لا ادري لماذا شعرت بالسكينة، لقد شعرت أن العراق بخير، وان هذا الاحتلال لا بد سيواجه مقاومة لا حدود لها، فإذا كان هذا رأي شاب في مقتبل العمر فان ذلك يعني أن هذا الإحساس لا بد سيكون في قلوب آلاف العراقيين وان الأمور والمشاعر إذا ما كانت هي هذه منذ الساعات الأولى للاحتلال إذن فنحن لا زلنا والعراق بخير.

    لم يكن بالإمكان أن استمر في مراقبة ما يحدث، قفلت عائدا إلى البيت المؤقت الذي أقيم فيه وكنت اشعر برغبة عارمة في البكاء، ووجدت زوجتي تجهش بالبكاء وتلطم الخدود، فلم استطع إلا أن أتمالك نفسي وان ابقي على ما تبقى فيّ من مشاعر الصمود والقوة، لأواسيها وأحاول التخفيف عنها لان من غير الممكن أن نتحول جميعنا إلى النواح.

    قصص الانتقام بدأت تتوالى كما بدأت عمليات النهب والسلب تطال البيوت السكنية، وبدأت عمليات الانتقام سريعا من الرفاق أعضاء حزب البعث بدون تمييز أو استثناء، كنت أقيم في بيت هو عمليا قد يكون هدفا لانتقام محدد لان صاحبه كان احد منتسبي قوات النجدة العراقية، وعندما سألته إن كان يريد البقاء أو أن يغادر المنطقة أكد لي أن لا أعداء له وان علاقاته مع الجيران من أفضل ما يكون، وكنت أحاول أن أقنعه بالمغادرة إلى المنطقة الغربية من بغداد حيث اسكن وحيث أن لا علاقات لي بالدولة أو الحزب، حتى نرى ما الذي ستحمله الأيام القادمة، لقد بقينا  في حي أور حتى عصر الجمعة الحادي عشر من آذار 2003 عندما قررنا العودة إلى شقتنا في الشطر الغربي من العاصمة العراقية.

في طريق العودة ألم وأمل

    لقد سلكنا طريقا تمر من أمام الجامعة المستنصرية المعروفة، وقد ذهلت من حجم الدمار الذي لحق بهذا الصرح العلمي الكبير ومن حجم الأوراق والكتب الممزقة على جنبات الشارع، لم اصدق أن هذا يمكن أن يحدث لهذه الجامعة، وتوجهنا عبر الوزيرية إلى منطقة المنصور وكان الرعاع مستمرون في سرقتهم، فهذا يحمل جهازا للكمبيوتر وذاك يحمل جهازا آخر وثالث يجر على عربة خشبية جهازا للتكييف، وهناك مجموعة تقوم بدفع سيارة مرسيدس يبدو أنهم فشلوا في تشغيلها، وآخر يحمل أي شيء، وهكذا كان الطريق كله، أناس يحملون كل ما وجدوه في طريقهم، لقد كان اشد ما أثار انتباهي هو ذاك الشخص الذي أقدم على سرقة مولدة كهربائية عملاقة، لقد قام هذا الوضيع بربط المولدة إلى شاحنة يقودها بحبل ضخم، وحيث انه لا يملك رافعة فقد كان يجرها على أرضية الشارع ببطء شديد ولا ادري كيف استطاع أو من أين حصل عليها.

    عندما وصلنا إلى ساحة اللقاء الفسيحة والتي تقع بجانب السفارة الأردنية التي تم تدميرها بعد الاحتلال الأميركي لبغداد من خلال سيارة مفخخة، وفي بداية الخط السريع الممتد على مسافة 550 كيلومتراً باتجاه الحدود الأردنية. لاحظت وجود العشرات من المقاتلين العرب منتشرين في المنطقة، كانوا يحملون البنادق الآلية كما القاذفات من نوع آر بي جي وأسلحة من أنواع لم اعرفها، كانوا يبعثون الأمل في نفوس من كان قلبه على العراق، عند مشاهدتهم تولدت بداخلي مشاعر عدة وشعرت بدموع لا إرادية حارة تسقط على عكس ما أردت أن أبدو عليه من تماسك، وبرغم ذلك فقد كان شعور بالنشوة يدغدغ جانبا آخر مني، منظر المقاتلين هذا، تزامن عن معارك دارت خلال اليومين الماضيين في منطقة الاعظمية الواقعة إلى الشمال من بغداد، جعلني اشعر بمشاعر مختلفة ومتناقضة.

    لقد دارت في الأعظمية خلال اليومين الماضيين ما قيل أنها معارك ضارية استبسل فيها المقاتلون العرب مع رفاقهم من العراقيين الذين استماتوا دفاعا عن هذه المنطقة من بغداد حيث مرقد الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان. لقد استعصت الاعظمية على القوات الأميركية الغازية منذ ما يزيد على 48 ساعة، ولم تسقط إلا بعد عصر الجمعة وبعد أن استعملت القوات الأميركية كل ما لديها من أسلحة وذخائر، وقد قيل عن تلك المعركة أنها دارت من شارع إلى شارع، كما قال الكثير ممن شاركوا في تلك المعارك أن الرئيس العراقي قد اشرف على تلك المعارك لا بل  وشارك فيها بقوة، ولا غرابة في ذلك فهو كان يعتبر أن هذه المنطقة احد المناطق التي يمكنه اللجوء إليها بقليل من الريبة وكثير من الاطمئنان إذا ما قورنت ببقية المناطق البغدادية، عدا عن أنها تقع إلى الشمال من العاصمة وهذا ما يجعلها أكثر مناسبة فيما لو فكر بالاتجاه شمالا حيث مسقط رأسه وعشيرته في العوجة وتكريت.

    وصلنا إلى الحي أو المجمع السكني الذي نسكن، وكانت حركة السلب والنهب لا تزال مستمرة. لقد هاجم المئات من الرعاع والسراق المخازن الرئاسية التي كانت تجاور الحي، وكان هؤلاء يسرقون كل الأشياء، واستمرت عملية إفراغ تلك المخازن أياما عدة، إلا أنني استطيع أن أقول بأنني لم أشاهد أي من أبناء الحي يقومون بسرقة أي شيء سوى احد الأشخاص الذي كان أصلا صاحب سمعة سيئة تتصل بالشرف هو وعائلته منذ وقت بعيد، لقد استمر هذا وأبناؤه بنقل ما يستولون عليه إلى شقتهم على مدار أيام، إضافة إلى شخص آخر حيث قد جلب هذا مولدة كهربائية استخدمها فيما بعد لتزويد الشقق بالتيار الكهربائي خلال فترات الانقطاع المستمرة مقابل اجر طبعا.

