جاءت العملية الأخيرة مساء الخميس 6/3 في القدس الغربية المحتلة، وداخل المدرسة الدينية "مركاز هراف" لتحمل عدة دلالات ذات مغزى كبير. فقد حدثت العملية داخل المدينة/المركز في الصراع العربي/الصهيوني، خاصة وأن منفذها "علاء أبو دهيم" واحد من مائتين وخمسين ألف مواطن عربي "مقدسي" هم أبناء المدينة، والمقيم مع عائلته في حي جبل المكبر الواقع في القدس الشرقية. أما المدرسة فهي المركز الديني الأول الذي ربط منذ تأسيسه عام 1924 بين الديانة اليهودية والصهيونية، فهي تعتبر أم "المدارس الدينية الصهيونية" محلياً وعالمياً، ومنها تخرج عتاة العنصريين من المتعصبين الدينيين الذي أسسوا حركة "غوش ايمونيم"، وكبار قادة تأسيس وبناء المستعمرات. وكذلك عضوا الكنيست السابقين العنصريين "حنان بورات وحاييم دروكمان" والحاخامات "إلياكيم ليفانون ودوف ليئور وابراهام شابيرا" وقد تولى الأخير إدارة المدرسة حتى وفاته عام 2007، وهو المعروف بتشجيعه لبناء المستعمرات في الأراضي الفلسطينية، وبإصداره فتوى لجنود الاحتلال بعدم الانسحاب من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة. وهذا ماأكده "أفيشاي بن حاييم" الصحفي في جريدة "معاريف" بأن منفّذ العملية في قلب القدس (قصد لب لباب الصهيونية الدينية: مدرسة "مركاز هراف" التي هي إحدى المؤسسات التعليمية ذات النفوذ الأكبر على "إسرائيل" بعد العام 1967). وأهمية هذه المدرسة تأتي من خدمتها الكبيرة للمؤسسة الصهيونية الحربية، ولوضعها أسس تنظيم العلاقة بين طلبة المدارس الدينية والخدمة في الجيش. وهو ماحرص على التأكيد عليه رئيس وزراء العدو قبل أيام، حين أشاد بدور المعهد الديني الذي (تخرج منه خيرة المحاربين على مدى أجيال ... إنه جزء من العمود الفقري وقدرة الصمود لـ"إسرائيل").
اهتز المجتمع الصهيوني بكامله لهذه الضربة الموجعة، وارتجت بشكل مباشر البنى الأمنية للكيان نظراً لاستشعار هذه التشكيلات، احتمالات "تنفيذ عمليات فدائية سريعة" كرد على مجازر غزة، وعلى اغتيال الشهيد القائد "عماد مغنية"، والتي عجزت بمجموعها عن احباط العملية قبل تنفيذها، خاصة وأن أجهزة العدو الاستخبارية والأمنية كانت قد تلقت خلال الأيام الأخيرة عدة انذارات عن احتمال قيام المقاومين الفلسطينيين بتنفيذ عمليات داخل الكيان، وهو ماأشار اليه "عامي بن دافيد" في صحيفة "معاريف" يوم الجمعة 7/3 (إن عملية القدس جاءت فيما كانت مصادر الشرطة والاستخبارات الصهيونية تتحدث عن وجود 47 إنذاراً بوقوع عمليات، ووصفت ثلاث مدن كمدن مهددة، من بينها إلى جانب بئر السبع وايلات، مدينة القدس). ومن هنا تأتي رمزية المدينة كفضاء للحدث. فالجزء الغربي من المدينة، الخاضع لاجراءات أمنية مكثفة واستثنائية والمستهدف كغيره من المدن بالضربة المحتملة، يتحول إلى "خاصرة رخوة" في بنية الكيان، مما يشير إلى مقدرة عالية حققتها الجهة المنفذة، من خلال عمليات الاستطلاع المكثفة، والمعرفة التفصيلية بالبناء المؤلف من عدة طبقات، وتوقيت التنفيذ في ذروة تجمع طلبة المدرسة. كل ذلك تحقق بفعل القدرات المميزة للشهيد البطل "علاء" . فإطلاق أكثر من ستمائة طلقة _ عشرون مخزناً _ من بندقيته التي حملها مع الذخيرة في صندوق من الكرتون على كتفه، وسهولة التحرك أثناء التنفيذ، تؤكد درجة التدريب العالية للشهيد، المرتبطة بالثبات والصلابة، الفكرية والقتالية، في الاجهاز على الهدف. وهو مالفت النظر إليه " شلومو غازيت" رئيس شعبة الاستخبارات الأسبق، في مقالته المنشورة في جريدة "معاريف" يوم 10/3 (الهدف الذي اختاره منفذ العملية لم يكن بالصدفة ... مدرسة "مركاز هراف" اختيرت بلا ريب بسبب -رمزية المكان– فهذا بؤرة حركة الاستيطان اليهودي في ارض "اسرائيل". أبو دهيم رأى في تلاميذ المدرسة تجسيدا للعدو اليهودي ورغب في قتلهم هم بالذات). وهذا ماأشار إليه رئيس حكومة العدو "أولمرت" عند اجتماع الحكومة قبل يومين (إنه تم التخطيط لها جيداً، وأن منفذها لم يأت إلى «مركاز هراف» من باب الصدفة إنما كان على دراية تامة بأن المكان خاص جداً وقصد المس بمدينة القدس وبرمز الحركة الصهيونية الدينية).
لقد كشفت عملية القدس النوعية مجدداً قدرة قوى المقاومة على العمل الهادىء والصبور، في ظل هجمات العدو اليومية في الضفة الفلسطينية "الاغتيالات والاعتقالات"، وفي مواجهة حملات مطاردة المقاتلينن وجمع سلاحهم، التي تقوم بها الأدوات الأمنية لحكومة فياض، كجزء من تنفيذ المرحلة الأولى لخطة "خارطة الطريق" سيئة الصيت والذكر. وبالتوازي مع الترحيب الشديد الذي عبّرت عنه جماهير الشعب والأمة بهذا الانجاز الكفاحي المتميز، جاءت تلك العبارات التي تضمنتها اللغة اللزجة والمقززة التي استعملها "البعض" في ادانتهم للعملية، والتي عكست ازدواجية المعايير في رؤية ومحاكمة المجازر التي يعيشها الشعب الفلسطيني _الضحية_ منذ عدة عقود، والخسائر التي تلحق بالعدو الغازي والاحتلالي والمدمر لحياة الفلسطينيين _الجلاد_.
لقد أعادت عملية القدس في مكانها وزمانها، انعاش الدور الكفاحي لقوى المقاومة في الضفة، في مواجهتها القتالية للتجمع الاستعماري الاحتلالي، مما يؤكد على ترابط العملية النضالية لشعبنا الموحد في مواجهتها للعدو، واستمرارية دورها في التصدي لكافة أشكال التواجد الصهيوني على الأرض العربية الفلسطينية.