من الواضح أن مؤتمر القمة العرب الذي سيعقد في العاصمة السورية دمشق غدا السبت يعتبر من أكثر القمم العربية التي أثارت جدلا حولها قبل أن تبدأ أو تعقد بفترة ليست قصيرة، حيث أن هنالك من القمم التي ربما عقدت وانتهت دون أن تثير أي نوع من أنواع "الزوبعة" لا بل كانت تمر وكأنها لم تحدث أو لم تعقد.
والحقيقة أن هذه "الزوبعة" وهذا "الضجيج" حول انعقاد القمة لم يكن لأنها سوف تعقد في دمشق أو في غير دمشق بقدر ما هو ناتج عن بغض يكنه الشارع العربي بشكل عام لكل توجه أميركي أو من يدور في فلك أميركا من أنظمة العرب، هذا " الضجيج" هو رد فعل يمكن أن يسمى رد فعل طبيعي أو "فطري" من قبل المواطن العربي، الذي يشعر بان محاولات إفشال القمة تأتي استجابة لرغبة أميركية أكثر من كونها أي شيء آخر، وهو رد فعل طبيعي على ما قامت به هذه الدولة ضد أمة العرب وقد يكون من أهم تلك الأسباب هو احتلال العراق وكل ما حصل في هذا البلد بعد ذلك من سفك للدماء وقتل للأبرياء، وتدمير لمجمل البلد، واغتصاب للحرائر وخلافه من الجرائم التي لا تعد ولا تحصى، كذلك هذا الدعم غير المحدود الذي تقدمه الولايات المتحدة لدولة الاغتصاب في فلسطين والسكوت على كل ما ترتكبه عصابات باراك وفلنائي في الأراضي الفلسطينية.
لا اعتقد بأن الشارع العربي يعول كثيرا أو أن لديه الكثير من الأمل فيما سوف يصدر من قرارات عن القمة العربية المنعقدة في دمشق، وهي على أي حال قرارات لن تكون أفضل من غيرها من قرارات القمم التي سبقتها، كما أنها لن تكون ذات إمكانية للتطبيق أو التفعيل بشكل مختلف عن غيرها، وسوف يتم إلحاقها بمئات وآلاف القرارات التي سبقتها وسيعلوها الغبار الذي غطى سابقاتها من قرارات قمم "العربان" الذين ومع شديد الأسف ارتضوا أن يكونوا على هامش التاريخ وعلى هامش العالم لا بل ارتضوا أن يقوموا بدر التابع لهذه الدولة أو تلك من الدول القوية في العالم مبتعدين عن مصلحة شعوبهم وبلدانهم.
كذلك فإن القمم التي أثارت مثل هذا "الضجيج" كانت قليلة ومحدودة العدد، والواقع أن مؤتمرات القمة العربية سواء تلك التي كانت تعقد بهدوء وبدون الكثير من "الضجيج" أو حتى بدون "ضجيج" على الإطلاق، أو تلك التي تم عقدها بكثير من "الضجيج" لم تسفر على مدى السنين الماضية إلا عن قرارات لم تساو الحبر الذي كتبت به، إلا إذا استثنينا ما حصل في قرارات القمة العربية التي تم عقدها على عجل في العاصمة المصرية والتي قادها الرئيس المصري حسني مبارك، من أجل التحشيد على العراق وذبح هذا البلد بعد أن دخلت القوات العراقية إلى الكويت في العام 1990، ويمكن القول أن تلك القمة كانت من أسرع القمم من حيث توجيه الدعوات والحضور والقرارات والنتائج. ولا بد من التذكير هنا بأن سوريا ونتيجة لحسابات ذاتية اصطفت في تلك القمة مع "العربان" الذين تخندقوا في الخندق الأميركي في حفر الباطن وحاربوا العراق من أجل "تحرير" الكويت.
هنالك قمة أخرى تم تفعيل قراراتها قبل ذلك وكانت على إثر زيارة الرئيس المصري محمد أنور السادات إلى القدس والتي أدت إلى شق الصف العربي بشكل غير مسبوق، حيث تم عقد قمة عربية في العاصمة العراقية تم خلالها نقل مقر الجامعة العربية إلى تونس كما تم "طرد" مصر لمدة عشر سنوات خارج الجامعة وخصص فيها دعما سخيا لسوريا والأردن تم دفع جزء كبير منه لهاتين الدولتين وذلك من أجل دعمهما في وجه دولة الاحتلال الإسرائيلي بعد أن أخرج السادات مصر من حسابات المواجهة مع اسرائيل.