    ما أن وصلنا إلى الشقة حتى تراكض الجيران الذين في اغلبهم ممن تبقوا في الشقق خلال فترة نزوحنا عنها، حيث لا يزال معظم من غادروا لم يعودوا بعد من أماكن لجوئهم، لقد كان اللقاء من الحميمية بحيث كان الكل يبكي بحرقة قاتلة، وصارت بعض النسوة تنتحب بصوت عال فيه الكثير من الحرقة والألم، أما الرجال منا فقد كانت النظرات زائغة في فراغ لا منتهي، وبداخل كل منا دموع بحجم لا محدود، وقلوب يعصرها الم قاتل. لم يكن هناك الكثير لقوله، كان الجميع لا يزال يعيش حالة من الذهول، أما الأطفال فبرغم حالة الفرح التي كانوا يعيشونها بسبب عودتهم إلى ديارهم، إلا انه كان بالإمكان ملاحظة أنهم يعيشون في حالة من اللاتوازن، كما أنهم لم ينفكوا يسالون عن أقرانهم الذين لم يرجعوا بعد، وكان علي أن اشرح لهم الموضوع.

    كانت البلد تعيش هكذا بدون سيد إذا جاز التعبير، لا وجود للدولة، حالة من اللامعقول، فراغ غير معهود، لا قانون ولا حكومة ولا شيء، والبلد على كف عفريت،  كنت اشعر وكأننا نعيش كما لو أننا في مهب الريح، خاصة وان الكثير من قصص القتل والانتقام قد حدثت، قتل بلا سبب وقتل لأسباب تافهة، وثارات قديمة امتدت لسنوات طويلة خلت تم استرجاع صداها، الخدمات معدومة، فلا كهرباء ولا وقود ولا شيء.

    كان علينا في الساحة كما في كل الساحات والأحياء الأخرى أن نتفق على كيفية التصرف، من اجل حماية الحي وإغلاق الطرقات والمداخل كما توفير السلاح لكل من يستطيع حمله، إذ أن لا إمكانية للعيش بدون سلاح، فأعطى من عنده أكثر من قطعة سلاح قطعة لمن لا وجود لسلاح عنده، وصار لا بد من اقتناء السلاح في كل بيت، لقد كانت الأسلحة بلا قيمة تذكر وكان من الممكن أن تشتري بندقية الكلاشنكوف بخمسة دولارات أو قد يعطيك إياها احدهم هكذا مجانا بلا مقابل، حيث كان قد تم رمي السلاح في الشوارع والساحات مِنْ قبل مَنْ تخلى عنه وفر هاربا، كما أن المقرات الحزبية المنتشرة في كل المناطق كانت تحتوي على الكثير من الأسلحة، وقد كان بالإمكان إيجاد السلاح بدون عناء يذكر لمن يرغب أو يشاء.

    بدأت العائلات التي غادرت خلال الحرب بالعودة إلى الشقق تباعا خلال الأيام التالية، ومع عودة كل عائلة إلى البناية كانت تنهمر الدموع من جديد ويتعمق الألم ويتجدد، وقد كان لكل منا قصته خلال فترة التشرد تلك، كانت بعض القصص فيها الكثير من الألم والحزن لما تحتويه من معاناة وألم وأحيانا دمٍ مراق، لقد كان كل منا يتحدث عن تجربته خلال فترة اللجوء وما رآه أو سمع عنه من مآس، وقد كانت بعض من تلك القصص لا تخلو من الطرافة إلا أن غالبها كان يبعث على الكثير من الألم والقهر.

    كنت أقف أمام البناية أراقب الطريق العام وأولئك السراق الذين ما زالوا يمارسون عمليات إفراغ المخازن التي تقابل المجمع السكني، كما أراقب السيارات العسكرية الأميركية المختلفة التي لا تتوقف عن الحركة ذهابا وإيابا، كانت القوات الأميركية تتحرك بكثير من الشعور بالطمأنينة والارتياح، لقد كانت غير آبهة بما يقوم به هؤلاء اللصوص وكأن الأمر لا يعنيهم، لا بل  ويقومون بتشجيعهم من خلال الصيحات وأحيانا التحيات التي يلقونها على هؤلاء الرعاع الذين لم يتوقفوا عن النهب، كانوا يستمرون في النهب منذ ساعات الصباح الأولى إلى ما بعد مغيب الشمس، وكنت ألاحظ أن منهم من يحمل أشياء لا تستحق أن تحمل ولا تستحق هذا الجهد المبذول في نقلها.

    كان الجميع في حالة من الذهول بعد سقوط بغداد، كما سادت حالة من الخوف والهلع في صفوف من كانت له علاقة بحزب البعث أو مؤسسات الدولة الأمنية، وقد اضطر بعض من اعرفهم من هؤلاء إلى مغادرة المنطقة، وهذا كان حال صديقتنا الكربلائية التي رحلت إلى كربلاء لأنها رفيقة حزبية نشطة عدا عن كونها زوجة رفيق قديم في الحزب، كما رأيت وجوها جديدة في المنطقة، وقد أدركت أن هؤلاء القادمين الجدد لا بد أنهم أعضاء حزبيين جاؤوا من مناطق بعيدة أو من بغداد نفسها، إلا أنهم غير معروفين هنا وبهذا فهم ربما يشعرون بنوع من الأمان أكثر مما لو بقوا في مناطقهم، برغم أن بعضهم تمت ملاحقته إلى المنطقة، فكان عليه أن يغادر أو يقتل، وقد غادر البعض وقتل البعض، كما أن البعض الآخر فضل مغادرة القطر إلى الدول المجاورة.

    لم يكن هؤلاء هم الوحيدين الذين كانت وجوههم جديدة في الحي، فلقد كانت هنالك وجوه أخرى جديدة، إلا أنها هذه المرة هي من بين أولئك الذين أتوا مع الدبابة الأميركية، وكان هؤلاء يعيشون بقلق لا يقل قلقا عن الرفاق الحزبيين فهم في كثير من الأحيان كان ينظر إليهم على أنهم غير مرغوب بهم، وكانوا قليلا ما يختلطون بالآخرين، كما انه كان بالإمكان ملاحظة أنهم لا يشعرون بالاطمئنان، كان بعضهم لا يتحرك إلا ضمن سيارات محروسة فيها أكثر من مسلح، وقد اختفى اغلبهم مع استمرار التدهور الأمني في البلد ولم يعد موجودا في الحي.

