كان المرحوم ياسر عرفات يجيد فن تصدير الأزمات التي تواجهها السلطة الوطنية الفلسطينية باتجاه إسرائيل، فقد كان يكتشف قبل فوات الأوان أن الاحتقان قد وصل إلى ذروته داخل الضفة الغربية وقطاع، ويعمل بالتالي على تنفيس هذا الاحتقان، حدث ذلك في انتفاضة النفق وفي انتفاضة الأقصى، وعلى ما يبدو فإن حركة حماس تحاول تقليد هذا الأسلوب ولكن في الاتجاه الخطأ، فكلما تأزمت الأمور في قطاع غزة بعد الحسم العسكري تفتعل حماس قضية ما لتنفيس الاحتقان داخل الشارع الغزي، فقد ابتدعت فكرة إخراج الحجاج عبر معبر رفح على الرغم من أن الحكومة في رام الله قد أعلنت أن الحجاج سيسافرون من معبر إيريز عن طريق الأردن، وقد استبقت حماس الموعد المحدد لخروج الحجاج عن طريق الأردن من خلال دعوة الحجاج إلى الطواف حول معبر رفح لتدفع بهم إلى الجانب المصري، ولم تقبل مصر أن تقف عقبة في وجه قيام هؤلاء الحجاج بأداء فريضة الحج، ولعل هذه العملية كانت محاولة لجس نبض مصر ومعرفة رد الفعل الذي سيصدر عنها، وقد شجع التغاضي المصري حركة حماس على القيام بفتح ثغرات في الجدار الحدودي ليندفع ألاف الفلسطينيين من خلالها دون مراعاة لمشاعر المصريين من قوات الأمن، وقد وصل الأمر بالبعض إلى حد رشق الجنود المصريين بالحجارة ورفع العلم الفلسطيني على سارية الاتصالات في الشيخ زويد وكأن مصر هي التي تحتل الأراضي الفلسطينية، أو كأن مصر هي التي تفرض الحصار الظالم على قطاع غزة.
وقد سبقت عملية فتح المعبر حملة إعلامية ضخمة من خلال المواقع الإلكترونية والصحف التابعة لحركة الإخوان المسلمين في العالم العربي، وقد تضمنت هذه الحملة الإعلامية اتهاما لمصر بأنها تشارك في فرض الحصار على غزة ومطالبتها بفك هذا الحصار، وقد دعت حركة حماس مصر إلى التفاوض لتغيير اتفاقية المعابر متناسية أن هناك خمسة أطراف في هذه الاتفاقية، وأن حماس ليست من بين هذه الأطراف، لأنها بعد الحسم العسكري تخلت عن كونها جزءا من السلطة الوطنية الفلسطينية التي وقعت اتفاقية معبر رفح، وقد تجاهلت حركة حماس العرف السياسي الذي يفرض على أية حكومة تصل إلى الحكم عن طريق الانتخابات أو الانقلاب العسكري في كامل التراب الوطني وليس في جزء محدود من الوطن أن تعلن التزامها بكافة الأعراف والمواثيق الدولية وبكل الاتفاقيات التي وقعتها الحكومات السابقة لها حتى تستطيع بعد ذلك أن تتحدث عن إمكانية إلغاء أو تعديل هذه الاتفاقيات، لا يمكن للعالم أن يستوعب فكرة إصرار أية حكومة تتم إقالتها على أنها هي الحكومة الشرعية لأن الحكومة تستمد شرعيتها بعد القسم أمام الرئيس المنتخب الذي يملك حق تعيين الحكومة وإقالتها حسب الدستور أو القانون الأساسي في الحالة الفلسطينية.
لقد شكل هدم الجدار الحدودي بين مصر وقطاع غزة انتهاكا للسيادة المصرية على أراضيها، ومع ذلك تغاضت مصر عما حدث من باب التعاطف مع الفلسطينيين في قطاع غزة ومراعاة للظروف المأساوية التي يمر بها القطاع من محاولات الخنق والتجويع، لقد قدرت مصر ظروفنا الخاصة فهل قدرنا نحن الفلسطينيين تجاوب مصر وتغاضيها عن هذا المس بسيادتها على أراضيها، لقد أشار الرئيس حسني مبارك إلى أن مصر لن تسمح بتجويع الفلسطينيين، فماذا فعل الشعب الذي تعاطفت معه الشعوب العربية بالمسيرات والاعتصامات الاحتجاجية؟ قام من دخلوا مصر بشراء كميات هائلة من السجائر ومن الدراجات النارية والسولار والأسمنت ولم نشاهد عبر الفضائيات من يشتري الدقيق أو الحليب للأطفال، حتى أن حليب الأطفال يكاد يكون مفقودا من الصيدليات والمحال التجارية، ومن حق البعض أن يتساءل : هل هذا هو الشعب الجوعان ؟ وهل الشعب الجوعان يحصر همه في شراء الدخان؟ لقد قدم من عبروا الحدود إلى مصر صورة سلبية عن الشعب الفلسطيني مما أدى إلى توقف المظاهرات والمسيرات الاعتصامات التضامنية مع الشعب المحاصر في غزة.
