توالت الإنباء خلال الأيام القليلة الماضية عما قيل أنه اتصالات بين حركة المقاومة الإسلامية – حماس- وبين دولة الاحتلال من اجل الوصول إلى تهدئة – شاملة أو جزئية لا أحد يعلم بسبب التكتم المفروض على تلك الاتصالات من قبل جميع الأطراف- يتم من خلالها توقف الحركة الإسلامية وفصائل المقاومة الأخرى عن قصف المدن والبلدات الإسرائيلية بما صورته إسرائيل على انه صواريخ "فتاكة" تقتل المواطنين الإسرائيليين "الأبرياء والعزل".
وبرغم كل محاولات النفي التي تصدر عن طرفي المعادلة إلا أن كل المؤشرات على الأرض تؤكد بان هنالك اتصالات جارية برعاية مصرية وبموافقة أو مباركة أميركية وربما عربية وأوروبية ولو غير معلنة. فمثلا يمكن ملاحظة أن " الصواريخ الفلسطينية الفتاكة" توقفت عن الانطلاق من القطاع منذ عدة أيام، كما إن الاعتداءات الإسرائيلية أصبحت في أدنى مستوى لها حتى لا نقول توقفت خلال نفس الفترة.
اللافت في هذا السياق هو أن الناطقين باسم حركة حماس على مختلف المستويات ينفون بشدة وجود مثل هذه الاتصالات برغم أنها لم تعد سرا، وان كانت كذلك فيما يتعلق بتفاصيلها – مثل أين ومتى وشروط الاتفاق- إلا إن الوقائع على الأرض تؤكد وجود هذه الاتصالات ومنها كما قلنا سابقا هو عدم إطلاق أية " صواريخ" من غزة، وعدم وجود اعتداءات إسرائيلية على قطاع غزة منذ عدة أيام.
يمكننا أن نفهم هذا الإنكار وعدم الاعتراف بوجود مثل هذه الاتصالات أو المفاوضات أو التفاهمات أو سمها ما تشاء، وذلك ربما لحساسية المسالة، كما ولأن حماس وإسرائيل لا تعترفان ببعضهما البعض، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة إن لا اتصالات جارية بينهما سواء من خلال المصريين أو من غير المصريين.
إننا نعتقد بان هذا الإنكار – الشديد- لمثل هذه الاتصالات لن يكون مفيدا ولا مبررا، خاصة وأن هنالك تجارب سابقة – للإنكار- ثبت فيما بعد أنها كانت غير دقيقة وغير صحيحة، ونحن هنا لا نقصد طرفا بعينه بقدر ما نحاول التذكير بان المواطن الفلسطيني بحاجة إلى التعامل معه بشفافية في حدها الأدنى على الأقل، وأن لا تتم الأمور من وراء ظهره ليكون آخر من يعلم بما يدور حوله، والحديث هنا لا يقتصر على موضوع التهدئة، بقدر ما يتعلق الأمر بكل القضايا التي تتصل بمصيره وحياته اليومية ومستقبله بشكل عام.
ان الحديث " المغمغم" وان أي هدنة أو تهدئة سوف لن تكون إلا في صالح المواطن الفلسطيني في قطاع غزة، وأنها سوف لن تكون إلا في صالح القضية الفلسطينية أو كما قال رئيس الوزراء في الحكومة المقالة السيد إسماعيل هنية بحسب جريدة القدس الصادرة يوم الثلاثاء " الحكومة ستساعد القيادة المصرية في التوصل إلى تهدئة متبادلة متزامنة شاملة بهدف رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني"، مثل هذا الحديث "المغمغم" أو غير الواضح لن يكون مفيدا خاصة إذا ما تبين فيما بعد بأن الأمور ليست كما يقال الآن.
على أي حال فإن ما قاله السيد هنية إنما يدحض كل ما يقال من قبل الناطقين باسم حركة حماس، ويؤكد على وجود مثل هذه الاتصالات بغض النظر عن الكلمات التي استخدمها السيد هنية. وهنا فان مبعث الاستغراب هو، ما العيب في إجراء الاتصالات مع العدو إذا كان هذا الاتصال يتم من اجل تخفيف المعاناة عن أبناء الشعب الفلسطيني ويصب في المصلحة الوطنية العليا لشعب الفلسطيني لا من اجل " خراب بيته الخربان أصلا".
من المعروف أن المفاوضات لا تتم بين أطراف متفقة أو منسجمة أو لا خلافات فيما بينها، بل هي وبحسب كل تجارب التاريخ تتم بين أطراف متنازعة متصارعة ومتحاربة فيما بينها، وفي كثير من الحالات كانت عمليات التفاوض تتم بينما جبهات الحرب لا تزال مشتعلة، ولسنا هنا بصدد ذكر العديد من الأمثلة التي لا بد أن الأخوة في حماس وغير حماس يعرفون عنها الكثير. وضمن هذا الإطار فإنني أرغب فقط بالتذكير بما قام به حزب الله سواء على صعيد الحرب الأخيرة أو فيما يتعلق بالاتصالات والمفاوضات الجارية من اجل الإفراج عن الأسرى، وضمن هذا الإطار أيضا فما هو الفرق بين ما يتم فيما يتعلق بقضية الأسير الإسرائيلي جلعاد شاليت وبين ما يجري الآن سواء بالسر أو بالعلن.
وضمن هذا الإطار أيضا فان ما يقوم به السيد محمود عباس هو لا يبتعد كثيرا عما تقوم به حركة حماس، فكلا الفريقين يقوم بالتفاوض مع الإسرائيلي سواء من خلال وسيط أو بشكل مباشر، بغض النظر عما يمكن أن يقوله هذا الطرف أو ذاك في محاولات تبريره لهذا الاتصال مع دولة الاحتلال، إن من الجيد أن تسمى الأشياء كما هي بمسمياتها بدون رتوش وبدون لف أو دوران، ولا يجوز أن نحلل لأنفسنا ما نحرمه على الآخرين أو العكس، ولا بد من التوقف عن إصدار الفتاوى الجاهزة وكيل الاتهامات بالتخوين والتفريط وما إلى ذلك من توصيفات تبعث على الاشمئزاز.
في المحصلة، فإنه إذا ما ثبت حديث التهدئة ولا بد أنه بثابت، فإن السؤال الذي يبرز إلى السطح هو هل بدأت حركة حماس بتغيير تكتيكاتها واستراتيجياتها فيما يخص البرامج التي طرحتها خلال الفترة الماضية، وهل هذا يعني أن حماس بدأت في فهم اللعبة السياسية بشكل أكثر مما كانت عليه قبل الحسم العسكري في غزة، وهل نحن على أبواب مصالحة فلسطينية فلسطينية مرتبطة بشكل أو بآخر بالمبادرة اليمنية، وهل من إمكانية إن تؤدي هذه "التهدئة" إلى انطلاقة جديدة في المفاوضات التي تراوح مكانها منذ فترة ليست قصيرة، الحقيقة أن هذه الأسئلة وأسئلة كثيرة غيرها لا بد من إن تجد ولو بعض الأجوبة خلال القادم من الأيام وربما.