    النوع الثالث من الوجوه الجديدة هو أولئك السراق الذين تخصصوا في سرقة البنوك أو استطاعوا أن ينهبوا ما نهبوا من المخازن والقصور والفلل وغيرها، وهذا ما شكل لديهم حالة من الثراء المفاجئ، لقد كان بالإمكان تمييز هؤلاء من طريقة تعاملهم ومن ملابسهم وتصرفاتهم كما ووجود أجهزة الثريا لديهم، لا بل أفصح البعض منهم عن ذلك، إضافة إلى نوع السيارات التي يقودون والتي لا تتناسب مع أعمارهم أو مناظرهم.

    بعد أن استقر الوضع نسبيا في العاصمة وتعود الناس على ما آلت إليه الأمور، صار بالإمكان التحرك في العاصمة برغم ما يشوب هذه الحركة من مخاطر، لقد كان من الممكن أن يتم إيقاف أي سيارة من قبل مجموعة من اللصوص الذين هم أيضا قتلة، ويجبرون سائقها على النزول منها وسرقتها على مرأى من كل الناس بدون أن يجرؤ احد على التدخل، إلا انه وبرغم ذلك فان الحركة والحياة كانت تسير بشكل شبه طبيعي، لان من غير الممكن أن تتوقف الحياة تحت أي ظرف من الظروف.

    كنت في ساحة بيع السيارات بمنطقة البياع في عصر احد الأيام، وهي ساحة تضم عشرات المعارض وهذه تضم مئات وربما آلاف السيارات، وينتشر فيها عشرات الحراس المسلحين بالمسدسات والبنادق من نوع كلاشينكوف، أتت مجموعة من السراق القتلة، كانوا في سيارتين وعددهم ستة، لم يدخلوا إلى ساحة المعارض، بقوا على الشارع العام في سياراتهم، وعندما شاهدوا احدهم يلتف بسيارته الحديثة يريد الدخول إلى الساحة من اجل بيع السيارة، - وهذا ما أفصح عنه فيما بعد-، هجم عليه ثلاثة منهم واجبروه على النزول منها تحت تهديد السلاح واخذوا السيارة وانطلقوا بها بعيدا.

    ربطتني به علاقة حميمة، كنت أجده حلو المعشر، كان في أواخر الخمسينات وربما في أوائل الستينات، انه أبو حيدر، اشترى سيارة حديثة جميلة، كان يعمل عليها في كسب رزقه، لم يكن يغادر المنطقة، كان يعمل ضمن منطقته فقط حتى لا يتعرض للسرقة أو القتل، وفي المرة الأولى التي غادرها لإيصال احدهم إلى منطقة المنصور، هوجم من قبل السراق القتلة، اخذوا سيارته هكذا بكل بساطة، كان يحدثني وهو يبكي عن كيفية سرقتها، انها مصدر رزقه الوحيد وقد اشتراها بالتقسيط، كان كل همه كيف سيقوم بدفع ما تبقى من إقساطها وهو مبلغ كبير.

    أم حقي امرأة في أواخر الستينات من عمرها، كانت في سوق الشورجة الشهير، كانت تتسوق لان الأسعار هنا اقل من غيرها كونها تعتبر أسعار جملة، هاجمها مجموعة من القتلة السراق، لم ترحمها توسلاتها، ولم يغفر لها كبر سنها. لقد اختطفوها واتصلوا بالعائلة طالبين فدية كبيرة، وعندما رد ابنها عليهم قالوا له أن عليه أن يدفع 50 ألف من الدولارات، توسل إليهم واخبرهم أن ليس بإمكانه دفع هذا المبلغ، وان كل ما يملكه من "تحويشة العمر" لا يتجاوز ال15 ورقة اي 1500 دولار، وظلت المساومات طيلة أربعة أيام، أذاق الرعاع المرأة الطاعنة الأمرين وساموها سوء العذاب، كل ما استطاع جمعه من الأصدقاء والأهل وبيع كل ما يحتويه بيته هو خمسون ورقة، أي خمسة آلاف دولار، وقد وافق القتلة أخيرا على المبلغ وأفرجوا عن الوالدة ولكن بعد أن رأت كل أنواع العذاب.

كان الوقت قبل الظهيرة عندما توقفت سيارة في الساحة التي اسكن، كان فيها اثنين من هؤلاء القتلة، نزلوا من السيارة، كان العديد من الأطفال يلعبون برغم الحرارة الشديدة، طلبوا من احدهم- عامر الذي لا يتجاوز العاشرة من عمره وكان يسكن في البناية المقابلة لنا مباشرة-، ماء يشربونه، ذهب إلى الشقة وجلب لهم الماء ليطفأوا ظمأهم، إلا انه وعندما ناولهم الماء، ألقوه في مقعد السيارة الخلفي وانطلقوا به بعيدا، لقد اخبرني أطفالي عن ذلك وهم في حالة من الرعب الشديد، وزوجتي في حالة من الذهول، الصدمة ربما، لا بل أسوأ من ذلك، كانت ترتعد خوفا، تبكي بحرقة، لم أرها تبكي هكذا إلا عندما سقطت بغداد، كانت تسرد لي كيف رأتهم من النافذة وهم ينطلقون بالسيارة وهي لا تستطيع حتى الصراخ، كانت تحدثني عن كيفية اختطافه وكأنه احد أولادها، قالت لي انه تم أخذه هكذا من بين أقرانه، بقلوب قاسية لا مكان فيها للرحمة، وبمشاعر لا تهتز، في رابعة النهار.

    وبدأت الحكاية كما كل الحكايات المماثلة، مساومات ومفاوضات، وضرب للطفل على مسمع من أهله من خلال الهاتف النقال، وتهديد باغتصابه أو قطع أجزاء منه وإرسالها إلى الأهل كقطع الأذنين مثلا، وتنتحب النساء، ويعجز الرجال عن فعل أي شيء، لقد كنت اشعر كم نحن عاجزين عن فعل أي شيء لهذه الأم التي تنوح ليل نهار، كان عويلها يتسبب في قشعريرة في جسدي، كان قلبي يتقطع ألمًا وحزنا، وكنت اشعر بأننا مجموعة من العجزة لأننا كنا فعلا عجزة، لا نستطيع عمل أي شيء من اجل تهدئة هذه السيدة التي قد يقتل ابنها في أي لحظة، هذا الشعور بالعجز كان يتسبب في مضاعفة المعاناة، فلقد أخذه قوم قساة القلوب، هذا إن وجدت لديهم قلوب أصلا، ولم يتم استرداد الطفل إلا بعد فترة أسبوع ودفع عشرين ألف دولار.