ولعل الأخطر من ذلك هو ما حدث من تحرشات برجال الأمن المصريين الذين ضبطوا أعصابهم حتى النهاية في الوقت الذي أصيب فيه عشرون منهم في بداية التحرشات وتم قتل خمسة كلاب من كلاب الشرطة، وفي الاحتكاكات التي جرت أمس الاثنين 4/2/2008م أصيب حوالي أربعين جنديا مصريا، ترى هل هذا هو العرفان بالفضل لأخوتنا من أبناء الشعب المصري في سيناء والذين فتحوا بيوتهم لاستقبال الجموع التي تدفقت من خلال الشريط الحدودي إلى المدن المصرية في سيناء.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل يفكر الأخوة في حماس قبل إقدامهم على أية خطوة في نتائج هذه الخطوة وكيف يمكن إنهاء ما يقدمون عليه بطريقة سليمة لا تسبب الحرج لهم أو لغيرهم بدلا من تحميل مسئولية أي قصور ينتج عن الأفعال التي يقدمون عليها للآخرين، لقد كادت إسرائيل ترضخ للضغط الدولي وبدأت تفكر في إدخال المواد التموينية إلى قطاع غزة، فجاءت عملية فتح المعبر بمثابة القشة التي يتعلق بها الغريق، حتى أن إسرائيل أبدت ارتياحها لدعوة حماس إلى فك الارتباط الاقتصادي بين قطاع غزة وإسرائيل معتبرة أن هذه الدعوة تعفيها من مسئوليتها باعتبارها دولة احتلال ما زالت تحتل قطاع غزة وإن كان هذا الاحتلال بأسلوب مموه جيدا، وترسخ في الوقت ذاته الفصل السياسي بين غزة والضفة الغربية أي أنها ستقضي على حلم الدولة الفلسطينية من خلال ضم قطاع غزة إلى مصر كما تريد إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وضم الضفة للأردن، ترى : هل يعتقد الأخوة في حماس أن غزة تصلح لأن تكون دولة أو حتى دويلة تفي بجميع متطلبات سكانها؟ لقد طرح الإسرائيليون فكرة إقامة دويلة في غزة في عام 1988م حسب ما روجته صحيفة يديعوت أحرنوت أيامها، فهل يجوز لطرف فلسطيني أن يسعى لتحقيق ذلك عن قصد أو عن غير قصد؟ وإذا كانت الضفة وغزة لا تستطيعان الاعتماد على مواردهما في إقامة دولة مستقلة وأنهما في حاجة إلى مساندة المجتمع الدولي والأمة العربية والشعوب الإسلامية فهل يعقل أن تستطيع غزة الوفاء باحتياجات سكانها؟
كان من المتوقع أن تلتقط حركة حماس الدعوة التي وجهها السيد سلام فياض رئيس حكومة تسيير الأعمال لفتح معبر رفح باعتبارها بادرة حسن نية ستفتح الأبواب أمام مصالحة تاريخية بين الفصيلين الكبيرين وبين السلطة من جهة وحماس من جهة أخرى حتى نخرج من حالة الانقسام المزرية والتي إن طالت أكثر من ذلك فإنها ستؤدي إلى شطب القضية الفلسطينية من أجندة اهتمامات العالم وستصبح القضية نسيا منسيا وحينها لن ينفعنا الندم.
من واجب حماس أن تقف وقفة جادة مع النفس وأن تختار بين مصلحتها باعتبارها حزبا سياسيا وبين مصلحة الشعب الفلسطيني التي لن تتحقق إذا تبعثرت الجهود وأصبح منطق التقاسم والشراكة هو الذي يحكم مسلكياتها، وللخروج من هذا المأزق الذي وجدنا أنفسنا أسرى في شراكه بعد الحسم العسكري هو التوجه وبأسرع ما يمكن إلى انتخابات مبكرة تحفظ ماء وجه الجميع وتعيد الأمور إلى نصابها، يجب على الجميع العودة إلى الشعب مصدر السلطات، ولعل فيما جرى في تركيا قدوة لنا ، فقد حاول حزب العدالة التركي ترشيح عبد الله غول لرئاسة الجمهورية، وبعد فشله في الحصول على الأغلبية اللازمة في البرلمان قرر حزب العدالة الذهاب إلى انتخابات مبكرة وحصل على الأغلبية اللازمة في البرلمان لدعم انتخاب عبد الله غول رئيسا للجمهورية، لماذا لا تفكر حماس بالطريقة نفسها بدلا من التمترس خلف مقولة أنها حصلت على الشرعية من الشعب؟ وهل هناك ما يمنع من تجديد هذه الشرعية بالعودة إلى الشعب؟
.