إلا أن الحقيقة أن قمة القاهرة في العام 1990 كانت من أكثر القمم العربية تأثيرا في تاريخ الجامعة العربية والتي يعتبرها البعض أكثر القمم حسما خاصة وأنها كانت القمة العربية الأولى التي أعطت رخصة- وضوءا أخضرا- للتدخل الأجنبي في المنطقة العربية وفي الخلافات العربية العربية بشكل غير مسبوق، وصار يمكن اعتماد تلك القمة للتأريخ ما بين مرحلتين في التاريخ العربي المعاصر.
يجمع الشارع العربي بشكل عام على أن القمم العربية لم تعد تثير فيه الكثير من الاهتمام، خاصة وان التجربة أثبتت بأن الرهان على القمم العربية إنما هو كما الرهان على حصان "منهك" خاسر بالتأكيد، وعلى هذا الأساس فان ذالك البريق الذي كان يحيط بانعقاد القمم العربية لم يعد هو ذات البريق، فلقد أصبح انعقادها أو عدمه لا يثير في النفوس أية أحاسيس أو توقعات، لأن تجربة المواطن مع تلك القمم كانت تجربة سوداء تبعث على الإحباط أكثر مما تبعث على الأمل، لا بل إن هذا المواطن صار يعتقد بأن انعقاد القمة العربية أو عدمه لم يعد مهما ولا حتى ضروريا.
ما هو حاصل منذ أن أثيرت الزوبعة أو "الضجة" حول محاولات إفشال قمة دمشق هو في حقيقة الأمر ما جعل القمة محط اهتمام المواطن العربي، فصار ينظر إلى المسالة على أنها تحد أو –كسر عظم- بين من اختار أن يصطف على الجانب الأميركي الراغب في إفشال هذه القمة وبين من رغب في أن يبتعد عن هذا المعسكر ولو بالمشاركة- على الأقل- في هذه القمة، وهذا يذكرنا بموقف الجماهير التي أيدت حزب الله في حرب إسرائيل الأخيرة على لبنان، وذلك عندما وقفت نفس الدول في وجه حزب الله ووصفت ما قام به حزب الله من أسر للجنود الإسرائيليين وما قام به حزب الله بأنه عمل مغامر، عند ذاك كان لتلك التصريحات وقع الصدمة في قلب المواطن العربي الذي انحاز بشكل آلي إلى حزب الله وهذا ما أدى بالتالي إلى ازدياد شعبية هذا الحزب بشكل كبير لم يكن في حسبان من تحاملوا على حزب الله.
كنت أتمنى أن يدرك العرب وبالتحديد القادة منهم أن الجماهير العربية إنما تصطف إلى جانب كل ما هو معاد لأميركا أو ما هو ضد الولايات المتحدة، ليس لأن الجماهير العربية ترغب بمعاداة أحد بما في ذلك أميركا، بل لأن أميركا هي من تستعدي هذه الجماهير من خلال ما تقوم به ضد أماني وآمال هذه الشعوب العربية، إن اصطفاف الجماهير العربية حتى ضمن الدول التي رغبت في إفشال قمة دمشق يدلل على الفجوة التي تشكلت بين قادة هذه البلدان وبين شعوبها، كما أن ذلك يظهر كم هي بعيدة تلك القيادات عن جماهيرها وعلى مدى الزيف في التقارير التي تقدمها الأجهزة الأمنية في تلك الدول، وكنت أتمنى أن تستمع تلك القيادات إلى شعوبها لتعلم بأنه إذا ما أتيحت الفرصة لها لكي تختار لما بقي أي منها في عرشه كل هذه الفترة.
أن تستمر قيادات هذه الأمة في الرهان على الأجنبي في الاستمرار في "كراسيها" هو خطأ تاريخي تقع فيه هذه الأنظمة العربية وهو استمرار في "غي" لا يمكن أن يكون مقبولا ، وعلى هذه القيادات أن تتلمس رغبات شعوبها وأن تراهن على هذه الشعوب لا أن تستمر في اضطهادها وقهرها لأنه إذا ما أزفت ساعة الحقيقة فإن أميركا لن تستطيع أن تفعل شيئا لصالح تلك القيادات، حيث أثبتت كل التجارب بأن الرهان على الأجنبي إنما هو رهان خاسر ولا يمكن التعويل عليه.