    كانت احد معلمات ولاء وعمر الذي دخل الصف الأول في المدرسة القريبة من البيت، كانت على درجة عالية من الأخلاق والثقافة، اختطف المجرمون زوجها، اتصلوا بها طالبين خمسين ألفا من الدولارات، واتى الأهل وبعد مفاوضات معقدة وكيف وأين يتم التسليم، تم الاتفاق على دفع مبلغ عشرين ألف دولار، وتم دفع المبلغ، إلا أن الزوج لم يعد أبدا. لقد قتله القتلة، لقد اتصلوا بها بعد أن دفعت الفدية بان بإمكانها أن تستلم الجثة من المشرحة في مستشفى اليرموك، لقد كانت صدمة في المدرسة، لقد بكت المعلمات كما الطالبات والأطفال، لقد عمت المدرسة حالة من الذهول، الرعب والهستيريا والنواح سادت في جنبات المدرسة، لم احتمل ما نقلته إلي زوجتي عن الموقف، شعرت بالغثيان، بقرف وتقزز شديدين مما يحدث وتساءلت لماذا قتله؟ أوَ لم يدفع لهم ما وافقوا على أخذه هكذا غيلة وغدرا، إذا لماذا قتله؟ لقد أدمت تلك الحادثة القلوب وخاصة الأطفال الذين كانوا يشاهدون المعلمة وهي تنوح بحرقة وتمرغ وجهها بالتراب هي وأطفالها الذين كانوا يدرسون في المدرسة كذلك، لقد ظل الحديث عن مأساة المعلمة في المدرسة طويلا.

    لقد كانت هنالك مئات لا بل آلاف القصص المماثلة ولا زالت, إن بالإمكان الحديث عن آلاف القصص والحكايات المشابهة, ولسوف تستمر هذه الجرائم طالما بقي الجيش الأميركي الذي لا هم له سوى توفير الحماية لجنود الاحتلال.

    كنت انوي التوجه من الحي حيث اسكن، إلى البياع، والحقيقة أن المكانين لا يبعدان سوى اقل من دقائق معدودة، كنت قد سمعت صوت انفجار هائل قبل أن أغادر الشقة بدقيقتين أو ثلاثة دقائق، كان واضحا أن الانفجار قريب جدا من الحي لأنه هز أركان العمارة بشكل ذكرنا بأيام القصف الرهيب على بغداد، وهنا كان لا بد من أن أتشاجر مع الزوجة التي أرادت منعي من المغادرة حرصا وخوفا، إلا أنني كنت مصرا على التوجه إلى مبتغاي، وقد كان الانفجار قريبا جدا من المكان فهو يبعد اقل من كيلومتر، وقد توقفت كما كل الفضوليين الذين توقفوا، كانت بعض الجثث لا تزال ملقاة في الشارع، لقد كان الانفجار عند تقاطع للإشارات الضوئية الذي عادة ما يكون مزدحما بالسيارات، وكانت عمليات الإنقاذ لا تزال مستمرة، لقد ترجلت من السيارة، وصرت أراقب ما يحدث واسمع ما يقال، لقد كان الكل يلعن الأميركيين، وكثير من هؤلاء يؤكد لا بل يحلف أغلظ الأيمان انه شاهد طائرة أميركية وهي تطلق صاروخا ومن بعد ذلك حصل الانفجار.

    لقد وقع الانفجار في صهريج للنفط بينما هو ينوي التوقف عند الإشارة الضوئية، والحقيقة أن لا احد يستطيع أن يحدد ما الذي حدث، هل كان الصهريج مفخخا أم انه انفجر تلقائيا، أم أن صاروخا ضربه.

    لقد سمعت الكثير من القصص المشابهة خلال فترة وجودي في العراق بعد الاحتلال. فمثلا، هناك من يؤكد أن الكثير من السيارات التي يقال أنها مفخخة أو أن انتحاريا كان يقودها هي من فعل الأميركيين، وان ما يقال ويتردد عن تفجيرات في هذا المكان أو هذا الحي أو ذاك إنما يقف وراءه قوات الاحتلال الأميركي وعملاء الاحتلال وخاصة الذين أتوا معهم من اجل تعميق الفجوة بين أبناء الشعب الواحد.

    فبالنسبة للسيارات المفخخة التي يتم تفجيرها في الأسواق والأماكن المكتظة أو في الأحياء السكنية مستهدفة المدنيين الأبرياء، يعتقد الكثير من العراقيين أن من يقف وراءها هم قوات الاحتلال، حيث يقول هؤلاء أن الأميركيين بإمكانهم أن يتحركوا بحرية وبسهولة، ولا احد يستطيع أن يمنعهم من فعل ما يشاؤون، ويتابع هؤلاء أنهم شاهدوا الكثير من السيارات العراقية التي يتم جرها من قبل الأميركيين إلى داخل معسكراتهم، ويتساءل هؤلاء، من يقول أنهم لا يقومون بتفخيخ تلك السيارات ومن ثم وضعها في الشوارع أو الأسواق أو حيثما شاؤوا؟، أو ليس هم من يتسيد الشارع خلال ساعات منع التجول ليلا؟ أو ليس لهم من العملاء الكثير؟ لماذا لا يقوم هؤلاء العملاء بإيقاف تلك السيارات حيث يطلب منهم ومن ثم يتم تفجيرها.؟

    أما عن السيارات التي يقال أنها فجرت من قبل انتحاريين، فيقول هؤلاء أن هذا ليس بالضرورة هو الصحيح، حيث وفي أحيان كثيرة يقيم الجيش الأميركي نقاط تفتيش أو حواجز داخل العاصمة أو خارجها، وأحيانا لا يتم السماح لمن يقود السيارة بالنزول منها خلال عمليات التفتيش، ويتابع هؤلاء من يستطيع أن يمنع القوات الأميركية بوضع المتفجرات في صندوق السيارة في غفلة من سائقها، الذي يكون همه هو أن يمر عبر هذا الحاجز، وبعد أن يأمروه بالمغادرة يتم تفجير ما تم وضعه في الصندوق بواسطة التحكم عن بعد، والحقيقة أن هذه القصة ترددت كثيرا في بغداد بعيدا عن ما أكده الكثير من العراقيين الذين قالوا أنهم شاهدوا سيارات تنفجر بعد أن تعبر الحواجز بمسافة ليست بعيدة.

