بثت الفضائيات العربية المختلفة وكذلك القنوات الإسرائيلية المتعددة خبر الهجوم الذي قام به مجموعات من المستوطنين المتطرفين والتي قالت القنوات الإسرائيلية بأنهم من" الغاضبين" على بيت منفذ عملية القدس علاء أبو دهيم التي نفذت قبل أكثر من أسبوع والتي راح ضحيتها ثمانية من الإسرائيليين قالت المصادر الإسرائيلية أنهم طلاب معهد ديني فيما قالت المصادر الفلسطينية بأنهم من عتاة المتطرفين اليهود، وأن هذا المعهد إنما هو متخصص في تخريج القادة المتشددين "لقطعان" المستوطنين الذين يجوبون الأراضي الفلسطينية المحتلة بدون رادع أو وازع، والذين مارسوا – على مدى سنوات الاحتلال- وطبعا لا زالوا، كل أشكال العنف والقتل تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي وبمعيته في كثير من الأحيان.
المثير للانتباه أن الفضائيات العربية المتعددة التي نقلت الخبر انما نقلته هكذا كخبر عادي ولم تحاول التوقف أمامه من اجل تحليله أو التعقيب عليه وعلى مدى الخطورة التي يمثلها هذا الحدث وعلى أية عقلية يحملها هؤلاء العتاة من المتطرفين، عدا عن ذلك فان أحدا لم يتوقف أمام الشعارات العنصرية التي نادى بتا هؤلاء القتلة والتي تبين انهم لا يرغبون في رؤية ولو فلسطيني واحد في الأراضي الفلسطيني.
خلال مشاهدتي لتلك اللقطات تذكرت كيف كانت ردود فعل العالم على مجموعة من الفلسطينيين في قطاع غزة خرجوا إلى الشوارع محتفلين بتنفيذ العملية التي نفذت في القدس للدرجة اتي تم انتقاد ذلك التصرف على أعلى المستويات وبأقسى العبارات من قبل القادة الغربيين وتم وصف الفلسطينيين بأقذع الأوصاف، في الوقت الذي لم نسمع فيه ولو كلمة، عبارة ولا تى إشارة إلى ما قام به شذاذ الآفاق من المستوطنين.
حقيقة الأمر أن الهجوم الذي وقع لم يستهدف فقط بيت منفذ العملية وإنما تم استهداف حي جبل المكبر بأكمله، وتم الاعتداء على الناس فيه وعلى ممتلكاتهم وسياراتهم، وهذا ليس اتهاما بقدر ما هو نقل للصور الحية التي تم بثها عبر كل الشاشات. الغريب في الأمر على اعتبار أن قوات الأمن يجب أن تحفظ النظام بغض النظر عمن يقوم بكسر هذا النظام ،أن عملية الهجوم تمت بوجود عشرات من قوات الأمن الإسرائيليين الذين تعاملوا بكل " لطف وحضارية وتمدن" مع هؤلاء القتلة. هذه الطريقة التي لم نشاهد مثلها أبدا عند التعامل مع المواطن الإسرائيلي من أصول عربية فلسطينية وهذا يؤشر بشكل واضح على التمييز العنصري الذي تتميز به دولة الاحتلال، وهنا لا نريد التطرق إلى الطريقة الوحشية التي يتم فيها التعامل مع المواطن الفلسطيني في الأراضي المحتلة على اعتبار انه مواطن معاد لدولة الاحتلال برغم إن الأطفال الرضع الذين يتم قتلهم في غزة وغيرها لا يمكن النظر إليهم أو تصنيفهم ضمن هذه الفئة.
الحقيقة الأخرى هي أنه إذا كان من حق المستوطن أن يعبر غضبه إذن لماذا لا يكون من حق الفلسطيني إن يعبر عن فرحه، ولماذا يسمح للمستوطن المعتدي أصلا على الأرض الفلسطينية أن يعبر عن غضبه بحماية قوات الأمن الإسرائيلية وتحت سمعها وبصرها ومواكبتها.
