لا أعمم ولا أبالغ فنحن معشر الصحفيين في فلسطين نواجه أزمة بنيوية أحدثت انقلابا في الجسم الصحفي الفلسطيني، أزمة فككت هذا الجسم وحولته إلى قبائل محكومة بتوجهات وإسقاطات خطيرة، إسقاطات ليس من صنعنا لأنها فرضت علينا وتسللت إلى جسمنا بمنهجية مدروسة لتفعل فعلها كما السوس في عصا سليمان.
يجب أن نعترف أن الاقتتال الفلسطيني احدث انقسامات حادة في الأجسام النقابية ومنها قطاع الصحفيين، قبل أيام تداعى العشرات من الصحفيين لاجتماع دعا إلية نقيب الصحافيين نعيم الطوباسي وبحضور أمين عام الاتحاد الدولي للصحفيين إيدن وايت في مدينة رام اللة، تركز الحديث على كيفية إجراء انتخابات لنقابة الصحفيين بمشاركة الصحفيون في قطاع غزة والضفة الغربية دون أية تدخلات أو تأثيرات من المستوى السياسي الذي انتهك حرية الصحافة والمؤسسات الصحفية بطريقة عكست فكرا دكتاتوريا يبرر إقصاء الآخر والتعامل مع حرية الصحافة بالعصا.
انتهى الاجتماع على كلمة واحدة ... الانتخابات بغض النظر عن العقبات التي ستواجه النقابة وبالتحديد في قطاع غزة، وتقاطعت كافة الآراء على تحييد وعدم انخراط الجسم الصحفي الفلسطيني في عملية الاصطفاف والتحشيد الذي سيضعف هذا الجسم أكثر مما هو ضعيف، وخاصة في ظل ظاهرة شراء الذمم وظهور الأجسام التي تحاول إيجاد أجسام بديلة للنقابة التي لا حول لها ولا قوة حيث الضعف وغياب التأثير سمة مميزة لها.
من الناحية النظرية اتفقنا وخرجنا بتصور واحد، لكن ما لفت نظري غياب قطاع واسع من الصحفيين المخضرمين والوكالات بأنواعها المختلفة، لم استغرب هذا الغياب لأنني اعرف حجم الخلافات التي وصلت إلى درجة التناقض، ورغبة قطاع لا باس بة أن لا تتقدم النقابة خطوة إلى الأمام لان مصالحة تتأثر وخاصة أن العمل يجري على قدم وساق بالتعاون مع نقابة المحاميين لصياغة النظام الداخلي الذي سيقف على كل شاردة وواردة وعلى المخالفات التي تسللت إلى الجسم الصحفي في ظل الاتساع الغير طبيعي كما وليس كيفا.
لقد تسلل إلى الوسط الصحفي العسكر والحرامية، وهذا المشهد يعبر عن نفسه يوميا من خلال الأداء اليومي لهولاء، هناك من يحمل القلم أو الكاميرا نهارا والعصا أو الرشاش ليلا وبالطبع فالقناع جزر من العدة، هناك من شارك وبالتحديد في غزة باقتحام أو الإشارة إلى اقتحام المؤسسات الصحفية وتحطيم محتوياتها ومصادرة أجهزتها تحت مسميات مختلفة، هناك من بارك واثني على سياسة تكميم الافواة وقمع الحريات الصحفية والاعتداء على الصحفيين بالعصي لمنعهم من نقل الحقيقة، لقد كان الصمت على قمع الحريات الصحفية سيد الموقف، وكانت الأصوات المنددة ضعيفة وحسب الانتماء السياسي، ما خلق انقسام في الجسم الصحفي عبر عن نفسه بالتبعية والانسياق للأيدلوجيات السياسية ضيقة الأفق والتي تعبر عن شريحة محددة.
عسكرة الصحافة وبالتالي الانحياز الكامل لوجهة نظر بعينها أدخلنا مرحلة جديدة وخطيرة وضعت خلف ظهرها أخلاقيات المهنة وأباحت المحرمات وتجاوزت كل الحدود لتتخندق في صف هذا الاتجاه أو ذاك وتفقد الموضوعية المتمثلة بتبيان الحقيقة ووضعها أمام القارئ أو المشاهد أو المستمع دون التدخل فيها إلا بمقدار التوضيح المستند لمعطيات لا أكثر.
لقد تسللت عبر صحافة العسكرة اصطلاحات ومفاهيم غير بريئة أدت إلى ترسيخ ثقافة العداء في المجتمع الفلسطيني المنقسم على نفسه وكأننا نشارك في ماراثون من الشتائم والأوصاف التي لا مبرر لها، لقد أصبحت المقاطعة في رام اللة منطقة خضراء وحكومة الوحدة الوطنية الحكومة المقالة أما حكومة تسيير الأعمال فأطلق عليها اصطلاح حكومة دايتون... حماس انقلابية.... والمقاومة عبثية... والأجهزة الأمنية في الضفة وصفوها بالعميلة... الخ من الإسقاطات والتسميات التي تنقلها لنا الصحافة المعسكرة بالتساوق مع من هب ودب وضمن نرجسية عمياء لا ترى سوى نفسها ومنخرطة في حالة من الغزل الذاتي في ديمومة لا تنتهي.
في الجاني الآخر وأسف لهذا التعبير الحرامية، الذين حولوا واقعنا الى سلعة بدون مضمون، وضمن فهمهم تحول المقاوم إلى مسلح... والعملية الاستشهادية إلى انتحارية... وجيش الاحتلال الإسرائيلي إلى الجيش الإسرائيلي.... وفلسطين المحتلة إلى الأراضي الفلسطينية... والشهيد إلى قتيل.... سلسلة من المسميات التي تتساوق حرفيا مع ما يطرح في الإعلام الإسرائيلي في محاولة لإحداث تراكم يؤدي لخلق ثقافة تنسجم مع متطلبات المرحلة.
صدقوا إذا شئتم....... لقد ضخت الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية عشرات الملايين من الدولار لاختراق الصحافة الفلسطينية.
لقد خلقوا شريحة من الصحفيين واشباة الصحفيين الذين تحولوا لقطط سمان هدفهم استغلال الجمعة المشمشية .......... والجمعة المشمشية أتت أؤكلها.... فالحقائق خطيرة وتتجاوز المعقول..... مرتبات لا حدود لها... مشاريع وهمية..... وعقود شكلية... ورشات عمل في أفخم الفنادق... دورات صحفية موجهة.... بيع وشراء واستغلال للحاجة.
عسكر وحرامية مشهدان يعبران عن تنامي الفعل المدمر للصحافة الفلسطينية التي تودع عصرها الذهبي الذي عكس واقعا إعلاميا فلسطينيا مؤئرا شارك في صياغة الواقع الوطني الفلسطيني عير العقود الماضية.