    بعد أن انتهت الحرب على العراق وبعد أن أتمت قوات الاحتلال السيطرة على هذا البلد من قبل الغزاة، كان لا بد لي من التوجه إلى الأردن للغرض ذاته الذي زرت عمان من اجله قبل بداية الحرب ألا وهو طمأنة الأهل والأصدقاء بأنني لا أزال بخير،


    بعد عودتي إلى العراق كان لا بد لي أن أعيش حياتي كما هي، وسارت الحياة بحلوها ومرها، وكنت أعيش دوما حالة من التفاؤل الذي لم أعشه من قبل فيما يتعلق بالمقاومات العربية المختلفة، إلا أن مشاهداتي كانت تجعلني اشعر بان هذا التفاؤل بازدياد برغم كل الأحداث التي قد تكون سببا في الإحباط لدى الآخرين.

    لا اعتقد أن أحدا لم يسمع بشارع حيفا، انه احد أكثر الشوارع التي ذاع صيتها خلال فترة الاحتلال ومن ثم عرف عنه انه الشارع المقاوم في قلب العاصمة العراقية. عند الحديث عن هذا الشارع فان البعض وربما الكثيرين قد يعتقدون انه مجرد شارع كما بقية الشوارع في العاصمة بغداد أو في أي عاصمة أو مدينة عربية أو غير عربية. والحقيقة انه عندما تتحدث وسائل الإعلام عن هذا الشارع فإنما المقصود منطقة شاسعة في وسط بغداد، وحيث أن هذا الشارع هو الأكثر تميزا فانه يتم ذكره عندما يتم الحديث عن تلك المنطقة، لقد كان لي مع شارع حيفا هذا العديد من القصص والذكريات التي لا اعتقد أنها سوف تمحى مع مرور الوقت.

    شارع حيفا يقع في قلب منطقة تمتد على عدة كيلومترا من بغداد، فالمنطقة تضم العلاوي والرحمانية والكرخ والشواكة وجزء من الصالحية القريبة من وزارة الإعلام وغيرها، وهذه تضم عشرات الآلاف من السكان كما أنها تقع في قلب العاصمة، ولا تبعد إلا عدة مئات من الأمتار عما أصبح يعرف بالمنطقة الخضراء التي تقع بداخلها السفارتان الأميركية والبريطانية كما عدة سفارات أخرى، إضافة إلى أشهر فنادق بغداد وهو فندق الرشيد الذي تم قصفه من قبل القوات الأميركية في الحرب الأولى على العراق كما بعدها وذلك عندما تم توجيه تهمة للعراق بأنه وراء التخطيط لمحاولة لاغتيال الرئيس الأميركي جورج بوش الأب خلال زيارته للكويت، والذي كانت على مدخله صورة للرئيس الأميركي الأسبق بوش الأب، حيث كان لا بد للداخل إليه أن يدوس على وجه بوش في صورة رمزية أرادها العراقيون للدلالة على ما يحملونه تجاه هذا الكاوبوي المتعجرف.

    كنت وابني محمد متجهين باتجاه باب المعظم عندما صرنا في وسط شارع حيفا، وإذا بالعديد من السيارات ترتد على أعقابها وتسير بعكس اتجاه السير، ولما استفسرت عن الأمر قيل لي إنهم "المجاهدين" وقد نصبوا نقطة تفتيش عند ساحة الطلائع في نهاية الشارع يدققون في هويات الناس، وقد أكملت سيري باتجاههم برغم أن محمدا وقد كان في العاشرة من عمره عندئذ، طلب مني العودة كما يفعل الآخرون، وعندما وصلت إليهم وكانوا حوالي ستة من الشباب، هؤلاء الذين يقفون أمامي مباشرة، إلا أنني استطعت أن ألاحظ العديد الآخرين منهم وهم منتشرون بجانب العمارات السكنية وفي زوايا الساحة المختلفة، كانوا مسلحين بالبنادق والمسدسات وقذائف ال آر بي جي، وقد طلب هؤلاء مني الهوية وعندما تحدثت إليهم بلهجتي غير العراقية تلك اللهجة التي أتقنها تقريبا، رحبوا بي بحرارة وتمنوا لي الموفقية.

    بعد أن غادرنا  نقطة تفتيش "المجاهدين" سألني ابني لماذا هذا الإصرار على أن أكمل طريقي وان  أمر عبرهم، وكان ردي له أن هؤلاء من المقاومة التي لا يمكن أن تتعرض لي آو لغيري، عدا عن أنني لم افعل شيئا قد يسيء إليهم، وهم لا يمكن أن يعتدوا على الناس هكذا لمجرد أنهم أناس عاديون، قال لي محمد بكلماته البريئة والبسيطة ما معناه: يا أبي لقد أفزعتني، لقد شعرت أنني لا استطيع أن أسيطر على نفسي، إن أسناني لا تزالان تصطكان من الخوف ورجلاي لا تقويا على حملي برغم أنني اجلس على مقعد السيارة، قلت له انظر إلى الخلف ألا ترى أننا لسنا الوحيدين الذين عبرنا نقطة السيطرة، إن هنالك العديد من الناس يعبرونها بدون أية مشكلة.

    في نفس المكان تقريبا في نفس الشارع وفي مرة أخرى لكن بالاتجاه المعاكس، أي أنني كنت قادما من باب المعظم باتجاه العلاوي ومن ثم إلى المنصور فالبياع فإلى الشقة في حي صدام، كنت لا أزال في بداية شارع حيفا أي قرب ساحة الطلائع، وإذا بي اسمع إطلاق للرصاص كثيف، لقد كان على بعد مئات الأمتار مني، ولما استمريت بالتوجه أماما وصلت إلى العلاوي وقد توقف إطلاق النار.

     لقد وصلت حيث كان الحادث قد وقع، إنها سيارة رباعية الدفع كان بالإمكان ملاحظة أن كل ما سمعته من إطلاقات كان في السيارة، لان المنطقة من الازدحام بحيث لو أن هذا الإطلاق كان على الناس لحدثت مجزرة. كان في السيارة شخصان أو على الأصح جثتين لشخصين وقد تعرضا إلى عشرات الرصاصات التي اخترقت جسديهما، لقد كانا احد المدراء العامين وسائقه، العملية لم تكن متميزة عن غيرها بأي شيء ربما، سوى في دقة المعلومات الاستخبارية والمتابعة الدقيقة والتوقيت وهذا الإقدام والجرأة في التنفيذ لدى رجال المقاومة الذين كمنوا في المنطقة في ساعة ازدحام شديد لا يستطيع السائق إلا أن يسوق ببطيء شديد، لقد نفذوا العملية بكل يسر وسهولة وانسحبوا دون أي مشكلة تذكر ودون أن يعترضهم احد أبدا.