المستوطن الإسرائيلي عبر عن غضبه ليلة العملية وشاهدنا كما وسمعنا الشعارات التي تنادي بالموت للعرب والاعتداء على الصحفيين العرب الذين حاولا تغطية الحدث، كما وعبر هؤلاء عن غضبهم خلال تشييعهم لجنازات من تم قتلهم وسمعنا السموم التي تم قولها خلال الكلمات التي ألقاها قادتهم في تلك الجنازات والدس والتحريض على العرب ولم نقل شيئا، أما أن تأتي مجموعات من هؤلاء القتلة وبعد عشرة أيام لتقول بأنها تريد التعبير عن غضبها ضد الناس في جبل المكبر فهذا لا يمكن إن ينطلي على عاقل. لأن "فورة الغضب" تم التعبير عنها بشكل فبيح مثل كل قباحاتهم.
لا يمكن لعاقل أن يقبل هذا " الغضب" الكاذب سوى ضمن محاولات الحكومة الإسرائيلية التي تهدف فيما تهدف إلى تخويف المواطنين العرب الفلسطينيين بشكل عام والمقدسيين بشكل خاص، وأن ما جرى بالأمس لا يمكن إن يخرج عن مخططات إسرائيل الدائمة ومنذ احتلا المدينة المقدسة لتي تهدف إلى تهويد القدس وإجبار أهلها على مغادرتها. ولا يمكن لأحد إن يصدق إن الحكومة الإسرائيلية لم تكن تعلم بنوايا المستوطنين لا بل لا يمكن إن يتم ذلك بعيدا عن التعاون والاطلاع الكامل لأجهزة الأمن الإسرائيلية خاصة في ظل تواتر الأنباء عن قيام جنود قوات الاحتلال بمعاقبة كل من يصادفون من أبناء جبل المكبر على الحواجز أو في الشوارع بدعوى أنهم من أبناء الحي الذي انطلق منه منفذ العملية.
الحكومة الإسرائيلية تمارس كل ما يمكن أن يسهل اعتداءات هؤلاء المتطرفين ولا تأبه بكل ما يمكن أن يقال في هذا السياق بدعوى الديمقراطية المزعومة التي لم نر مثلها في يوم الأرض الفلسطيني - الذي يصادف نهاية الشهر الحالي- عندما قتلت العشرات من المحتجين من أبناء فلسطين عام 1948 والذين هم من ناحية قانونية من "رعاياها". وعل أي حال فإن الحكومة الإسرائيلية الحالية كما كل الحكومات الإسرائيلية السابقة وفي اعتقادنا الحكومات اللاحقة لن تتوقف عن مناصرة هذه القطعان من المستوطنين وفي اضطهاد المواطنين العرب في اراضي عام 1948 ناهيك عن الأراضي المحتلة.
اعتقد إن على حكومة إسرائيل الحالية وتلك التي لا بد آتية فيما بعد أن تدرك أنها وبما تقوم به من متاجرة في الدم الفلسطيني من اجل مكاسب انتخابية ومن اجل تفريغ الأرض الفلسطينية من أهلها إنما هي ممارسات لن تنفعها لا بل سوف تزيد من الغضب في الصدور الفلسطينية وإذا كانت تعتقد بان أهل البلاد سوف يتركوا هذه الأرض فهي واهمة لان ما حصل عام 48 و67 لن يتكرر خاصة وان ما حصل خلال الأربعين سنة الماضية كان أفظع بكثير مما حدث قبل ذلك وها هي التجربة تقول بان هل الأرض باقون كأشجار الزيتون ولن يغادروا.
حدثني صديق تربطه علاقة حميمة بأحد قناصل الدول الغربية انه وبينما هو في زيارة القنصل أذي خدم في أكثر من مكان العالم قال له القنصل ما معناه " انتم الفلسطينيون شعب غريب، فالصيني أو الايطالي أو أي كان عندما يهاجر إلى كندا أو استراليا أو أميركا أو غيرها ينسجم مع الواقع ويصبح واحدا من مواطني تلك الدول ولا يفكر بالعودة إلى بلاده الأصلية إلا فيما ندر وان حصل فلزيارة قصيرة، أما انتم فلست ادري ما الذي يجعلكم تتوقون للعودة للعيش في ظل هذا الجحيم ألاحتلالي غريب أمركم".... و"الذكي يفهم يا فلنائي يا ..... ما راح أكمل بس احتراما للقارئ"
رشيد شاهين – بيت لحم 17-3-2008