كتب الصحفيّ الإسرائيلي جِدعون ليفي مقالا بعُنوان ”درس في الشعر الوطني” نُشر في جريدة هأرتس العبرية اليومية في الخامس من آذار 2000 وإليك أيها القارىء الكريم ترجمته إلى العربية.
في ذات اليوم الذي تلقّى فيه وزيرُ التربية والتعليم، يوسي سَريد، نقداً لاذعاً واتهاماتٍ من جرّاء هزيمة الائتلاف الحكومي، كان قد قام بعمل ذي بال في وزارته. أأهان نائبَه، مشولّم نَهاري أم لا؟ على كل حال، أثبت الوزير بأنّ في وُسعه إضفاء صبغة معينة في وزارته خلال أشهر، في وزارة كبيرة ومتحجّرة كوزارة التربية والتعليم وحتى بدون ميزانية. وعليه فهو يستحقّ الثناء لا الانتقاد.
أعلن سريد بأنه ينوي إدخال شعر للشاعر القومي الفلسطيني، محمود درويش، وللشاعرة سهام داؤود الفلسطينية-الإسرائيلية ولشعراء فلسطينيين آخرين في نطاق برنامج مادّة الأدب. يُسهم الوزير سريد بعمله هذا في عرض أحاسيس أبناء البلاد الفلسطينيين ومصيرهم وتاريخهم وذلك من وجهة نظرهم على الإسرائيليين. من الصعب المبالغة في أهمية هذا الإجراء
منذ الآن سيقرأ طلاب المدارس الثانوية ”وطني حقيبتي” لمحمود درويش. قد تتعالى إلى أنوفهم نكهة القهوة التي أعدّتها والدة الشاعر المهجَّر في قريته المفقودة في الجليل، إلي تلك الرائحة يحنّ في إحدى قصائدة الجميلة والطلاب يتذوّقون طعم الحنين إلى الوطن. إنهم سيقرأون أيضا قصائد الألم التي نظمتها سهام داؤود حين كانت شابةً في حيفا ”أضعت تقاسيم وجهي، سيأتي طفلي المحروق، فقَد الشبابُ قيمته، طفلي مات”. وعندها قد يفهمون أبعاد المأساة الفلسطينية.
بعد تأخير صارخ يستطيع تلاميذ إسرائيل الذين تربّوا وترعرعوا طيلةَ أجيال على برنامج تعليمي فيه إخفاء معلومات وتحيّز سافر، إذ علّموهم أن العرب همُ الأشرار على الدوام ونحن الصادقون الوحيدون، إن أولائك التلاميذ سيكتشفون أن للعملة وجها آخر. ربما تمكّن التلاميذ من خلال شعر محمود درويش وسهام داوود أن يفقهوا أن هذه البلاد لم تكن قاحلة ماحلة قبل قدوم أباء آبائهم إليها، وأنّ قيام دولتهم العادل سبّب إجحافا صارخا لأبناء البلاد الآخرين، وأنّ أبناء هذه البلاد الآخرين الفلسطينيين سواء كانوا لاجئين في الشتات مثل محمد درويش أم لاجئين في بلادهم كسهام داؤود، يحبّونها على الأقلّ مثلهم. سيكتشف الطلبة ربّما للمرّة الأولى في حياتهم أن الاسم ”الفلسطينيون” ليس رمزا جماعيا لطائفة من المخربّين أو لأناس أقلّ شأنا ومكانة منهم بل إنهم شعب كشعبهم أنتج شعراً لا يقلّ رونقاً وجمالاً من شعر شعبهم.
هذه الاكتشافات ستقوّي حتما أبناء هذا الجيل الذي سيتعرّض إليها. بعد أكثرَ من خمسين عاما وإقامة دولة عظمى إقليمية، من الممكن والضروري أن يتعرّف شبابُها على التاريخ الحقيقي لبلادهم وعلى أحلام أبناء البلاد الآخرين وآلامهم. إنهم يملكون القوة الكافية لذلك. المفتشة المركزية للتعليم الوطني الديني فقط أعلنت بأنها لن تنوي إدراجَ محمود درويش في برنامجها، وهذا يدلّ على أن هذا التعليم الوطني الديني ما زال يفتقد الثقة بعدالته ولذلك فهو يخشى أن يعرّض شبابَه لشعر الآخرين
لو كنتُ أستاذاً لمادّة الأدب الواثقَ بعدالته لقصصتُ على طلابي هذا الأسبوع تاريخ حياة محمود درويش، فهو تاريخ المأساة الفلسطينية برمّتها. كنتُ حكيتُ لهم إنه كان ابن ستّ سنين عندما احتلت قريتُه، البِرْوة، في الجليل الغربي ولم يتبقَ منها اليوم سوى أرضٍ وعرية بين يَسْعور وأحيهود، وأنه هرب مع عائلته إلي لبنان وتسلّل إلى بلاده ومكث فيها عشر سنوات حاضراً غائباً، وإنه تلقّى تعليمه وفق البرنامج الإسرائيلي وعاش تحت الحكم العسكري وبما أنه لم يكن ”عربياً جيّداً ” بل شاعراً وفعّالاً في الحزب الشيوعي ضايقته سلطات الأمن دون انقطاع. سافر مرّةً إلى القاهرة وبقي فيها. منذ ذلك الحين لم يُسمح له بالعودة. أمّه وأشقاؤه في الجليل وهو في رام الله على بعد ساعة ونصف وإسرائيل تمنعه من زيارتهم حتى يوم الناس هذا. كل ذلك بسبب شِعره الذي يعشق هذه البلاد ربما أكثر من أيّ شعر آخر سُطِّر حتى الآن: أنا من هنا وهنا أنا وأنا أنا وهنا أنا وأنا أنا. إلى الأبد هنا هنا إلى الأبد”. درس وطن فلسطيني. قال طالب ثانوي مرتبك في التلفزيون في نهاية الأسبوع إن الشعر الفلسطيني ليس شعر شعبه ولذلك لا يهمّه. بالإضافة إلى الجِلافة المميزة في قوله هذا فقد تجاهل الفتى أمراً هاما: شعرُ محمود درويش نُظم في الأساس عنّا، عمّا فعلنا لهم، عن الظلم الرهيب الذي ألحقناه بهم. لذلك ينبغي هذا الشعر أن يثيرَ اهتمامَه جدا.
لو كنتُ أستاذاً للأدب لعلّمتُ بعض قصائد الحبّ الرائعة التي نظمها محمود درويش لوطنه ولنسائه )صدر قبل بضعة أسابيع كتابه ”عرش الغريبة” بالعبرية، عن دار النشر بابل( ولحكيتُ لهم أن مأساته أنجبت بحُكم الطبيعة قصائدَ تنضح مرارةً إزاء مَن سبّب في نظره تلك المأساة، ولكنتُ أسأل طلبتي أيّ نوع من الدول تلك التي لم تكتف بعدم تدريس شعره حتى الآن، بل وتمنع ناظمَه من زيارة بلاده أو العيش فيها، في أحضان أسرته. الآن يصل السخف الإسرائيلي أوجَه: أتوجد دولة أخرى تدرّس نتاج شاعر معيّن ولا تسمح له بالدخول إليها؟ من المهم جدا أن يسمع طلبةُ إسرائيل عن هذا الأمر أيضا في العام الدراسي القادم
ملحوظة: ما زال الموضوع ساري المفعول رغم مرور السنين! .
ترجمة: ا. د. حسيب شحادة