    عندما كنت اسلك شارع حيفا كانت تعتريني الكثير من المشاعر المتناقضة، لم يكن من السهل التمييز بين الشعور بالقلق أو الرهبة وحتى الخوف أحيانا وبين الشعور بالزهو لمناظر الشبان أو "المجاهدين" كما يفضل العراقيين مناداتهم، وهم منتشرون في جنبات الشارع في حالة من الاستنفار والاستعداد عالية لمواجهة الغزاة وعصاباتهم.

    لقد كانت رؤية الجثث وهي ملقاة في الشوارع البغدادية تزداد مع تقدم الوقت، ليس من السهل أن ترى الإنسان وهو مجرد جثة ملقاة على قارعة الطريق، خاصة إذا ما رأيت الكلاب الضالة تحوم حول تلك الجثث، حيث بالإمكان عندئذ أن تدرك أن هذه الجثث سوف تنهش من قبل هذه الكلاب بعد حين.

    كنت مضطرا لان اسلك شارع حيفا بشكل شبه يومي لقضاء بعض الأعمال، وقد كان الشارع لا يخلو من حدث، فبينما كنت أسير فيه وإذا بمجموعة من الشبان- المجاهدين- يستوقفونني ولكن بشكل مفاجئ، وعندما تحدثوا إلي واكتشفوا أنني عربي حيث تحدثت إليهم بلهجة عربية وليس عراقية، طلبوا مني النزول من السيارة، وعندما استفسرت عن السبب قالوا لي أن علي معاينة جثة كانت ملقاة على جانب الشارع قيل أنها لشخص عربي.

    كان الوقت عصرا عندما وقع ذلك، لقد كشفوا لي عن وجه القتيل، كان يبدو انه قتل منذ فترة قصيرة، شاب في العشرينات من العمر قمحي اللون ذو شارب رفيع وملابس عادية لا تشير إلى ما هو غير عادي. قلت لهم أنني لا اعرفه، شكروني وسمحوا لي بالمغادرة، ما أثارني حول هذه الجثة أنني وفي اليوم التالي وبينما كنت أمر من نفس المكان وبعد أربع وعشرين ساعة لا تزال الجثة في عين المكان، برغم أن مدينة الطب لا تبعد أكثر من مئات قليلة من الأمتار.


    كان من ضمن ما يلفت انتباهي وغيري من أهل بغداد من عرب وعراقيين هذا التكتم الإعلامي الشديد على العمليات اليومية التي تجري في بغداد، إن بإمكان أي مقيم في بغداد وبالضرورة في بقية أرجاء العراق أن يسمع أصوات الانفجارات التي تقع بين الفينة والفينة في أنحاء المدن المختلفة كما في العاصمة العراقية، إلا أن ما يتم الإعلان عنه هو تلك الانفجارات التي تستطيع وسائل الإعلام الوصول إليها أو سماعها ربما، فلقد كنا نسمع العديد من الانفجارات وخاصة تلك التي تقع أثناء ليل بغداد الحزين والمليء بالقصص المرعبة، إلا أن هذه الانفجارات لا يتم الحديث عنها أو ذكرها في وسائل الإعلام المختلفة.

    لقد صرت أحاول أن أوثق بطريقتي الخاصة عدد الانفجارات التي نسمعها بشكل شبه ليلي، كما أحاول توثيق ما اسمعه عن أحداث أو انفجارات أو عمليات اغتيال وقتل،ومن خلال مقارنة عدد ما اسمع من انفجارات أو عمليات أو ما ينقل إلي من الأصدقاء والمعارف الثقات وتلك التي يتم الحديث عنها في وسائل الإعلام المختلفة، كنت ألاحظ الفرق الشاسع فيما هو واقع على الأرض وما يتم الإعلان عنه، ولا اعتقد أن ذلك الفرق بين هذا وذاك كان بمحض الصدفة أو مجرد خطأ غير مقصود، لقد كان ما يحدث من تعتيم سياسة واضحة وممنهجة، ولا يمكن اعتبارها إلا أنها سياسة يقصد من خلالها  إخفاء الواقع الحقيقي لما هو جار على الأرض.

    مع استمرار الوجود الأميركي في العراق تزداد وتيرة المقاومة وبالتالي تزداد الخسائر التي يتم إلحاقها بقوات الاحتلال، واستطيع القول انه واهم من يعتقد أن بإمكان القوات الأميركية هزيمة المقاومة العراقية، أو أن تستطيع حكومة الدمى في بغداد أن تهزم المقاومة، لان هذه المقاومة تنبع من آلام وجراحات العراقيين الذين لم يقبلوا أبدا بوجود هذه القوات، ولان العراقي بطبعه وفطرته ترعرع على الكبرياء والنخوة والشهامة، إن القوات الأميركية لا تستطيع دخول شارع حيفا على سبيل المثال إلا في المدرعات والدبابات والسيارات عالية التصفيح، ولم يحدث أن رأيت أي من سيارات الهمر او الهمفي في شارع حيفا، وان حصل فلا بد أن تكون مصحوبة بعشرات المدرعات والدبابات، أي باختصار وببساطة إعادة احتلال. نعم لقد كان يتم إعادة احتلال  هذا الشارع بشكل أسبوعي تقريبا، والمقصود هنا إرسال عشرات الدبابات والمدرعات ومئات الجنود إليه بينما تحلق الطائرات المروحية وغير المروحية في أجواء المنطقة.

    إن سيطرة القوات الأميركية على العراق واحتلاله ومحاولات الترويج الإعلامي التي قامت بها ماكينة الإعلام الغربية الجبارة بقصد تشويه صورة الإنسان العراقي، وانه يرحب بهذا الاحتلال، نجحت إلى حد كبير في ذلك، وقد استطاع هذا الإعلام أن يرسم صورة قاتمة في نفوس وعقول الكثير من الناس ليس البسطاء منهم وحسب لا بل والمثقفين كذلك، وما يدفع على الحيرة والدهشة أن هؤلاء الناس وخاصة المثقفين منهم وقعوا في فخ هذه الدعاية وأصبح الكل أسير نفس النغمة التي يتم ترديدها في الإعلام الغربي كما والإعلام المشبوه، ولم يحاول هؤلاء أن يتساءلوا عن إذا ما كان الشعب العراقي يتسم بذلك وانه إذا كان يرحب فعلا بالاحتلال إذن لماذا تتحول بغداد إلى قلعة حصينة؟ فأينما تتلفت تجد الموانع الإسمنتية المسلحة وبارتفاعات تصل في كثير من الأحيان إن لم يكن في اغلبها إلى ثمانية آو ستة أمتار.

    لقد أراد هؤلاء الأفاقين أن يصوروا أن العراقيين لا علاقة لهم بالمقاومة، كما رغبوا أن ينزعوا عن شعب العراق العربي الأبي صفة الوطنية والانتماء، كما أرادوا أن يَسِموه بِسِمَة التخاذل وغير المقاوم وهذا ما لا يمكن قبوله. ليس ذلك فحسب، لا بل وأرادوا أن يقولوا وما زالوا يزدادون إصرارا على أن ما يحدث في ارض الرافدين إنما هو بفعل فاعل، وهم يؤكدون على أن هذا  الفاعل ليس عراقيا، وان من يفعل ذلك هم أولئك الذين أتوا من خلف الحدود، وعندما يتحدث هؤلاء عن العنف والإرهاب والقتل فإنما يقصدون المقاومة، في محاولة منهم للقول أن الإنسان العراقي قد قبل بمصيره وبقدره وانه يرحب بهذا الاحتلال والامتهان والاستباحة للأرض العراقية كما الكرامة والسيادة الوطنية وهو لا يرغب في مقاومة هذا لاحتلال.

    هذه المحاولات البائسة لتصوير العراقي على انه لا وطني وانه لا مقاوم، تدحضها العمليات الجريئة والجسورة كما المستمرة واللامنتهية التي يتم تنفيذها بشكل يومي، وعندما نتحدث هنا فإنما نتحدث عن العمليات التي تستهدف القوات الغازية وعملاء الاحتلال، لان لا احد يمكن أن يقبل بكل هذا القتل غير المبرر للأبرياء في الشوارع والأسواق، وان المحاولات اليائسة لتصوير ما يحدث بأنه يأتي من وراء الحدود ثبت فشلها وعقمها، وذلك من خلال الأرقام والإحصائيات التي يوردها هؤلاء الأفاقين أنفسهم، فقد قال احد المتحدثين الرسميين باسم حكومة الدمى انه من بين ما يقارب 500 معتقل تم اعتقالهم في إحدى الحملات في بغداد تم اعتقال 8 من جنسيات عربية.

    إن الحديث عن الجنسيات العربية هو في واقع الأمر حديث فيه الكثير من التضليل والخداع، فهنالك عشرات الآلاف من العرب المقيمين في العراق، ومن بين هؤلاء هناك الآلاف ممن  يقيمون في بغداد، وقد حصل في أكثر من واقعة أن من يتم اعتقاله ليس له علاقة لا بالإرهاب ولا بالمقاومة، إنهم أناس بسطاء يقيمون في العراق منذ ما يزيد على عقود ثلاثة، ومحاولات الزج بهم وأنهم متورطون في ما يسميه الاحتلال إرهابا ثبت فشلها وعقمها، لان اغلبهم يتم الإفراج عنهم بعد فترة قليلة إذا ما  وقع هؤلاء بيد قوات الاحتلال، وكثير ممن يتم اعتقالهم على أيدي القوات الحكومية تتم تصفيتهم ورميهم على قارعة الطريق.

    القضية الأخرى الهامة التي استفاد منها هؤلاء في بدايات الاحتلال واستثمروها بشكل جيد، هي محاولة الناس بشكل عام النأي بأنفسهم عن النظام السابق بكل ما فيه سواء أجهزته الأمنية أو الحزبية، بحيث صار التنصل من كل ما يمت للنظام والحقبة السابقة هي السمة الغالبة، وصارت أي محاولة للدعوة للمقاومة تفسر على أنها محاولة لدعم النظام السابق واستعادته إلى السلطة، وهكذا استطاع هؤلاء أن ينشروا ثقافة تتسم بالتخويف والترهيب وهذا ما أخّر بشكل أو بآخر انطلاقة أكثر قوة للمقاومة العراقية، أضف إلى ذلك تخاذل المرجعيات الدينية وخاصة المرجعيات الدينية الشيعية المنحدرة من أصول فارسية أو غير عربية عندما لم تدع إلى قتال الغزاة. 

    لقد حول هؤلاء الغزاة المدينة إلى قلعة حصينة، بحيث صارت الشوارع التي يمنع على الساكن في بغداد أن يسلكها أكثر بكثير من تلك التي يسمح له في استعمالها، وصار كل قوم وحزب من هؤلاء الذين قدموا من الخارج يقيم ما يشبه معزولته، مغتصبته أو مستعمرته أو ربما يمكن تسميتها "الغيتو" الخاص به، حيث يقيم مع المجموعات المخلصة له فيها. ويقوم هؤلاء بوضع الحواجز الإسمنتية حول كل زاوية وشارع قد يؤدي إليهم، ويُبقون على مدخل أو مدخلين تكون محروسة بشكل يصعب اختراقه، هذه المداخل عليها عشرات من الحراس الذين لا يمكن أن يترددوا في القتل في أية لحظة من لحظات الشك.

    هذه "المغتصبات آو الغيتوات" هي في حقيقة الأمر عبارة عن قصور وفلل وممتلكات كبار القادة في النظام السابق، وقد أتى هؤلاء التابعين للأجنبي وسيطروا عليها بدون حسيب أو رقيب، وأقاموا حولها ما أقاموه من تحصينات دون اي رادع حيث لا قانون في البلد، وقد استفاد هؤلاء من حالة الفلتان وغياب سيادة الدولة، ليمارسوا كل الموبقات وكل الممنوعات، وهذا ليس بغريب على هؤلاء إذا ما وجدنا أن سيدهم الأميركي والذي أتى بهم إلى هذه البلاد كان قد سمح لنفسه بالسيطرة على منطقة واسعة من بغداد وأطلق عليها اسم المنطقة الخضراء.
 
    ليس هذا فقط، بل وزيادة في الحرص أو في الحقيقة الخوف والهلع وللتأكد من مزيد من الحماية، فقد تم منع العراقيين أهل البلاد من سلوك الكثير من الطرق، وهذا ما جعل من بغداد بعد الاحتلال أكثر العواصم ازدحاما ربما في العالم، ولم يكتف بذلك، فقد تمت إحاطة كل الجسور وخاصة تلك الجسور الواقعة على الطرق السريعة بشبك من الأسلاك خوفا من عمليات المقاومة الباسلة التي أرّقت ولا زالت ليل المحتل ومن تحالف معه من العراقيين وغير العراقيين.

    لقد تم حرمان العراقيين من الكثير من المناطق الجميلة التي كانوا يتمتعون بها على ضفاف النهر في بغداد، كما ضيقوا عليهم الخناق بحيث صارت قيادة السيارة في بغداد بعد أن كانت متعة للراغبين، صارت تشكل ضغطا نفسيا كبيرا على كل من يجد نفسه مضطرا للسفر بسيارته في شوارع بغداد، والحقيقة انه إذا كان الحديث في العهد السابق يدور عن مضايقات للناس إذا ما حصل لهم عطل او اضطروا للوقوف في بعض الشوارع لخلل ما، فان الأمور الآن هي أسوأ بكثير مما كانت عليه سابقا.

بإمكان كل البغداديين أن يسمعوا ويلاحظوا التصرفات البغيضة التي يمارسها رجال ومنتسبي القوات الأمنية المختلفة في شوارع العاصمة العراقية، وهم في الواقع لا يتوقفون عن شتم هؤلاء خلال تجوالهم بسياراتهم الحديثة في شوارع بغداد بكل رعونة وبإحساس لا يتسم بأي نوع من أنواع المسؤولية.

         لقد ساهمت الميليشيات التي أتى كثير منها عبر الحدود الإيرانية والبعض الآخر فوق الدبابة الأميركية في تدهور الأوضاع الأمنية، وصارت جزءا لا يتجزأ من المشكلة الأمنية المعقدة في العراق، فقد مارس هؤلاء كل أنواع القتل والسرقة والسلب والنهب في رابعة النهار، وصاروا دولة داخل الدولة واستطاعوا التوغل في كل جزئيات الحياة العراقية وتفاصيلها اليومية، لا بل وبثوا روحا من الرعب غير المعهود في الشارع العراقي. وإذا كان الناس في العراق أيام النظام السابق يحسبون حسابا لجهاز مخابرات أو مؤسسة أمنية واحدة فان عليهم الآن أن يحسبوا حساب عشرات الأجهزة التابعة لهذه الميليشيات.

     كنت أتردد على مكاتب الشركة التي كنت اعمل بها قبل الغزو برغم عدم وجود أية أعمال يمكن ممارستها، وكانت قريبة من احد الفنادق التي يستعمل من قبل القياديين الأكراد خلال تواجدهم في بغداد، وكان هؤلاء كغيرهم من قادة الميليشيات الآخرين قد نشروا رجالهم في بغداد من اجل شراء مسروقات الدولة المختلفة من اجل اقتنائها لصالح ميليشياتهم وليس من اجل استردادها لصالح الدولة المركزية، كما ومن اجل الثراء السريع والاستفادة قدر الإمكان من هذه الحالة الهلامية التي ربما لن تتكرر.

     كنت أشاهد رجال الميليشيات الأكراد وهم يقودون مئات السيارات رباعية الدفع الحديثة التي تم شراؤها من السراق أو السيطرة عليها من مخازن الدولة من قبل هذه الميليشيات لا فرق، كانوا ينطلقون في مواكب طويلة وفي كل سيارة شخصان، السائق وبجانبه شخص آخر مسلح، استمرت العملية لأيام عديدة لم اعد أتذكر عددها، والحقيقة أن الحكومة العراقية السابقة كانت قد استوردت آلاف من هذه السيارات قبل الغزو ولم يتم استعمالها أبدا وكان آلاف منها لا تزال في المخازن الحكومية، أضف إلى ذلك أن هذه الميليشيات كانت تنشط في شراء حديد التسليح (البناء) خاصة وان عشرات آلاف الأطنان تم نهبها وسرقتها من مخازن الدولة.

    من نفس المكان كان بإمكاني أن اجلس وأراقب مطابع جريدة الثورة وألاحظ ميليشيا احمد الجلبي التي تعاطت بنفس الطريقة مع كل الأشياء المسروقة واللاقانونية، كان هؤلاء يتصفون بطريقة أكثر رعونة من رجال الميليشيات الأكراد (يبدو أن تجربة الأكراد في المناطق الشمالية شذبتهم وجعلتهم أكثر انضباطا) فقد كنت أرى فيهم روح العصابة وممارستها، كانوا يروحون ويجيئون حاملين أكياس العملة العراقية التي يقومون بتزويرها أو تلك المزورة التي يشترونها من الأسواق، كان يتم بيع العشرة آلاف المزورة بأربعة أو خمسة وأحيانا بستة آلاف، وكان هؤلاء متخصصون في ذلك، فيما يبدو أن العمل السابق لسيدهم في مجال البنوك قد اثر عليه برغم أن هؤلاء عملوا في كافة مجالات الممنوعات.

في الحقيقة أن هنالك المئات من القصص التي يمكن سردها في هذا المجال، إلا أنني أعتقد أن ما تم الحديث عنه يمكن أن يعطي فكرة جيدة عن الأوضاع في العراق بعد الاحتلال.

    ولكن ماذا بعد هذه السنوات الخمس من الاحتلال للعراق؟، هل صار العراق أفضل مما كان عليه؟، وهل تم توفير الخدمات الضرورية  للمواطن العراقي مثل الكهرباء والماء والوقود، وهل يشعر الإنسان العراقي بالأمن أكثر من السابق، وهل يمكن الحديث عن الديمقراطية المزعومة؟، ع


صوت للموضوع

1 2 3 4 5 Rating: 5.00Rating: 5.00Rating: 5.00Rating: 5.00Rating: 5.00 (المجموع 3 الاصوات)
comment اضف تعليق (0 تم ارسالها)

الاكثر قراءه

شات chat يوتيوب فيديو Videos You Tube

الرئيسية | |اعلانات زواج | المنتدى | الاغاني | صحف ومجلات | دليل البرامج | عالم المرأة | انترنت للمبتدئيين | المنتدى | مركز الالعاب | تحميل الصور | دليل المواقع العربية | البوم الصور | جميلات العرب | مجلة كابتن انترنت | اعلانات تعارف | المدونات | مجلة الغربال الالكترونية | منتدى النخبة الثقافي | منتدى البرامج | منتدى المرأة | المكتبة الشاملة

جميع الحقوق محفوظة LATEF.NET تصميم : لطيف مفيد -- ©Copyrights latef.net All Rights Reserved